غزة تحترق ونحن نتفرج

Submitted by EDITOR1 on السبت, 01/03/2008 - 01:59.

د. يحيى القزاز

هل صار الدم العربي رخيصا والدم الفلسطيني أرخص؟! سهام تخترق أجسادنا وتمر بسلام، فأجسادنا العربية صممت وبها ممرات للرصاص وللسهام وللسلام والاستسلام ولكل الموبقات. الكلام لا يجدي، والصراخ لا يُسمع الصُم، والتسول لا يعيد حقا سليبا، و"غزة" وصفتها سابقا بأنها مجزرة ومقبرة، واليوم وزير الدفاع الصهيوني يهدد "غزة" بأن تكون محرقة في غياب الضمير الإنساني، وحضور الصمت العربي.

أشعر بالخجل والعجز عن الوصول والانضمام إليهم في فلسطين، وأكتفي بمشاهدة قناة الجزيرة، وعلى شاشتها أرى أطفالا فلسطينيين يقتلون برصاص العدو الصهيوني، امتعض.. أتمتم.. وأشيح بوجهي كما يصنع نساؤنا في صعيد مصر، عندما يشاهدن حدثا جللا يصعب رؤيته واحتماله.

نظرت قبالتي في وجه طفلي الصغير، رأيت فيه ملامح الطفل الفلسطيني الشهيد، انتفضت واحتضنته.. تحسست جسده ونبضه.. حي.. يتحرك. أختلس النظر إلى الشاشة، ألمح وجوها ملائكية مهشمة وأجسادا ملطخة بالدم لأطفال محمولين على أيدي الرجال إلى مثواهم الأخير.. أموات هم، بل أحياء عند ربهم يرزقون. أعاود النظر لطفلي ثانية .. أحتضنه وأتشبث به. وأستعيذ بالله من الشيطان الرجيم خشية أن يمسه مكروه. اختلطت صور الأطفال بصورة ابني، وصرت أرى في كل طفل مسجى صورة طفلي، وأشك أن مَن بين يدي حي يتحرك.

أخشى على أبنائي الموت، وأتمنى أن تسبق منيتي منيتهم، وكأن أطفالنا ولدوا ليعيشوا، يتمتعون بالحياة، وأطفال الفلسطينيين ولدوا ليموتوا مشيعين بالزغاريد. يا إلهي..الزغرودة رمز الفرح والعرس، تصير بديلا للنحيب والبكاء.. إنها قمة المأساة أن تبتسم وأنت تتألم، وتزغرد وأنت تشيع فلذة كبدك إلى مثواه الأخير.. وكأنك تزفه إلى عروسه. أبناء الموت وأطفال الموت.. عرفوا الحكمة وأمنوا بها فطلبوا الموت لتوهب لمن بعدهم الحياة.

تنتقل الكاميرا وتتجول بين أنقاض المباني في غزة .. ترصد رهطا من السيدات والأطفال الرحل إلى غير جهة معلومة.. بحثا عن الأمان من القصف الصهيوني والصمت العربي، وأخري تسهر على أسرة من خمسة  وعشرين فردا، معظمهم من الأطفال محشورين في غرفة كعلبة السردين.. تعتصم بالله، وتشكو همها لله، وأخرى .. وأخرى تتساءل عن العرب والمسلمين.. فلا صوت ولا صدى.. لم تعرف ولم أعرف أنهم ماتوا وقت إعلان الكيان الصهيوني الحقير دولته، وتحسست نفسي.. فأنا واحد من هؤلاء الموتى.. اكتشفت أنني الحي الميت.. وأسوأ اللحظات أن تشعر بالرجولة وتكون عاجزا عن الفعل، وحيا وغير قادر على الحركة، فالرجولة موقف.. والحياة قدرة على التفاعل والمقاومة.

أعاود النظر إلى زوجتي وأبنائي، أشعر بالانكسار، أدفن رأسي في حجر طفلي الصغير، أطارد صور الفضائيات من قاع الجمجمة، وأدعو لأبنائي بطول العمر.. يصرخ صغيري: "إسرائيل لازم تموت"، أحتضنه بقوة وبأنفاس لاهثة: "وأنت يا بني لازم تعيش".. تصفعني يد الطفل الشهيد من التلفاز وبابتسامة ندية: "والفلسطيني لازم يموت "عشان" غيره يعيش". تضاءلت شيئا فشيئا ولم أتلاشى.. تلعثمت: ماذا لو قتل الصهاينة أبناءنا وأبناء الحكام والأثرياء العرب؟ ليتهم يصنعون .. ليتهم يفلحون.. ربما تحركنا.. وربما صمتنا للأبد في مقابر من النيل إلى الفرات.

 ------------------------------------------------

مقال د. يحيى  عن التشابه بين لبنان وفلسطين:

في الأزمة اللبنانية والفلسطينية

 

      تشابه كبير بين الأزمة اللبنانية والأزمة الفلسطينية، وإن اختلف واقع كل منهما، فكلاهما يحتاج إلى معين أو وسيط يساعده على الخروج من أزمته، وإن تبعة الوساطة قد تنتهي بما لا يحمد عقباه في غياب أصحاب المصلحة الحقيقيين. التحكيم وتقريب وجهات النظر عادة معروفة يقوم بها الوسطاء المحايدون بين طرفين متنازعين على الهدف قبل الوسيلة، ولكل منهما مشروعه الخاص الذي يتقاطع مع مشروع الآخر، وفي النهاية لا يشكل الوسيط عبئا على الطرفين ولا التزاما تجاهه بالانصياع والتبعية إلى ما يراه وما يريده. 

 

      وفي الشأن اللبناني صراع بين أكثرية نيابية (موالاة) وأقلية نيابية (معارضة)، والمفروض والمفترض أنه صراع على الآلية في طريقة الاختيار وليس صراعا على الهدف والنيل من وحدة لبنان وسيادة أراضيه. المعارضة تطالب بثلث ضامن وانتخابات مبكرة، وموالاة ترفض، وانتهى الأمر ببقاء لبنان جسد بلا رأس، وفي خلفية المشهد أو في صدارته، أكثرية (موالاة) غير قادرة على حسم الموقف واختيار رئيس جديد للبنان من خلال ديمقراطية تقليدية تعتمد على الأكثرية العددية، ومعارضة (أقلية) غير قادرة على تحقيق مطالبها. نحن أمام أكثرية هشة، وأقلية صلبة، أكثرية عاجزة وأقلية معطِلة، وقد يرجع هذا إلى خلل في تمثيل الدوائر الانتخابية في لبنان، والعبرة بالقوة وليس بكثرة العدد، قوى تنتمي لشعب وتضحي من أجله، وكثرة تبحث عن مصالحها وارتباطاتها. ويتبلور مصطلح "الديمقراطية التوافقية" عوضا عن "الديمقراطية التقليدية" لنزع الفتيل وحل الأزمة، وهو ما ترفضه الأكثرية النيابية. وغير منكر أن للديمقراطية التوافقية دور هام وإيجابي في حل مشكلة الأقليات والحد من تغول ديكتاتورية الأغلبية، ويبقى الأمل من وجهة نظر الأغلبية النيابية في التدخل الخارجي لإقرار الشرعية من وجهة نظرهم وتمكينهم من إدارة الدولة واختيار رئيس جديد مستخدمين "قميص الحريري" لتنفيذ مخططهم. ولدت مبادرات ووساطات عربية، ولاحت في الأفق نذر تدخلات أجنبية، وظلت الأزمة كما هي، فهل تذيب الوساطة العربية جليدها، أم يحسمها التدخل الأجنبي؟ ولمن يكون لبنان في النهاية؟

 

      نفس الشيء في فلسطين، صراع بين حركة المقاومة الإسلامية "حماس" والسلطة الفلسطينية –الموالية للعدو الصهيوني- التي يسمونها ظلما "منظمة فتح"، وإن كانت رأس السلطة أو قل رأس الأفعى من "منظمة فتح"، فغالبية "منظمة فتح" مازالت مقاومة مع أخواتها في فلسطين. صراع واقتتال بين الأشقاء كان من الأفضل أن يكون منافسة على حب الوطن والتضحية من أجله لا صراعا على حكم ولا فوز بثروة وسلطة في حماية غاصب أجنبي دخيل. أمور غير متشابهة لكل ذي عينين ضعيفة الإبصار، فمن مع الوطن وفي خندق المقاومة غير الذي مع العدو ويخدم على أهدافه. ولسنا بصدد التقييم لواقع عربي في فلسطين وفي لبنان وإن كان واضحا فمشروع المقاومة على اختلاق أطيافها غير مشروع السلطة الصهيونية التي تدير فلسطين المحتلة تحت اسم مستعار "السلطة الوطنية الفلسطينية"، ومشروع الموالاة اللبنانية يختلف عن مشروع المعارضة اللبنانية بزعامة المقاوم سماحة السيد حسن نصر الله. ونفس السؤال السابق هل تنهي المبادرات العربية ووساطتها الخلافات الفلسطينية وتوقف نزيف الدم على أيدي الأشقاء؟ ولمن تكون فلسطين في النهاية؟

 

      خلاصة القول أنه عندما يعجز الفرقاء أصحاب المشروع الواحد والهدف الواحد في الوطن الواحد عن الاتفاق على قاسم مشترك بينهما يقر تنوع الآلية الوطنية، ويؤكد على وحدة الهدف وسيادة الوطن، فإن الوساطة المحايدة بينهما لن تفلح، ولن تؤدي دورها إلا من خلال قدرتها على ما تمارسه من قوة ضغط وانحياز لطرف على حساب آخر يمثل مصالحها ووجهة نظرها، وهو نوع من التدخل والدعم أقرب منه إلى الوساطة المحايدة، يفرض الوصاية ويقر التبعية على الطرف المدعوم، ويضيع الوطن وتفنى سيادته من عبث الصغار مدعي الوطنية وأصحاب المصالح الخاصة. لن يحسم الأمر وساطة ولا تدخل في غياب الشعب صاحب المصلحة الحقيقية، فعندما يعجز نواب الشعب وممثلوه في لبنان وفلسطين، فعلى الشعب أن يقوم بسحب توكيلاته وتفويضاته من نوابه وممثليه الخائنين، وأن يقوم بممارسة حقه بالأصالة وليس بالإنابة في فرض ما يراه يمثل مشروعه الوطني، وتثبيت ما يشاء من الوطنين واقتلاع الخونة.

 

      الشعب صاحب المصلحة الحقيقية هو الوسيط والحكم والقوة الوحيدة القادرة على تقويم المعوج وتصحيح الانحراف، وفي غيابه لن تفلح وساطة وينجح التدخل، وغالبا ما تكون الوساطة غير نزيهة القصد في حالة عالم عربي ضعيف ممزق غير قادر على الدفاع عن نفسه، وبتعبير مهذب: الحكام العرب يقومون بدور ساعي البريد وتوصيل الرسائل بين الأطراف المتنازعة، وحاشى لله أن نصفهم بالخدم والعبيد لبني صهيون وبني أمريكا.

 

الوساطة بين النقيضين تؤجل الانفجار ولا تمنع المواجهة، وتضيع الوقت. وعنصر الوقت مهم وعامل فاعل في لحظات المقاومة، فبطول الوقت تفتر الهمة. والشعب هو الوحيد القادر على نزع فتيل الأزمة وإقرار ما يريده بانحيازه إلى خياره، وعليه بالتقدم وحسم الموقف، وفي غياب فعله وعدم بيان أثره تضيع البقية الباقية من أطلال فلسطين، ويغدو لبنان –لا قدر الله- ذرات متناثرة من جزئ منفصل عن مركب العروبة المفكك التائه.

 

 

صحيفة الدستور المصرية 1 مارس 2008

 

ُ

رد

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
3 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.