فيلم اللفتة الإنسانية
Submitted by EDITOR1 on الأربعاء, 30/04/2008 - 08:54.
بقلم /فهمي هويدي
لم أكن أعرف أن إطلاق سراح محبوس بعد عشرة أيام من صدور قرار النيابة بالإفراج عنه يعد لفتة إنسانية جديرة بالحفاوة والترحيب. ولكن الصحف التي صدرت صباح يوم 24/4 الحالي زفت إلينا خبرًا بهذا المعني، حين أبرزت خبر الإفراج عن فتاة الـ «فيس بوك» إسراء عبد الفتاح، التي اتهمت بالتحريض علي إضراب 6 أبريل ، ولكن النيابة أمرت بإطلاق سراحها في 14 أبريل، إلا أن وزير الداخلية لم يسمح لها بالعودة إلي بيتها، وإنما حملتها سيارة الشرطة إلي جهة مجهولة، عرفنا بعد ذلك أنها سجن النساء في بلدة القناطر الخيرية.
ذكر الخبر المنشور يومذاك أن والدة إسراء كانت مسافرة لأداء العمرة، وتقدمت بطلب إلي وزير الداخلية لرؤية ابنتها قبل السفر، ولكنه لبي طلبها بشكل آخر، حيث أصدر قرار الإفراج عن الابنة، وكانت تلك هي «اللفتة الإنسانية» التي أبرزها الخبر، الأمر الذي يعطي القارئ انطباعًا بأن الأصل أن تبقي الفتاة في السجن إلي أجل غير معلوم، رغم أن النيابة لم تجد مبررًا لاحتجازها وأمرت بإخلاء سبيلها، إذ لا قيمة لهذا الإجراء، لأن الجهاز الأمني هو الذي يقرر من يخرج ومن يبقي، وقرار النيابة أو القضاء استشاري فقط وليس ملزمًا، وحين يري وزير الداخلية إطلاق سراح شخص برئ، فذلك يعد من جانبه كرمًا وأريحية ولفتة إنسانية تبرزها الصحف ضمن أهم أخبارها علي الصفحة الأولي.
أفهم أن وصف هذا القرار بأنه لفتة إنسانية في تصريح لمسئول في الداخلية، يهمه أن يغازل رئيسه أو ينافقه، لكنني لم أفهم لماذا تتطوع الصحف بذلك؟، وهو ما لا يمكن أن يفسر إلا بحسبانه نموذجًا يشهد بالمدي الذي ذهبت إليه الاختراقات الأمنية لوسائل الإعلام المختلفة، التي حولت بعض تلك المنابر إلي أبواق لأجهزة الأمن تستغل في تجميل ممارسات الداخلية، وخوض معاركها وتصفية حساباتها ضد المعارضين.
لإخراج فيلم اللفتة استدعت الداخلية إحدي القنوات التليفزيونية الخاصة لتصوير إسراء في لحظة خروجها من سجن القناطر، ونقلت علي لسانها كلامًا منمقًا أعربت فيه عن الأسف والندم لمشاركتها في الدعوة إلي الإضراب، وأشادت فيه بالمعاملة الجيدة التي عوملت بها أثناء احتجازها، وكانت خلاصة كلامها أنها أخطأت في حين أن الداخلية أحسنت إليها.
حتي إذا افترضنا أن الكلام صحيح، فإنه يعبر عن جزء من الحقيقة وليس عن كل الحقيقة، لأن الأخبار المتداولة علي الإنترنت تتحدث عن زملاء لها من المشاركين في الـ «فيس بوك» حوالي (20 شخصًا) لايزالون تحت الاعتقال، وأنهم تعرضوا للتنكيل والتعذيب، ولم تشملهم «اللفتة الإنسانية» ،لأن الإعلام لم يسلط أضواءه عليهم كما حدث مع إسراء، أحدهم الدكتور ممدوح المنير الذي أطلق سراحه يوم 25/4 وأحالته النيابة إلي الطب الشرعي لإثبات آثار التعذيب التي مازالت باقية علي أنحاء مختلفة من جسمه ، أما الباقون فلا يعرف عددهم ولا مكانهم أو مصيرهم.
لا يحتاج المرء لأن يبذل جهدًا لكي يدرك أن كلام إسراء التي ندمت فيه علي معارضتها لسياسات النظام ودعوتها للإضراب في 6 أبريل، ليس سوي قراءة لنص قدم إليها، وطلب منها أن تحفظه جيدًا كشرط لخروجها من السجن، ذلك أن لديَّ رسائل عدة من مسجونين سياسيين سابقين مروا بذات التجربة من قبل، ولقنهم مسئول في جهاز أمن الدولة بما يتعين عليهم أن يقولوه ، وما لا ينبغي أن يشيروا إليه أو يخوضوا فيه، وقال لي أحدهم: إن ثمة مكتبًا مختصًا بهذه العملية يمر عليه المعتقلون لإبلاغهم بما يلزم قبل أن يروا النور، ورجاله علي اتصال دائم بهم بعد الخروج، للتذكير والتنبيه.
إننا سنظل في خطر دائم طالما نُحي القانون جانبًا، و بقيت مصائر الناس معلقة علي أمثال تلك اللمسات الإنسانية المفتعلة التي يراد بها التجمل وليس العدل أو الإنصاف.
- 1126 reads
( categories: )
