«إسراء» وأخواتها
Submitted by EDITOR1 on الثلاثاء, 22/04/2008 - 14:42.
أكتب لكم اليوم عن ''إسراء''. فتاة مصرية، لسانها عربي، استطاعت أن تقلب الدنيا رأساً على عقب.
الاسم: إسراء عبد الفتاح.. العمر 28 عاماً. المؤهل ليسانس كلية الألسن. العمل: منسقة للموارد البشرية بإحدى الشركات الخاصة.
في الأيام العشرة الماضية تصدرت صورة إسراء الصحف العربية والعالمية. ليست صورة واحدة، بل عدة صور مختلفة. وجهها بسيط أليف، تلف شعرها بحجاب عصري يترك منبت شعرها مطلاً للعيان. نظارة شمس أنيقة تترك مكانها لتفسح لنظارة طبية مذهبة. ماكياج خفيف يبرز ملامح جميلة هادئة. ''إسراء'' متهمة بالتحريض لأكبر إضراب عام شهدته مصر خلال نصف قرن مضى. لقد أطلقت دعوة الإضراب والاعتصام بالمنازل وعدم الذهاب إلى العمل عبر الإنترنت، فأسست مجموعة على موقع ''فيس بوك''. انضم للمجموعة في عدة أيام سبعون ألفاً من الشباب. هي إذن واحدة من جيل ''المدونين''، جيل لم ننتبه إليه بشكل كاف. شباب انفتح على العالم بضغطة أزرار بسيطة. لم يحتج أن يسافر، أو أن يكون مليونيراً حتى يلف العالم. جيل عربي يعاني الاستبداد في بلاده بينما تتلمظ عيناه شوقاً لحرية وعدالة يستنشقها أقرانه.
إسراء أصبحت أيقونة جيلها. صورتها تكشف عن وجه وإصبعين مرفوعين بعلامة النصر، وهي تدخل سيارة ترحيلات السجن. صورة أخرى وهي تحتضن والدتها أثناء خروجها من النيابة العامة. صورة ثالثة قديمة لها وهي تقف أمام أحد الشلالات المائية في رحلة ترفيهية. هكذا قطرة قطرة تسربت ''إسراء'' إلى قلوب المصريين والمصريات والعرب، تحولت إلى رمز لمستقبل جديد.
في يوم 14 أبريل/ نيسان الجاري أصدرت النيابة العامة قراراً بإخلاء سبيلها والإفراج عنها. ظل أهلها وأصدقاؤها ينتظرون خروجها طوال ذلك اليوم، ولكنها لم تخرج. خرجت ''إسراء'' من سجن القناطر، ولم تظهر بعدها. طوال ثلاثة أيام انشغل الرأي العام باختفاء ''إسراء'' في بلد به قانون وسجون رسمية ودستور. بعد ثلاثة أيام تم الإعلان عن صدور قرار اعتقال غير محدد المدة لإسراء. أين إسراء الآن؟ لا أحد يعرف، أسرتها تبحث عنها، بينما هي حرة تسكن قلوب المصريين. انتشرت مجموعات التضامن مع ''إسراء'' وأخواتها وإخوانها من عفاريت الإنترنت. آلاف مؤلفة من رسائل التضامن باللغات كافة، لكنها تنطق كلمة واحدة من أربعة حروف. ''حرية''، نعم الحرية لإسراء.
لكن كيف تفكر ''إسراء'' وجيلها؟
قبل صدور قرار الإفراج الذي سبق اعتقالها، استطاعت تسريب مقالة تعبر عنها لأحد الصحف المستقلة[1]. ماذا قالت فيه؟ ''أنا إسراء بنت مصر.. أنا إسراء بنت النيل الذي يمر عند حافة شرفة غرفتي في بنها.. أنا بنت المهندس عبدالفتاح راشد الذي أصر أن يعمل بالتدريس حتى يعلم طلبة مصر الإخلاص للوطن والنزاهة والشرف.. لم أكن يوماً أفكر أن أكون سياسية أو بطلة، ولكني دوماً فراشة تحترق حول نور الحرية وحق التعبير.. أحب العدل وأعشق أن أعبر عن رأيي وأن يعبر الجميع عن رأيهم. تعلمت من أبي ومن النيل تحت غرفتي أن العطاء تدفق. وأن سريان المياه داخل النهر إن لم تكن حرة لن تكون مصر ولن يكون النمو والزراعة والحياة''.
تواصل إسراء تدفقها في سيل صدق جارف. ''أحاسب وأسجن ويقذف بجسدي الصغير داخل سيارة الترحيلات، لأني أقف بجوار أبناء بلدي ضد الغلاء.. أقضي أيامي في الظلام وأنا الباحثة عن نور الحياة في عين وقلب كل مصري''.
وتحكي الفلاحة الفصيحة ''إسراء'' حكايتها. ''بدأت في عمل جروب على الفيس بوك على النت أقول فيه إن الغلاء طحن أكباد المصريين .. كانت دعوتي سلمية للتعبير عن رأيي ورأي الجميع. قابلت دعوتي هوى المصريين.. وصل عدد المشتركين قبل ساعات من الإضراب إلى سبعين ألف مشترك.. لم أكن أعلم وأنا الجالسة بين حوائط غرفتي الطفولية أنني سأنتزع نزعاً إلى حوائط أعلى لا تعرف نور الحرية والتعبير.. لم أكن أتصور أن الجلوس على الكمبيوتر ومداعبة مفاتيحه ممكن أن يجرم في هذا البلد''.
تنهي إسراء كلماتها الصادقة العذبة.. ''أنا أريد أن أبني مصر بالحرية والرأي ومن يحطم مصر ويستهدف أمنها هو عدوي.. أنتظر عدل الله على الأرض وأحتسب أيامي في الظلام في حب أمي وأخي وأختي وكل أبناء بلدي''!
هل رأيتم أجمل وأعذب وأصدق وأجرأ من تلك الكلمات؟ فتاة عربية بسيطة تفجر أشواق أجيال للحرية والانعتاق. أجيال قديمة فشلت في مواجهة متطلبات الاستقلال، ولم تستطع استعادة فلسطين، وتوالت عليها النكسات والهزائم.
''إسراء'' هي رمز لجيل جديد وطريقة تفكير جديدة تليق بعصر طرد بلادنا من خريطته. إسراء ليست وحدها.. فبجانب ''إسراء'' المصرية، هناك ''إسراء'' الفلسطينية، والسورية واللبنانية والخليجية والمغربية. ''إسراء'' قدرة وجرأة على الفعل. أما آن لنا أن نستمع إلى أصوات جيل ''إسراء'' وألا نكبت حريته ونكتم أنفاسه. ألم يحن الوقت لأن تتخلص عباراتنا ولغتنا من ''كان وأخواتها''، وأن نبدأ كل الجمل بأفعال كاملة جديدة، هي ''إسراء وأخواتها''!.
- 696 reads
( categories: )

تحية ايتها
تحية كبيرة للقائمين على هزا الموقع لحركة كفاية
رعاك الله
علِّق