حـريـق النهـاية
Submitted by EDITOR1 on الثلاثاء, 02/09/2008 - 09:46.

بقلم / عبد الحليم قنديل

بدا فرح الناس بالحرائق المروعة في مجلسي الشوري والشعب.. لافتا ومثيرا للأعصاب.

ليس لأن المصريين بشر من نوع مختلف، يفرحون للحرائق حيث يحق الفزع، بل لأنهم ضحايا لقهر مختلف ، فلم يلتفت أحد للقيمة الأثرية والمعمارية الهائلة للمباني التي التهمها الحريق، بل إلي المغزي والرمز في هذه المباني الفارغة من المعاني، والتي تحولت إلي مايشبه «سجن الباستيل» موضع الفرح بهدمه وحرقه في حوادث الثورة الفرنسية، فلا مجلس الشوري له علاقة بمبدأ الشوري ، ولا مجلس الشعب له علاقة بحكم الشعب، اللهم إلا علاقة القهر واستلاب إرادة الناس، فمجلس الشوري مزور بالكامل، ومجلس الشعب مزور في غالبه، وعلي رؤوس الأشهاد، وهما عنوانان لسرقة أصوات الناس، ولتشريعات تنكل بآدميتهم، ولقوانين تسهل السرقات العامة، ولتواطؤ خفي وظاهر بين السلطة الحرام وثروة المليارديرات الحرام.

بدا الحريق كأنه تنفيس عن غضب الناس، أو كأنه يأخذ وقوده من صدورهم، وفي يوم حار عاصف برياحه المتحركة ، وبلهب أحمر يحرق أوراق التزوير، بدا اللهب المرتفع كأنه صرخة الناس إلي السماء، وبدا سقوط الأسقف كأنه سقوط لصولجان نظام، وتخلخل الجدران كأنه نذير النهاية، بدا العرض دراميا بصورة تلهب خيال الناس، وتجعلهم يتمنون من قلوبهم لو أن الحريق امتد الي كل شيء يكرهونه ، والي كل ما يمت للنظام بصلة ، تمنوا لو أنه امتد إلي مصلحة الضرائب، وإلي مجلس الوزراء، وإلي وزارة الداخلية، أو لو أن اللهب قد انتقل بسرعة الرياح من وسط القاهرة الي حي مصر الجديدة ، وحيث «قصر الرئاسة» أعظم عناوين الظلم، بدت النار كأنها خاتم سليمان «الكفيل» بتحقيق الأماني المكبوتة، ولهذا وجدنا الكلمة التي تتردد علي ألسنة الناس واحدة، في ميدان الحريق ، وفي البيوت ، علي المقاهي وفي الشوارع، في وسائل المواصلات وفي دواوين العمل ، كلهم قالوا في نفس واحد:

«عقبال قصر الرئاسة»!

بدا شعور الفرح الطاغي كاشفا للحقيقة المرئية بالعين المجردة ، ققد وقع الطلاق ومن زمن بين الناس والنظام، وقع افتراق المشاعر والمصالح، وظهر النظام علي حقيقته كعدو يحتل الأرزاق ويهين الاخلاق ، ظهر النظام علي حقيقته كعصابة سرقة بالإكراه ، وطبيعي أن يفرح الناس حين يحترق بيت السارق، وتنهدم جدران الظالم وتأكل النار ثيابه،، فالنار ـ كما الجنة ـ موازين عدل في الآخرة كما في الدنيا، والنار ــ في حرائق مجلسي الشوري والشعب ــ بدت كعنوان لقصاص ، بدت كأنها إشارة رمزية ـ ربما سماوية ـ للغضب الذي لاينطفيء في صدور الناس، ولرغباتهم المكبوتة في حرق دور الظلم والقهر والاعتقال والسرقة والتزوير، وربما يمنعهم الخوف الموروث أجيالا فأجيالا ، أو تحجزهم الرغبة المخاتلة في النجاة وتوقي العواقب، أو العجز المقيم في النفوس قبل الأبدان ، لكنهم يفرحون من قلوبهم لو فعلها أحد بالنيابة عنهم ، أو لوفعلتها الاقدار ، أو حتي إن فعلتها المصادفة المضيئة بشرر النار المفاجئ.

ولأن النظام غبي بالطبيعة، ولأن الغباء مستحكم بطبيعته المعلقة ، بطبيعة الرأس المعلقة في فراغ ، وبلا قواعد اجتماعية ولا سياسية ، وبلا قرون استشعار تحس أو تنبيء ، بدا النظام ذاهلا بطبع النهب العام فيه،و وبدواعي الكبت العام، وإلي حد الانفصال الشعوري التام عن الحقائق الناطقة بلون النار، وإلي حد نزع العقل بعد نزع شبكة الأعصاب، لكل ذلك وغيره كثير، فقد بدا النظام ـ مع تدافع الحرائق ـ كأنه «روبوت» خرب ، «بغبغات» لصفوت الشريف وفتحي سرور، ثم زيارات ميدان لمبارك وسط الكردون الأمني وسياج الدخان ، ووعود بإعادة بناء مبنيي الشوري والشعب ، ومن دم الشعب وماله المنهوب ، وكأن ماجري هو مصادفة طريق أو حريق مؤسف ، ومع أنه لم يحدث أبدا طوال مائتي سنة هي عمر مبني الشوري، لم يدرك النظام معني الشؤم الذي تنطوي عليه طلعة شخوصه ، ولم يدرك النظام مغزي النار التي اندلعت واستعصت، ولم يدرك النظام أنه انتهي الي حطام، وأن محاولات إطفاء الحريق ذاتها كشفت الخيبة بالويبة، فقد ثبت أن الدولة المصرية الحديثة ذات المائتي عام انتهت الي مجرد جثة ، وأن الدولة بكامل أجهزتها قد فسدت وانتهي أمرها، وأن الفشل المخزي في مواجهة حريق يعني انتهاء الطريق، فقد انتهت الدولة ـ بحرائق خراب الزمم ـ إلي ركام ، والي جسد مهزوم بالضربة القاضية.

وقد نفهم أن التاريخ لا يعيد نفسه، وهذه حقيقة ، لكن الحوادث المتشابهة لها ذات المغزي، والحريق الأخير في قلب القاهرة يذكر ـ في التداعي ـ بحريق القاهرة قبل شهور من ثورة 1952 ، قيد الحريق وقتها ضد المجهول ، وهو ما سيحدث ـ علي أغلب الظن ـ هذه المرة أيضا ، بدا فاروق ملك النهاية ـ وقتها ـ يتصرف كأنه بخير ، وأن لديه متسعا من وقت للاحتفال بفرح عائلي، تماما كمبارك الذي يزور القاهرة وقت فراغه من متع الاقامة في قصور شرم الشيخ، بدا مبارك ـ بمغزي الحوادث ـ كأنه رئيس النهاية ، كأنه الجنرال في المتاهة ، يغمض عينيه فلا يري، ويحتمي من خلف كردونات الأمن، ويتظاهر بهدوء يبدو مصطنعا كمكياح ثقيل، وربما لايبدو أمامه من بديل آخر، فلا بديل عنده سوي أن يبقي في القصر حتي ينتقل للقبر فلا يسائله إنسي، فهو يخشي إن ترك القصر أن يمضي إلي الأسر، يخشي أن استقال ألا يقيله أحد من عثرة المحاكمة، يخشي إن يواجه النفس الامارة ـ لا اللوامة ـ بنذر النهاية، ويفضل البطش بالناس ، وعلي ظن ـ أو وهم ـ أن الاقامة ربما تكون مريحة أكثر من فوق جثث الناس.

إنه حريق النهاية، وتذكروا هذه الكلمة من الآن، فقد سدت السبل علي أي تغيير سلمي آمن، فلا النصيحة تنفع لأننا بصدد نظام التناحة ، ولا الانتخابات باتت تجدي لأن التزوير حاكم، ولم يعد من سبيل غير العصيان، وقد بدأت مصر تصحو، بدأت مصر تعصي، وتدافعت الاحتجاجات في كل مكان، احتجاجات النخب، واحتجاجات المهن، واحتجاجات القواعد الاجتماعية الكبري، لكن عصا القهر صارت أكثر غلظة ، وفي أجواء الاختناق تسري شرارة الاحتراق ، في أجواء الحصار تلتهب الاعصاب ويسهل الانفجار، ويفرح الناس بالشماتة في مصائب نظام محتل وقاهر وقاطع طريق، وتضعف الثقة العامة في القضاء وسلطات التحقيق، وتسود قوانين الغابة، وتنهار الاخلاق بعد ضياع الأرزاق، وتنزلق البلاد الي حريق اجتماعي بتكلفة دم لايريدها أحد ، تنزلق البلاد من حريق مبني مزور الي حريق لبلد صار مزورا بكامله، ولايبقي ـ مع استدعاء النذر ـ سوي واحد من حلين ، فإما أن يستقيل مبارك كما فعلها الرئيس الباكستاني برويز مشرف ، مع أن مشرف لم يرتكب عشر الجرائم التي ارتكبها نظام مبارك، ومع أن مشرف لم يمكث في الحكم سوي ثلث مدة مبارك، ولايبدو أن مبارك سيفعلها ، فهو خائف في جلده من مضاعفات الاستقالة أو الإقالة، والبديل أن تتقدم النخب الراديكالية السياسية والاجتماعية لبناء ائتلاف التغيير، وأن تتعامل مع نذر الحريق وايحاءاته بالجدية اللازمة، وأن نحول الغضب المخزون لثورة سلمية نتوفي بها احراق البلد.

افعلوها اليوم ـ قبل الغد ـ من فضلكم ، فقد انتهي النظام الي جثة ، وإكرام الجثث .. دفنها!

إضراب 20 سبتمبر

لجأت الحكومة الي محاولة التفاف علي دعوة الاضراب في 20 سبتمبر، وقررت صرف رواتب الموظفين قبل بدء العام الدراسي بيومين، واعترفت ـ ضمنا ـ بخطأ القرار الذي يضاعف معاناة الناس بمصاريف رمضان ومصاريف العيد ومصاريف الدراسة في نفس واحد(!)

وربما لايكفي الاعتراف بالخطأ، بل لابد من التراجع عنه بالكامل، واجبار الحكومة الغبية علي لحس قرارها الأغبي ببدء الدراسة في 20 سبتمبر، ودون حجة مقنعة أو سبب مستساغ.

وأنا أدعو ـ بصفتي الشخصية ـ كل الضمائر الحية من قيادات كفاية ونشطائها ، ومن حركات الشباب الجديدة ومن جماعات المعلمين الغاضبة، أدعو الجميع لتنظيم اضراب الامتناع عن الذهاب للمدارس في 20 سبتمبر، وتنظيم احتجاجات عامة، والامتناع عن دفع مصاريف الدراسة المجافية لمبدأ مجانية التعليم المقرر بنص الدستور.

وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

إشارات

·       شباب 6 أبريل ظاهرة مفرحة، وتضامنهم القوي مع معتقلي المحلة ومسعد أبوفجر ومحمد رفعت بيومي يستحق الإعجاب.

·       صفوت الشريف «بخاخة كلام»، رحب في حماس بتبرعات رجال أعمال لإعادة بناء مبني الشوري وأعلن رفض التبرعات ذاتها بالحماس نفسه!!

·       ثورة الناس التلقائية ضد أمناء شرطة ضربوا مواطنا في محطة مترو دار السلام تثبت أنهم قادرون علي تصفية الحساب مع دار الظلم ..حتي لو احتمت ببيت الرئاسة!

·       دعم سعد عبود ـ في انتخابات المحامين ـ فرض عين علي كل وطني.

·       وأحمد الكيلاني مرشح الإجماع الوطني في انتخابات المحامين بالسويس.

 

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
4 + 14 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.