البحث عن نخبة وطنية
Submitted by EDITOR1 on الأربعاء, 13/08/2008 - 13:43.

بقلم / د. رفيق حبيب

 

كل التيارات السياسية في أي مجتمع، هي تيارات وطنية، مادامت لا تتحالف مع أعداء الوطن، ولا تعمل لخدمة أي دولة أجنبية، ولا تمارس السياسة كمرتزقة سياسية لقوى خارجية. وتلك ليست المشكلة، فالغالب على القوى السياسية، خاصة التي لها قدر من الشعبية بين الناس، أنها تيارات وطنية. ولكن يظل هناك معنى خاص لكلمة الرموز الوطنية أو النخبة الوطنية، وهو المتعلق بالشخصيات الوطنية العامة، والتي لا تنتمي لمشروع سياسي بعينه، ولا تنتمي لحزب سياسي ما، وأيضا لا تنتمي لأي تيار سياسي. وتلك الرموز الوطنية، وعبر تاريخنا، كانت تمثل الشخصيات التي تتمسك بالحقوق والغايات والقيم الوطنية، والمتفق عليها بين الناس وبين التيارات السياسية، مما يجعل هذه الرموز تحظى بالاحترام والتقدير من مختلف التيارات السياسية، ولا تختلف حول دورها المهم في المجال السياسي.

 

صحيح أن الأصل في الحياة السياسية، هي التيارات والقوى والأحزاب السياسية، والتي يفترض أن تتنافس فيما بينها للوصول للحكم، إذا وجدت فرصة للتنافس الديمقراطي الحر، ولكن بجانب التيارات السياسية المختلفة، توجد أحيانا شخصيات وطنية غير حزبية، ولا تنتمي لمشروع سياسي بعينه. وتلك الرموز يكون لها دور مهم في المراحل التي يعاني فيها المجتمع من الاستعمار، والتي يعاني فيها من الهيمنة الخارجية، والتي يعاني فيها أيضا من الاستبداد الداخلي. ففي تلك المراحل يكون أمام الأمة معركة أساسية لتحرير الأمة، وتحقيق مبدأ أن الأمة مصدر السلطات، وتحقيق التحول الديمقراطي. وفي تلك المراحل النضالية، تكون الأمة في مرحلة انتقالية ما بين واقع مرفوض، وواقع آخر مطلوب ومنشود. وهنا لا تكون التيارات السياسية في وضع تنافس ديمقراطي صحي، بل تكون معظمها ممنوع من العمل السياسي، ويكون التداول السلمي للسلطة نفسه ممنوعا، مما يجعل المجال السياسي كله مقيدا، ويجعل الهدف الرئيسي للعمل السياسي متجها نحو تحرير المجال السياسي وتحرير الدولة والنظام السياسي من الاستبداد والهيمنة الخارجية.

 

هنا تبرز أهمية النخب الوطنية أو الرموز الوطنية، والتي تمثل شخصيات تلتزم بالمبادئ والقيم والغايات العامة المتفق عليها بين مختلف التيارات السياسية، والمتفق عليها من كل فئات المجتمع، وهذا هو الأهم. لأن هذه الرموز الوطنية تكتسب صفتها من خلال تأييد الناس لها، وشعور الإنسان العادي بأن هذه الرموز تعبر عنه وتمثله، وأنها أمينة على حاضرة ومستقبله، وأنها قادرة على قيادة العمل السياسي نحو مستقبل يرضاه المجتمع بكل فئاته. ومن هنا تصبح تلك الرموز الوطنية، هي ممثلة لحالة التوافق بين الناس، أي أنها ترمز لما هو متفق عليه، وتحمل هذا الإطار المتفق عليه في كل تصرفاتها.

 

نقصد من هذا، التأكيد على الدور المحوري للرموز الوطنية في المراحل الانتقالية، ومراحل التحرر من الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية. ولكن هذا لا يعني عدم وجود دور للتيارات السياسية الفاعلة والحية، والتي تلقى تأييدا جماهيريا، ولكن يعني أن تلك التيارات السياسية المتنوعة والمتباينة، تحتاج هي الأخرى في لحظة من اللحظات، وهي مراحل التحول والتغيير، إلى شخصيات ورموز وطنية، تمثل كل التيارات السياسية معا، وتصبح إطارا جامعا لها، كما تصبح إطارا لتنسيق العمل السياسي بين جميع القوى، فتتحول الرموز الوطنية إلى قيادة لعملية التحالف بين القوى المطالبة بالإصلاح والتغيير، وتقود هذا التحالف لتحقيق أهداف التغيير المتفق عليها بين الجميع. والقدرة على تحقيق التغيير، تكمن في القوى السياسية نفسها، خاصة القوى الجماهيرية، ولكن النخبة الوطنية تمثل رمز وحدة المجتمع، ووحدة غاياته.

 

وفي المشهد السياسي المصري، نجد غيابا للرموز الوطنية، وغيابا لتعريف الوطنية، أي لتحديد الأسس الجامعة للجماعة الوطنية المصرية، وتلك في تصوري واحدة من المشكلات التي تعرقل عملية الإصلاح والتغيير السياسي المنشود، ولكنها بالطبع ليست المشكلة الوحيدة. فالملاحظ على النخب السياسية والثقافية، أنها تختلف فيما بينها اختلافا كبيرا، كما أنها لا تتفق بالقدر المناسب على ما يمثل المشترك الوطني الجامع لكل المجتمع المصري. كما يلاحظ وجود فجوة واضحة بين النخب من جانب والمجتمع نفسه من الجانب الآخر، لدرجة يمكن أن تؤدي إلى اختلاف في تعريف أسس الوطنية المصرية الجامعة، فحتى إذا اتفقت النخب فيما بينها على بعض القواعد والأسس، يمكن أن نجد تلك الأسس غير معبرة عن المجتمع المصري، أي عن الجماهير. كما أن المجتمع المصري يشهد حالة من الاختلاف بداخل الفئات المكونة له، على الأسس الجامعة له، أو التي يفترض وجودها لتتحقق وحدة وتماسك المجتمع، وتتحقق أسس بناء جماعة وطنية واحدة. يضاف لذلك وجود فجوة واضحة بين النخب وبعض الحركات الجماهيرية الفاعلة، خاصة الاختلاف بين النخب العلمانية والحركات الإسلامية، حيث تضع النخب العلمانية قواعد عامة للجماعة الوطنية، ليست لها قاعدة جماهيرية معبرة عنها، أو أنها تعبر عن فئات محدودة من المجتمع. مما يؤدي في النهاية إلى عدم تبلور أسس الجماعة الوطنية المصرية، وعدم التعبير عن تلك الأسس من خلال توافق بين الاتجاهات السياسية، ومن خلال رموز سياسية وطنية تحمل لواء التعبير عن تلك الأسس المشتركة.

 

هذه الحالة تعيق بالفعل عملية الإصلاح والتغيير السياسي، وتساعد على استمرار النخبة الحاكمة، واستمرار بقائها في السلطة واستبدادها بالحكم. فالمجتمع المقسم والنخب المختلفة والتيارات السياسية المتصارعة، تمثل تربة مناسبة لاستمرار الاستبداد السياسي، والذي يدعم بقاءه من خلال استغلال التناقضات الموجودة في الساحة السياسية. ومن هنا تبرز أهمية ظهور رؤية عامة لأسس الجماعة الوطنية المصرية، وأهمية التوافق عليها بين مختلف القوة السياسية الفاعلة في الشارع المصري، وأهمية ظهور نخبة سياسية وطنية تعبر عن تلك الرؤية. وفي النهاية يكون من الضروري حدوث عملية فرز سياسي للاتجاهات والنخب السياسية المختلفة، ليظهر من منها يدخل في نطاق أسس الوطنية المتفق عليها، ومن يخرج عن تلك الأسس. حتى يتبلور تيار وطني له رموزه المعبرة عنه، ليقود عملية الإصلاح والتغيير

 

 

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
14 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.