هل ماتت فلسطين في مصر؟
Submitted by EDITOR1 on الثلاثاء, 22/04/2008 - 14:50.

بقلم/ عبد الحليم قنديل

 

بدا السؤال بريئا، وإن لم يكن كذلك، فقد سألتني هيئة الإذاعة البريطانية (B.B.C) ـ قبل أيام ـ عن فتور الرأي العام المصري بصدد القضية الفلسطينية، وقلت: ان ما يبدو ظاهرا علي السطح ليس كذلك في العمق، وان الأسباب كثيرة، وأظهرها أن النظام الذي يميت مصر هو ذاته الذي يميت قضية فلسطين في الضمائر والقلوب.

 

والذي يفرد خرائط مصر الآن، يري حقيقة الوجع المصري ناطقة بغير الكلام، فالنظام الذي يحاصر غزة، هو ذاته النظام الذي يحاصر المحلة، والحشود والثكنات العسكرية عند معبر رفح شرق سيناء، هي ذات الحشود المسلحة عند مداخل ومخارج المحلة في قلب الدلتا، والنظام الذي يدعم المجهود الحربي الإسرائيلي بالحصار وتصدير الغاز والبترول، بينما تتولي إسرائيل مهمة الأسر والذبح المباشر للفلسطينيين، هو ذاته النظام الذي يتولي بنفسه قتل وجرح وأسر المصريين في المحلة، والنظام الذي يمنع دخول الصحافيين والمثقفين وأساتذة الجامعات المصريين من دخول المحلة، هو ذاته النظام الذي يمنع عبور الفلسطينيين إلي مصر، ويمنع عبور المصريين إلي غزة، ويصادر شاحنات الدعم الشعبي غرب قناة السويس، وقبل العبور إلي سيناء.

 

والمشهد الناطق أكبر من مصادفة صور، وأكبر من توقيت لإعلان حرب النظام ضد المصريين والفلسطينيين في اللحظة ذاتها، فليس مهما للنظام سوي أن يبقي، وشرط البقاء واضح، وهو أن يحرص علي كسب رضا رعاته الأمريكيين والإسرائيليين بالذات، وليس له من اختيار آخر، فقد تداعت القاعدة الاجتماعية للنظام إلي حد التلاشي، وانسدت عليه سبل المناورة الداخلية، وانعدمت قدرته علي تجديد الرضا الاجتماعي، وغامت حواسه، وتحول إلي جماعة معلقة ـ بمماليكها وأغواتها ـ علي رأس عصا أمنية متضخمة متورمة، والنظام الذي يفقد أسباب البقاء من الداخل يزيد ميله لالتماس سند بقاء من الخارج، وهو ما يحدث بالضبط للنظام المصري، وبصورة مكشوفة مفضوحة ربما أكثر من أي وقت مضي.

 

فقد ضاقت هوامش المناورة ـ التي كانت محدودة أصلا ـ مع الأمريكيين والإسرائيليين، وانتهت صيغة مبارك الأب الذي بدأ حكمه بتهدئة في الداخل عقب الاغتيال الدرامي للسادات، وحاول المناورة ولمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات، ثم انتهي إلي الأسر بعد حادث أكيلي لاورو ومضاعفاته، حين حاول تهريب أبو العباس خلسة إلي حيث عرفات في تونس، وبغير استشارة الأمريكيين، وكان ما كان من خطف للطائرة والتقريع والتأنيب والتوبيخ، ولزم مبارك بعدها حدود الأدب والاستئذان الحذر، وانتهي ـ بالطبائع الجبرية لكامب ديفيد والمعونة الأمريكية ـ إلي أسر الأمريكيين والإسرائيليين بالتتابع، وكان لديه فضل زاد للبقاء فيما تبقي من الثمانينيات، وباستقرار اجتماعي راكد بدعم القطاع العام وقوانين الضمانات العامة.

 

وفي التسعينيات بدا أن فرص البقاء تهتز، بعد أن ضاقت فرص هروب المصريين بالملايين للعمل في الخارج، وبعد أن بدأ برنامج الخصخصة في التنفيذ مصحوبا بزيادة معدلات النهب العام، ثم بدأ العقد الثالث الجاري، والنظام في أضعف حال، انكشاف في الاقتصاد يضاعف معدلات البؤس العام، وانكشاف في السياسة بالتطور العائلي للحكم، وانكشاف في المحيط بصعود ظواهر الانتفاضة الفلسطينية والمقاومة العراقية وأسطورة حزب الله، وانحسار في فرص التخفي بالتعاون مع الأمريكيين والإسرائيليين، والانتقال بالتبعية للأمريكيين والإسرائيليين إلي فضاء العلن المكشوف.

 

لم تعد العمالة السياسية علي التباسها القديم، بل صارت ظاهرة مقتحمة متبجحة، صارت شرطا للبقاء أكثر منها فرصة للاختيار، وقبل عام من اغتصاب الرئاسة الخامسة، كان مبارك يطوي علنا أوراق امتناع بدت كأنها حجته الوطنية الباقية، أطلق سراح الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام، وتناسي تصريحاته المتكررة باحترام أحكام قضاء أهدرها في لحظة، وعقد اتفاق الكويز بعد امتناع دام لثماني سنوات قبلها، وأعاد السفير المصري لتل أبيب، وأعطي الإشارة الخضراء لعقد اتفاق تصدير الغاز لإسرائيل، وقد وقع ممهدا ومصاحبا لرئاسة مبارك الخامسة التي بدأت أواخر 2005، وارتبط التحول ـ فوق حساب التطورات الإقليمية ـ بالتطور العائلي، وطلب كسب الرضا الأمريكي بالذات عن فكرة استنساخ نظام مبارك في صورة ابنه، فقد بدا مماليك جمال مبارك ـ من المثقفين ورجال البيزنس ـ جماعة مارينز بالمعني الحرفي، يريدون طلاقا بائنا مع كل التزام عربي وبضمنه القضية الفلسطينية، وإحلال ولاء غير مشروط للاعتبارات والأولويات الأمريكية والإسرائيلية، وبعكس مبارك الأب الذي يفضل التخفي بالعار، بدت صراحة الولاء لأمريكا وإسرائيل أهم عناصر الاستثمار في تنمية نفوذ الإبن.

 

بدا التطور العائلي زاحفا بشدة إلي ملفات الخطر، وإلي قضايا الوجود المصري في ذاته، وبعد أن صار ملف الاقتصاد من زمن حكرا للابن وجماعته، وإلي حد حجز له الحق الضمني في اختيار رئيس الوزراء ووزراء المجموعة الاقتصادية، وهو ما استصحب دورا للابن ـ بولائه الأمريكي الخالص ـ في السيطرة علي الإعلام المملوك للدولة، فقد أزيح صفوت الشريف رجل مبارك الأب ـ وضابط المخابرات السابق ـ إلي خارج وزارة الإعلام، وحل في الدور أنس الفقي صبي البيزنس المقرب من سوزان مبارك، وهي الراعية الأولي لسيناريو توريث الابن، وجرت تعديلات في رئاسة تحرير الصحف الحكومية، وعلي قاعدة الولاء لجماعة جمال مبارك فوق الولاء لجهاز أمن الدولة، وهو ما يفسر كيف أن اللوبي الإسرائيلي في الحكم لم يعد مقصورا علي اسم شخص واحد، وكما كانت الحال مع يوسف والي وزير الزراعة السابق وأمين حزب الرئيس في أغلب سنوات الحكم، بل صار اللوبي الإسرائيلي يتحكم في الاقتصاد كله لا في الزراعة وحدها، ولم يعد اللوبي ذاته مقصورا علي استثناءات في الصحافة، بل صارت الصحافة الحكومية كلها ـ باستثناءات قليلة ـ علي ولاء إسرائيلي ظاهر، فيما تراجع دور أجهزة الأمن الحساسة ذات الولاء الرسمي لمبارك الأب، والتي حاولت المزاوجة بين اعتبارات أمريكيـــــــة ـ إسرائيلية في شــــبكة تفاعل معقدة مع الموضوع الفلسطيني، وبوعي أن الموضـــــوع الفلسطيني هو الأقرب بامتياز لاعتبارات الأمن المصري الكياني والسياسي.

 

وبعد أن بدا لسنوات ان شخص اللواء عمر سليمان ـ مدير المخابرات ـ هو صاحب امتياز النصح بالتصرفات المصرية في الاتجاه الفلسطيني، وهو عسكري قديم يشعر بفداحة ما جري من نزع لسلاح أغلبية مناطق سيناء، وربما يتحين الفرص لتعديل الموازين، ويري في مد الجسور مع فصائل مقاومة فلسطينية ـ حماس وغيرها ـ كسبا للوزن المصري متداعي الأثر بمضاعفات كامب ديفيد، بدا لسنوات أن عمر سليمان هو سيد الملف الفلسطيني، لكن هذه المكانة بدت متراجعة مع التطور العائلي الذي لا يستسيغ دور مدير المخابرات، وربما يظنه منافسا محتملا علي خلافة تقترب مواعيدها، وهو ما يفسر كيف أن اتفاق الغاز مع إسرائيل جري تنفيذه وحصره بأدوار عائلية مقتحمة، فأحمد نظيف رئيس الوزراء المقرب من جماعة جمال مبارك هو الذي وافق، وحسين سالم ـ الملياردير صديق العائلة ـ هو الذي عهدت إليه المهمة، وأنشأوا له شركة غاز شرق المتوسط ، وجري حجب الاتفاق السري عن مؤسسات الدولة جميعها، وإلي حد أن الحكومة لم تستطع تقديم نص الاتفاق إلي مجلس الشعب.

 

ويعطي الاتفاق امتيازا مطلقا لإسرائيل، فهو ينص علي توريد مليون وحدة حرارية بريطانية من الغاز المصري بسعر يتراوح من 75 سنتا إلي دولار ونصف الدولار، بينما سعر المليون وحدة ذاتها من الغاز المصري يصل في صفقات أخري إلي احد عشر دولارا، أي أنه ـ الغاز المصري ـ يعطي لإسرائيل بالمجان تقريبا، وبعقد إذعان متصل لمدة 15 سنة مقبلة، وهو ما لا يصح تفسيره بدواع اقتصادية غائبة بإطلاق. وبالمقابل يبدو التفسير السياسي ظاهرا، فعائلة الحكم الذي يسرق مصر، هذه العائلة ـ ذاتها ـ لا تريد من إسرائيل ثمنا اقتصاديا للغاز، بل تريد كسب الرضا السياسي، وتدفع ضرائب الغاز لإسرائيل كجزية مقابل البقاء، فهي تعرف أن أقصر الطرق لكسب محبة أمريكا هو كسب عطف إسرائيل.

 

وربما لا يتبقي بعد ذلك عجب مما يجري، وأن تري إعلام النظام المصري أقرب لنسخة بالكربون من الدعاية الإسرائيلية، ففي صحف النظام تبدو وجهة النظر الإسرائيلية هي السائدة، ويبدو الفلسطينيون كأنهم العدو للمصريين وليس إسرائيل، وحين تصور إسرائيل أن اختناق غزة هو محض دعاية لحماس، تجد صحف النظام في الصباح التالي تردد الكلام ذاته، وعلي الصفحات الأولي، وكما تبيح فتاوي الحاخامات بقتل الفلسطينيين بالجملة، فإن مشايخ الإعلام الحكومي يرددون الفتوي ذاتها، وبإدعاء الدفاع عن سيادة مصر (التي هي سيادة إسرائيل في سيناء)، وكما يروج إعلام النظام العائلي لمزايا السلام والخضوع لإسرائيل، فإنه يروج لإعلان الحرب علي الفلسطينيين، وتماما كما يروج لإعلان الحرب علي طلائع انتفاضة الشعب المصري، فالمعركة واحدة، معركة بقاء النظام المصري هي ذاتها معركة بقاء السيادة الإسرائيلية علي القرار المصري، وحرب النظام ضد الفلسطينيين هي ذاتها حربه ضد المصريين، وخصوصا بعدما بدا من امتزاج المصريين والفلسطينيين الحماسي عقب كسر الحدود قبل شهور، فقد كان الفرح شعبيا خالصا، والنقمة ـ بإغلاق الحدود ـ نظامية خالصة.. ومخلصة لدواعي الراعي الإسرائيلي.

 

إذن، فاستعادة قداسة فلسطين ـ في الضمائر ـ هي ذاتها استعادة قداسة مصر، وطريق الخلاص هو ذاته، بالتغيير الذي يبدأ من القاهرة وليس عند معبر رفح، وربما هو الدرس ذاته الذي فهمه عبد الناصر في حصار الفالوجا الفلسطينية، فرد اعتبار فلسطين يبدأ برد اعتبار مصر.

 

 

عمر سليمان من

عمر سليمان من مدرسة مبارك و السادات و لن يعدل موازين القوي المنزوع في سيناء سوي الشعب المصري عندما يحكم بلده د.قنديل لا تراهن كثيرا علي رحال القصر

NASER

WHEN NASER WILL COME BACK?? OR OUR MOTHERES WAS'T ABLE TO BRING NEW NASER 4 US...

خيارات عرض التعليق

اختر الطريقة التي تفضلها لعرض التعليقات، ثم اضغط على "احفظ الإعدادات" لتفعل التغيرات.

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
2 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.