لم تعد الديموقراطية مجرد خدعة!
Submitted by EDITOR1 on الاثنين, 14/07/2008 - 00:45.

 بقلم/صلاح الدين حافظ

نعم، لم تعد الديموقراطية مجرد ورقة بيضاء تلوح بها النظم الحاكمة، لشعوبها من باب الخديعة، مثلما لم يعد الاصلاح الديموقراطي في البلاد غير الديموقراطية، شأنا محليا داخليا فقط، لكنه أصبح كما يدرك الجميع الآن شأنا خارجيا يستدعى التدخل الأجنبي للأسف، وأمامنا نماذج لا تحصى ولا تعد..

وبدون مقارنة، فإن نموذج التدخلات والضغوط الأميركية والأوروبية، على روبرت موغابي رئيس زيمبابوي، بهدف اجباره على الخضوع لقواعد الديموقراطية وأصول الانتخابات النزيهة، وصولا الى تهديد بفرض عقوبات مغلظة، يقبله نموذج الضغوط العلنية بالضمنية التي تمارسها الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي على مصر، لدفعها نحو اجراء اصلاحات ديموقراطية واسعة وحقيقية...

 

وأظن ان التيار السائد في السياسة الدولية الآن، بقيادة الدول الغربية او »العالم الحر«، يعطي لنفسه الحق بكل حرية للتدخل في ادق الشؤون الداخلية لأي دولة أخرى، يرى انها لا تمضي قدما في الاصلاح، ديموقراطيا كان او اقتصاديا، بل ان قانون »التدخل الانساني«، الذي يسمح للدول الكبرى تحت الشرعية الدولية، ان تتدخل في شؤون دول أخرى تتهم بالفساد والديكتاتورية والتعصب واضطهاد بعض ابنائها، اصبح نافذا منذ مدة، وهو يستغل وفق هوى هذه الدول الكبرى ومصالحها في الأساس!

وبقدر ما كنا ولا زلنا وسنظل ضد التدخل الأجنبي في شؤون بلادنا باسم دعم الاصلاح او تشجيع الديموقراطية، باعتبار ذلك مسؤوليتنا قبل ان يكون مسؤولية الآخرين، فإننا لا ننكر ان فشلنا في اجراء هذا الاصلاح الديموقراطي على أسس دستورية راسخة، قد احدث نتيجتين متلازمتين، الاحباط والاحتجاج العنيف في الداخل اولا، وتشجيع التدخلات الخارجية ثانيا، وفي الحالتين تشكو الحكومات المستبدة التي لم تنجح في مواجهة الاستحقاقات المطلوبة كأن الشعوب هي السبب!!

لقد أثبتت الوقائع ان الاستبداد الداخلي والظلم الاجتماعي وصعود الفساد والاستغلال، قد استوردت التدخل الأجنبي، استوردته في الماضي وها هي تستحضره وتستنسخه في الحاضر كما في المستقبل، جاذبة ومشجعة ومستقطبة، دون وعي بل دون قدرة على صده ورده. لقد أصبح الاستبداد »الوطني« المحلي حجة ومبررا للقوى الدولية، لكي تتدخل سرا او جهرا وتطلب وتشترط وتفرض!

وعداؤنا للاستبداد ومقاومتنا له وحملتنا ضده، ليست فقط لضربه وتصفية أنصاره والمستفيدين منه ومستغليه، بعد ان امتصوا رحيق الحياة، رحيق الحرية من مجتمعاتنا. لكن ايضا لصد التدخل الأجنبي الهاجم وايقاف تدخلات الاستعمار الجديد، بحجة فرض الديموقراطية...

 

ولذلك قلنا ولا زلنا نقول على مدى سنوات، لا بد من اصلاح أحوالنا واطلاق حرياتنا بيدنا لا بيد غيرنا... والا اصبحنا للاسف مثل تلك الدول التي تدخلت فيها القوى الأميركية والأوروبية لفرض الاصلاح الديموقراطي الذي تريده، عبر الثورات الملونة في دول أوروبا الشرقية بداية، ثم انطلاقا لدول أخرى بامتداد خريطة العالم، من بورما والتبت شرقا، الى كينيا وزيمبابوي غربا... انظر وتأمل!

 

زيمبابوي والرئيس روبرت موغابي يجسدان النموذج الذي نتحدث عنه... ونحذر منه، فرغم ان موغابي رمز من رموز التحرر الوطني وقادة الاستقلال، الا ان تشبثه بالسلطة وانفراده بها عبر نحو ثلاثة عقود، وصدامه التاريخي مع المستوطنين الأوروبيين ونزع ملكيتهم للأراضي الزراعية، قد أسس جدارا من عدم الرضا بينه وبين شعبه بسبب الاستبداد والفساد داخل مؤسساته وحزبه ورجاله من ناحية، وبينه وبين دول الغرب »الاستعمار القديم« من ناحية ثانية...

 

ورغم اننا لا نملك أدلة على ان المعارضة في زيمبابوي التي يقودها »شانجراي«، قد تلقت دعما مباشرا او غير مباشر من الغرب، وهو أمر محتمل بالطبع، إلا ان فكرة تصدي زعيم معارض قوي، لمستبد احتكر الحكم لثمان وعشرين سنة، وخاض ضده انتخابات الرئاسة الأخيرة التي وصمت بالتزوير، فكرة لقيت استحسانا في الغرب وجاذبية لدى الشعوب المقهورة.. فلم لا يمكن تغيير النظم وتبديل الحكام من خلال معارضة شعبية وحركة سياسية منظمة ومعارضين شجعان!

 

وأظن ان هذه هي الفكرة الجذابة الآن في ظل موجة الديموقراطية العالمية، فبعدما تراجعت الى حد بعيد الانقلابات العسكرية وسيلة للتغير القسري، أصبح الكفاح من اجل التغيير السلمي للنظم عبر الانتخابات النظيفة، ومن خلال تداول السلطة، بين القوى السياسية الاجتماعية، هو الأسلوب الأفضل للتغيير...

 

لقد جاء اختراع تداول السلطة ديموقراطيا وتبادل المناصب والمواقع، »عكس الاستمرار والتأبيد والتوريث«، كآلية من آليات الديموقراطية، حماية للمجتمعات وصيانة للحرية وتشجيعا للمشاركة والمساءلة والمحاسبة، مثلما جاء تعبيرا عن فلسفة مقاومة الاستبداد المنفرد بالسلطة باسم الاستمرار والاستقرار، وكذلك جاء لمكافحة الفساد المتحالف مع الاستبداد، والذي ينمو من حوله كالفطر السام!

 

وأظن اننا أكثر المجتمعات حاجة، ورغبة، في دراسة ذلك وتطبيقه بطريقة عملية وأمينة، بعيدا عن مظاهر التمثيل والتسطيح والتزييف، وبعيدا أيضا عن تزوير الانتخابات وسلق القوانين بليل وبأسلوب وطرق تعادي الحريات، التي يجيدها ترزية القوانين، نفاقا لرؤسائهم وأصحاب نعمتهم، فإذا بنا أمام ترسانة من القوانين والتشريعات المقيدة للحرية، المجهضة لأي أمل في اصلاح ديموقراطي قريب، المحبطة لآفاق اصلاح اقتصادي اجتماعي حقيقي، يعيد ميزان العدالة الاجتماعية الغائبة، وانظر آثار سيل التشريعات الغريبة، من الطوارئ الى الضرائب والاحتكار، لتدرك من يحكم ويتحكم!

وإذا كنا قد برأنا بالقول ان الديموقراطية لم تعد خدعة، ولم تعد كذلك شأنا داخليا صرفا، فإننا نؤكد من جديد ان الأمر يحتاج الى شجاعة عالية ورؤية شاملة، تعيد النظر بدقة ودون حرج في فلسفة الحكم في بلادنا، وفي مصادر شرعيتها، سواء كانت مصادر توريث او مصادر انقلاب، او مصادر أمر واقع وصدفة تاريخية، او مصادر ثروة ومال... فكل ذلك ليس الا من سمات المجتمعات المتخلفة المستسلمة لتحالف الفساد والاستبداد، واحتكار السلطة والثروة، أما في ظل الديموقراطية فإن مصدر شرعية الحكم والحاكم هي ارادة الشعب...

 

وحين ندقق النظر في أحوال مجتمعاتنا، فإننا نجد ان هذه »الشرعية غير الشرعية المعادية للديموقراطية« قد خلفت لنا خمسة أنواع من التحالفات غير المقدسة، تحكم فينا ونتحكم في حاضرنا ومستقبلنا، ونعني تحالف السلطة والثروة، وتحالف الفساد والاستبداد، وتحالف الدين والسياسة، تحالف العسكر والسلطة المدنية البيروقراطية، وتحالف السلطان والمثقف المنافق الانتهازي...

 

ولكم ان تطبقوا هذا كله على ارض الواقع، لتجدوا ان هذه التحالفات قائمة بشكل من الأشكال في بلادنا، وهي المستأسدة دفاعا عن الأوضاع الرتيبة المتجمدة، في وجه أي دعوة للاصلاح او أي محاولة لاطلاق الحريات العامة والخاصة، التي نصت عليها الشرائع السماوية، مثلما جاءت بها المواثيق الدولية...

 

للأسف كوابح الديموقراطية كامنة في معظمها داخلنا، من روح الاستبداد الى شهوة الفساد. ومن عتامة الجهل الى قمر الفقر، بينما حكوماتنا الرشيدة تتحدث عن التقدم والنمو والاصلاح والانتخابات والحرية، دون ان تكلف نفسها مشقة الفوضى في باطن المجتمع وشوارعه الخلفية...

 

 

 

عود على بدء... الديموقراطية لم تعد خديعة يلعب بها الحكام لإلهاء الشعوب، ولم تعد شأنا داخليا فقط، ويبقى درس زيمبابوي وروبرت موغابي ماثلا في أذهان من يتذكر فيتعظ!

خير الكلام:

يقول أحمد شوقي:

لا يهدمُ الدهرُ ركناً شاد عدلُهمُ

وحائط البغي إن تلمسهُ ينهدم

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
8 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.