عزل حكم مبارك بالعصيان المدنى.. هو المخرج الوحيد
Submitted by EDITOR1 on الجمعة, 14/05/2010 - 08:03.

 بقلم / د. نجلاء القليوبى

كان للدكتور البرادعى الفضل فى تحريك الماء الآسن عندما أعلن استعداده للترشح لرئاسة الجمهورية وخوض معركة التغيير، فقد قبل هذه المخاطرة والمشقة التى رفضها من قبل عدد من الشخصيات المشهورة (عمرو موسى - طارق البشرى - هيكل - على سبيل المثال).كذلك كان للدكتور البرادعى فضل آخر حيث أن موقفه أدى إلى توحيد المجموعات الاحتجاجية التى كانت قد بدأت فى الانشقاق والتناثر، تحت مظلة واحدة هى الجمعية الوطنية للتغيير.

ولكن المشاكل تبدأ بعد ذلك.. فهذا التجميع للقوى المعارضة يتم تحت سقف منخفض وبالتالى يمكن أن يقود الحركة السياسية إلى طريق مسدود.

ترتيب الأولويات فى العمل السياسى وفقا للقوانين التى تحكم المجتمعات، وليس وفقا للرغبات أو الأمانى هو الذى يضمن نجاح الحركة.

فى ظل الأنظمة الاستبدادية القائمة على حكم الفرد كنظامنا لفترة استمرت لعقود، فإن تغيير هذه الأنظمة لابد أن يمر عبر مسار محدد.

وتحديد الأولويات والأهداف لا يرتبط بالإمكانية الفورية لتحقيقها ولكن وفقا للترتيب المنطقى للأشياء كما يمكن استقراؤها من خبرة التاريخ. ففى ظل النظم الاستبدادية المتمحورة حول حكم الفرد، فإن أى إصلاح جزئى أو كلى يكون غير ممكن بدون الإطاحة بهذا الحاكم أولا، لأن حكمه لفترة طويلة خلق طابعا مؤسسيا للاستبداد يستند إلى قوى وأجهزة أمنية عاتية، ورشوة مالية عالية للطبقة العليا، وترسانة هائلة من القوانين الاستثنائية، وبالتالى فإن طرح فكرة التغيير بالتدريج يكون هدفا وهميا يؤدى إلى حلقات مستمرة من الفشل والإحباط، ويعيد قوى التغيير إلى نقطة الصفر.

وقد كانت الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" هى التعبير الصحيح عن اللحظة حين كان شعارها "لا للتمديد - لا للتوريث" أى إسقاط حكم مبارك كمدخل أساسى واجبارى للتغيير.

أما الحركة الجديدة المرتبطة بالبرادعى ولنسميها اختصارا "الجمعية" فقد عادت بنا إلى الوراء مرة أخرى بطرح عدد من المطالبات القديمة التى لم تكف حركة المعارضة عن طرحها منذ عام 1976 أى منذ 34 عاما، كالمطالبة بإلغاء حالة الطوارىء وتعديل شروط الترشيح للرئاسة، ورقابة القضاء على الانتخابات وطرح مشروع دستور جديد، وكأن المشكلة تكمن فى الكلمات (مشروع دستور) لا الأفعال كما ذكر المستشار طارق البشرى فى مقال أخير له. إن صياغة دستور جديد جيد ليس هو المشكلة، فالمشكلة تكمن فى الإرادة والقدرة على فرضه. أما المطالبة بما هو أدنى من ذلك كالغاء حالة الطوارىء فهذا ما تطالب به المعارضة منذ عام 1981 أى منذ 29 عاما.

وبحكم طبيعة النظم الاستبدادية فإنك لا تستطيع أن تنتزع منها أى شىء إلا بعد إسقاطها، فهى لا تسمح بالتدرج أو التحول الديمقراطى البطىء. فعندما تكون لديك القدرة على إلغاء حالة الطوارىء يكون لديك القدرة على إسقاط النظام فى نفس اللحظة. وهذه حكمة التاريخ بلا أى استثناء، فسقوط ديكتاتورية فرانكو فى أسبانيا وسالازار فى البرتغال تم بثورتين شعبيتين، وبعد ذلك عرف البلدان الديمقراطية.

وهذا ما حدث فى كل البلاد الشيوعية. ولا توجد سابقة تاريخية تقول أن الحاكم المستبد سقط فى انتخابات حرة.

وتعود الجمعية بنا إلى الوراء.. لنعود لنطالب النظام بإلغاء حالة الطوارىء وتعديل الدستور.. الخ

ونحن لسنا ضد سنة التدرج, ولكن التدرج فى حالتنا هذه لا يكون فى انتزاع الحقوق المتعارف عليها, ولكن التدرج يكون فى تصعيد العصيان المدنى للخلاص من النظام.

وأضرب مثالا واحدا من واقع حياتنا المصرية ففيما يتعلق بالدستور فقد أنتجت المعارضة المصرية العديد من نماذج الدساتير وأقدم هذه الدساتير هو الذى أصدرته اللجنة الشعبية للإصلاح الدستورى بقيادة د. محمد حلمى مراد عام 1991 أى منذ 19 عاما وقد وقعه جميع رؤساء أحزاب المعارضة فى ذلك الوقت وأنابوا ابراهيم شكرى رئيس حزب العمل لتقديمه لرئيس الجمهورية, وبعد عدة أيام من تقديمه عقد زعماء المعارضة مؤتمرا صحفيا عالميا بمقر حزب الوفد يوم 8 يوليو 1991.

وقد وقع على هذا الدستور رؤساء أحزاب الوفد والعمل والتجمع والأحرار والأمة ومصر الفتاة والخضر والاتحاد الديمقراطى وحزب مصر العربى والإخوان المسلمين (10 أحزاب)

وتضمن المطالبة بالمزيد من الحريات ووقف العمل بحالة الطوارىء والمطالبة بإلغاء الاستفتاء على رئاسة الجمهورية وتحويله إلى انتخابات مفتوحة، والنص على دورتين فقط للرئيس بحد أقصى والإشراف القضائى على الانتخابات.

والمهم هنا أن نشير إلى أن اللجنة التى أعدت الدستور ضمت قمما قانونية وقضائية منهم بالإضافة للدكتور محمد حلمى مراد أستاذ القانون والوزير السابق د. محمود عاطف البنا - د. محمد سليم العوا - د. الشافعى بشير - د. محمد عصفور - د. محسن خليل عميد حقوق الاسكندرية - د. بكر القبانى بحقوق القاهرة - د. محمد رأفت عثمان عميد كلية الشريعة والقانون - د. إبراهيم الخولى أستاذ الشريعة بالأزهر - د. محمد شوقى الفنجرى وكيل مجلس الدولة الأسبق - د. رفعت عبد الوهاب - د. عبد الغنى بسيونى - د. سامى جمال الدين بحقوق الاسكندرية.

ومن رجال القضاء: المستشار يحيى الرفاعى شيخ القضاة - المستشار أحمد كمال أبو الفضل رئيس مجلس الدولة الأسبق - المستشار صلاح الدين ذكرى رئيس محكمة الاستئناف الأسبق - المستشار عثمان حسين عبد الله عضو مجلس الدولة ونائب رئيس محكمة النقض - المستشار بهى الدين ربيع رئيس محكمة الاستئناف الأسبق - المستشار عاطف العزب النائب الأول لرئيس مجلس الدولة - المستشار حمدى عزام بمجلس الدولة.

وقد استمر هؤلاء الأفاضل فى صياغة مشروع الدستور شهورا طويلة. وبغض النظر عن الرأى فى هذا المشروع أو غيره فهو فى النهاية يجب أن يقر من جمعية تأسيسية منتخبة من الشعب.. إذن فالقضية ليست مشكلة صياغة ولكن مشكلة إرادة وقوة.

وأخيرا حزب الغد عنده مشروع دستور، و"كفاية" بدأت فى إعداد مشروع دستور.. إذن فإن نشاط الجمعية يعود بنا إلى نقطة الصفر بلا مبرر، وكأننا نسلى أوقات فراغنا بينما أهل الحكم يواصلون حكمنا!!

وفيما يتعلق بشروط الترشيح للرئاسة، ماذا لو أدت بعض الضغوط الشعبية والخارجية كما حدث عام 2005 إلى إحداث بعض التغيير الذى يتيح للبرادعى أو غيره من المرشحين الحقيقيين أن يترشحوا فى انتخابات غير نزيهة. ما الذى ستستفيد منه الحركة الوطنية؟ هل ما زلنا نريد أن نبرهن على أن هذا النظام سيىء ويزور الانتخابات؟! إن حكم مبارك لن يسمح بأى حال بانتخابات يمكن أن يرسب فيها مبارك أو ابنه جمال, لذا سنظل ندور فى حلقة مفرغة.

إذن كل الأهداف بعيدة المنال، فلنركز إذن على الحلقة الحاسمة التى إذا تم الإمساك بها تم حل باقى حلقات السلسلة (تغيير حكم مبارك).

والهدف ليس مستحيلا أو بعيد المنال إلا لأننا نطرحه جانبا، فلقد وصلنا فى 6 أبريل 2008 إلى إضراب عام ناجح لم تشهد البلاد له مثيلا، ولكن قادة الحركة الاحتجاجية لم يواصلوا عملهم فى قيادة الشعب، ومنذ 6 أبريل 2008 وما تلاه من إضراب 4 مايو وحركة المعارضة فى تراجع حتى 2010 والشعب لن يتحرك بدون قيادة. حتى جاءت حركة البرادعى, ولكنها تعود بنا إلى نقطة الصفر ولا تبنى على ما تحقق بالفعل. لا تبنى على فكرة إزاحة الحكم ورفض التوريث وتعود لتكرار مطالب الإصلاح السياسى التى أكل عليها الدهر وشرب.

فكرة العريضة ممتازة وهى أول درجة من درجات العصيان المدنى ولكن مضمونها هو المشكلة.. فالعريضة ينبغى أن تنص أساسا على عزل مبارك وأسرته عن الحكم، مما يفتح الطريق مجددا لخطوات أعلى: وقفات كبرى - مسيرات - إضراب عام، مع الالتحام مع حركات الاحتجاج الشعبى فى الأمور الاقتصادية التى لا تهدأ أبدا فى البلاد.

إن الجمعية المصرية من أجل التغيير يمكن أن تنجح فى حالة واحدة، إذا حولت نفسها إلى هيئة أركان لقيادة العصيان المدنى من أجل التغيير الشامل. وبعد الانتهاء من حكم مبارك يأتى وقت صياغة الدستور والبرامج المرحلية الانتقالية، وكل طموحات الإصلاح السياسى.

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
6 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.