- No upcoming events available
دعوة لإلغاء الانتخابات
Submitted by EDITOR1 on الأربعاء, 12/05/2010 - 04:41.
بقلم/ فهمي هويدي
هذه مسألة ينبغي أن نعيد النظر فيها بقدر من التجرد والشجاعة، ذلك أنني لم أعد أرى سببا وجيها ولا مصلحة وطنية في إنفاق عشرات الملايين من الجنيهات وإشغال الناس والأمن والقضاء والإعلام بمسألة الانتخابات، كما يحدث هذه الأيام. في حين أننا جميعا نعرف أنها محسومة سلفا لمصلحة الحزب الوطني. وأنها لن تغير شيئا يذكر فيما هو قائم منذ ثلاثين عاما.
الغريب أننا نفعل ذلك دون كلل طوال العقود الثلاثة، دون أن ينتبه أحد إلى أننا ندور في حلقة مفرغة، وأننا نأتي في كل مرة بالحزب ذاته وربما بالنماذج ذاتها، لكي يفعلوا بنا ما يريدون، في حين أن كل من هو من خارج الحزب يؤدي دور الكومبارس أو الديكور،
وإذا كنت قد فهمت لماذا استمرأ الحزب الوطني دور البطولة، فإنني لا أخفي شعورا بالعجز والحيرة في تفسير السبب الذي يدعو الآخرين إلى الاستمرار في دور الكومبارس أو الديكور؟!
عقلاء أولئك الذين يدعون إلى مقاطعة الانتخابات بسبب تزويرها وانعدام فرص المنافسة فيها، سواء كانت انتخابات لمجلس الشورى أو الأمة أو الرئاسة.
وليس صحيحا أن ذلك موقف سلبي يتعارض مع الديموقراطية. وقد يصح هذا النقد إذا كانت هناك ديموقراطية. أما إذا لم يكن الأمر كذلك، وكنا بصدد تمثيلية تتمسح في الديموقراطية وتدعيها، فالمقاطعة تشكل موقفا احتجاجيا على أصل اللعبة وطعنا في شرعيتها.
لكن الأعقل من هؤلاء هم الذين يطالبون بإصدار قرار شجاع يقضي بإلغاء الانتخابات، على الأقل حتى يسترد المجتمع حريته، ويعيش في ظل أجواء سياسية طبيعية.
حين كان الدكتور رفعت المحجوب رئيسا لمجلس الشعب في الثمانينيات، قام بزيارة لمدينة دمياط وفي جلسة ببيت أحد أصدقائه صارحه بعض الجالسين بانتقاداتهم لتزوير الانتخابات، التي تفرض الحزب الوطني وصيا على الشعب المصري. ولأن الحضور كانوا من الخواص الذين سمعت القصة من أحدهم، فإنه تحدث إليهم بصراحة قائلا إن الانتخابات في مصر تجرى لتحسين صورتها في الخارج بالدرجة الأولى، وينبغي أن ينظر إليها من هذه الزاوية، حتى لا يبالغ البعض في التعويل عليها.
وهذا توصيف أعتبره دقيقا للغاية. لأنه حتى هذه اللحظة فإن الذين يديرون الانتخابات في مصر لا يشغلهم منها سوى تحسين الصورة لدى العالم الغربي وإيهام المجتمع الدولي بأنها لم تتخل عن ركب الديموقراطية.
ولا أخفي أن هذه النقطة شغلتني حين فكرت في الدعوة إلى إلغاء الانتخابات، لكنني حين قلبت الأمر، وجدت أننا لم ننجح في توصيل الرسالة طوال العقود الثلاثة الماضية، حتى أصبح معلوما للجميع في المحافل والمنظمات الدولية أن مصر من الدول التي يضرب بها المثل في تغييب الديموقراطية. عندئذ وجدت أن الحجة أصبحت في مصلحة اقتراحي. ذلك أنهم ماداموا لم يصدقوا ادعاءنا بأن لدينا انتخابات نزيهة، فلماذا لا نتحلى بالشجاعة ونقول إن تلك هي الحقيقة، وأننا قررنا أن ننفق اعتمادات الانتخابات والمبالغ المخصصة لمجلسي الشعب والشورى على مشروعات تنفع الناس؟
الطريف في الأمر أن هذا الموضوع مثار أيضا في الديموقراطيات الغربية الراسخة، ولكن لأسباب مختلفة تماما. أعني أن هناك دعوة لإعادة النظر في العملية الانتخابية، التي يرى البعض أنها لم تعد الأداة التي تمكن الشعب من اختيار ممثليه في السلطة. ذلك أنه بعدما تدخلت الشركات والمؤسسات لفرض نفوذ أصحاب رؤوس الأموال الضخمة على أهل السياسة، فإن صناعة الانتخابات ذهبت إلى ما هو أبعد، إذ ظهرت شركات ومؤسسات تجارية حديثة تخصصت في هندسة الحملات الانتخابية بتحويلها إلى «مقاولات»، بمقتضاها تقدم للمرشح ما يحتاج إليه من بيانات وخدمات. فتعد له برنامجه، وتنظم جمع التبرعات وترتب الحملات الإذاعية والتليفزيونية، وتضع تحت تصرفه الوسائل التي تمكنه من تشويه منافسيه وهزيمتهم.
بالتالي يكون نجاح المرشحين بمقدار ما يدفعونه الشركات من مصاريف. أبرز هذه الشركات في الولايات المتحدة تحمل اسماء مثل «ساتشي آند ساتشي» و«جيوفوتر» و«كامبين كونيكشن» و«كامبين أوفيس دوت كوم».. وغيرها.
إذا كبرت المسألة في أدمغتهم وقرروا إلغاء الانتخابات والبحث عن وسيلة أنجع في التعبير عن الناس، وإذا تشجعنا نحن من جانبنا وألغيناها لأسباب سابقة الذكر، فربما كانت تلك فرصتنا الوحيدة لكي نشترك في شيء مع الدول الديموقراطية.
- 1859 reads
( categories: )

علِّق