تقويم خيارات التغيير المتاحة .. الى اين تتجه مصر؟
Submitted by EDITOR1 on السبت, 22/05/2010 - 13:00.

بقلم / ابراهيم يسري*

كلنا نرصد بداية ما اتفق على تسميته بالحراك السياسي في مصر الذي بدأ يكتسب شيئا من الديناميكية منذ سنة 2004، وقد كان هناك بحق ما يبعث الأمل في بدايات هذا الحراك بظهور حركة (كفاية) وكسرها لحاجز الخوف من القمع السلطوي ثم حركة 6 ابريل التي انبثقت من الفيس بوك وحققت وجودها على الارض في المحلة الكبرى.

وواصلت تلك القوى الجديدة دينامكيتها الخاصة بها في مناسبات متوالية ثم ما لبث أن هدأ وقعها بعد ان بثت بذور الفرقة بين عناصرها وتكالبت عليها محاولات الاختراق المحلية والخارجية لفترة وما زال الأمل قائما في تعافيها واستعادة زخمها، بعد تصحيح أوضاعها وابعاد أي مؤثرات داخلية أو خارجية من اقتحام تنظيماتها.

ودعمت هذا الحراك ولحقت به في سرعة ولهفة انشطة مجموعة من أنبل النخب والرموز وأكثرهم وعيا وأبعدهم رؤية واخلاصا -الذين اتاحت لهم التوجــــهات الجديدة للنظام - ربما استجابة لضغوط خارجية او سعيا لتجميل فجاجته البشعة - نوعا من حرية التعبير، وعقد الندوات والتحدث في الفضائيات، ازاء رفض النظام لسير اي مظاهرات في الشوارع تبلورت احتجاجاتهم فيما اصطلح على تسميته وقفات احتجاجية.

ورغم بزوغ خلافات شخصية وموضوعية بينها، تمتعت النخب والرموز من أنبل رجالات مصر بنوع من وحدة الفكر والاتفاق على قواسم مشتركة في حين سمحت للتوجهات المختلفة بالتعبير عن رأيها، وكان المطلب الرئيسي الذي اتفق عليه هو تغيير النظام وتركز الأمر في طلب الغاء تعديلات ثلاث مواد في الدستور تتيح حرية الترشيح وعدم تزوير الانتخابات وتداول السلطة.

وكان التطور الأخير والمثير هو تسونامي دخول البرادعي في العملية السياسية، بعد أن حظي بتأييد رومانسي طاغ من كتل اليائسين المحبطين من النخب وشباب الناشطين على السواء، وبدأ الزخم الذي اشعله البرادعي في استقبال غير مسبوق في مطار القاهرة شارك فيه الرموز وشباب الناشطين على السواء دون ان يتمكن المحتفى به من النزول اليهم ومشاركتهم فرحتهم.

وفي سرعة غير مسبوقة لا تتناسب قطعا مع أهمية التخطيط الجيد لإقامة تنظيم قوي وفعال يبنى من القاعدة الى القمة - تم خلال ايام تشكيل تنظيم نخبوي فوقي هش جديد باسم الجمعية الوطنية للتغيير شارك فيها بحماس وحسن نية غالبية من ساهم في العمل الوطني من المناضلين ورؤساء عدد من الاحزاب بما فيهم الاخوان المسلمين لمجرد كون هذا التنظيم دليلا على قوة مطلب التغيير، بل شمل ذلك المرشحين المنافسين للبرادعي على كرسي الرئاسة حتى قبل ان تتحقق امكانية الترشيح ورفض النظام السماح به، دون ان يعني ذلك تجرد تلك القوى عن تنظيماتها وايديولوجياتها، أو تنازل المرشحين الموازين عن ترشيحاتهم.

وفجأة تلقت هذه الجمعية ضربة عنيفة في مصداقيتها وجديتها عندما شهد أعضاؤها رئيسها يغادر مصر بعد أسبوع واحد من وصوله من الخارج بعد سنوات طويلة من البعد عن الوطن، واستمر نشاط الجمعية الى ان عاد البرادعي بعد عدة اسابيع ليظهر في حي الحسين وفي احدى قرى المنصورة، وعاد للسفر من جديد متوجها لعدد من الدول بينها المانيا الي ان استقر به المقام لفترة في الولايات المتحدة وحتى كتابة هذه السطور، وما زال المصريون ينتظرون عودته حتى يشاهدوا بشائر انتصارهم وتحقيق الحـرية والديمقراطية وتداول السلطة على يديه.

و طرحت الجمعية مفاهيم ومطالب بعيدة عن استيعاب الجماهير الكادحة للتدليل على ديناميكيتها ونشاطها وصولا لهدفها،فقرأنا عن أمور تثير التساؤل عن جدواها:

مثل حملة جمع التوقيعات (وحملات الفيسبوك وتويتر)، وهو أمر معمول به في بعض الدول الديمقراطية وفقا لدستورها وقد شهد كاتب هذه السطور دعوة لجمع توقيعات لسحب الثقة من حاكم كاليفورنيا الديمقراطي أسفرت عندما وصلت الى النسبة المقررة عن إعادة الانتخابات التي أتت بالحاكم الجمهوري والممثل الشهيرشفارزينجر. فهل يمكن أن تنجح هذه الوسائل المستوردة في بلادنا ؟

ثم طرحت الجمعية مطلبا هاما ومبررا وهو حق المصريين بالخارج للمساهمة بالتصويت في الانتخابات والاستفتاءات، وحقيقة الأمر أن هذا الحق ثابت في الدستور وينبغي التوجه بهذا المطلب للسلطة التنفيذية وفي حالة عدم استجابتها فيمكن مقاضاتها امام محاكم مجلس الدولة والمحكمة الدسـتورية العليا، ويحضرني مصداقا لذلك انني عندما كنت عضوا في سفارتنا في بغداد في الستينيات اقترحنا على القاهرة اشراك المصريين في الاستفتاء على تعيين رئيس الجمهورية وفتحنا لجنة في بغداد ولجنة في البصرة تم التصويت فيها حسب الأصول وبكل حرية في حضور رموز المجتمع العراقي، وبفرز الصناديق فاز الرئيس عبد الناصر لتفوق عدد الموافقين على الرافضين وأرسلنا النتائج للقاهرة.

و عليه فإن هذا المطلب لا يحتاج ولا يتطلب تعبئة المصريين بالخارج سواء في امريكا أو أوروبا، ولا انشاء فروع للجمعية في نيوجرسي ولندن وغيرها قبل اسيوط وفرشوط وطنطا، اللهم إذا كان الغرض من ذلك هو تجميع نوع من الضغوط على النظام أو جمع تبرعات للجمعية من المصريين الامريكيين وهو أمر لا غبار عليه. ولكن الحقيقة الثابتة هي أن هذا النظام لا يتأثر بالضغوط الداخلية والخارجية وعليه يصب هذا النشاط في مصلحته لأنه يجمل صورته أمام الدول الغربية الديمقراطية.

ولهذا فليس من المفهوم ذلك النشاط الكبيرفي خارج مصر الذي تقوم به رموز المخلصين لهذا البلد، والذي يستبق نشاطا أهم في داخل مصر، كما أنه ليس من طبيعة هذه المعركة السياسية الشرسة أن يتغيب قادتها عن مصر لفترة طويلة كان مطروحا فيها اصدار قوانين سيئة السمعة مثل مد قانون الطوارئ، والتلاعب في تقسيم الدوائر الانتخابية وما يجري من تجاوزات في عمليات الترشيح لمجلس الشورى.

على هذه الخلفية ينبغي أن ندرس وندقق في احتمالات التغيير في مصر وهل هي حقيقة مطروحة أم مجرد حرث في البحر، وقد نتفق أو نختلف في أن التغيير يمكن أن يتم بعدة وسائل :

الانقلاب العسكري والانقلاب من داخل النظام وثورة الجياع وهي كلها احتمالات مخيفة ومرفوضة فلا يرغب أحد في فرض خمسين عاما أخرى من الحكم الذي سيتدخل حتما لفرض النظام في تلك الحالات.و هناك اجماع على هدف التداول السلمي للسلطة.

العصيان المدني الكامل والشامل ولا يمكن أن يتحقق الا تحت قيادة زعامة وطنية كارزماتية وقوية مثلما حدث مع سعد زغلول وجمال عبد الناصر لأن جماهيرنا شخصانية بطبيعتها تسير وراء الشخص قبل المبدأ، والمرشح الطبيعي لهذه الزعامة هو البرادعي، ولكن هذا الاحتمال يتباعد يوما بعد يوم نظرا لتحفظ البرادعي من جهة وضعف الجهود التثقيفية والتنظيمية لتوعية جماهير الشعب من الفقراء والعمال والفلاحين، وضعف الصلات التنظيمية للأحزاب القائمة بالقواعد الشعبية، رغم أن الظروف أصبحت مهيأة لذلك أكثر من أي وقت مضى. والأمر يتوقف على استعداد البرادعي لقيادة هذا العمل الوطني الشرعي والدستوري.

لم يبق أمامنا إذن من إحتمالات التغيير شيئا يبعث على التفاؤل، ومن هنا يبرز احتمالان لا ثالث لهما:

الأول: هو تصميم النظام على مشروعه الذي فضح نواياه بتعديل الدستور واغلاق الأبواب أمام أي منافس وضرب أي ضمانات لحيدة ونزاهة الانتخابات.

الثاني: وهو الحل الوحيد لمنع الإنفجار من الداخل وزعزعة استقرار المنطقة - وهو التغيير من داخل النظام استجابة لضغوط خارجية قوية مع تحقيق خروج آمن لعمد النظام، وليس ذلك من بنات أفكارنا فقد عبر عنه عضو بارز في الحزب الوطني منذ أسابيع.

و خلاصة ذلك كله هو أن بعض النخب لا ترى فرصة للتغيير إلا بالاستقواء بالولايات المتحدة الأمريكية وبضوء أخضر من تل أبيب، وقد يفتح ذلك الباب أمام تخمينات تحتاج الى تأكيد بأن نشاط النخب المكثف في أمريكا ينبعث من هذا التحليل. وهذا التغيير بطبيعة الحال مرفوض بشدة لأنه سيسفر في النهاية عن نظام نخبوي فوقي قد يتطورالى الشمولية.

و السؤال الهام والمفصلي هنا هو الى أين تذهب الأمور وهل تذهب كل جهودنا من أجل التغيير هباء منثورا؟ وهل تمثل جماهيرنا التي تركناها نصف قرن من الزمان دون توعية نوعا من غثاء السيل الذي لا ينفع ولا يؤثر؟ ..أرجو أن تكون الإجابة بالنفي.

*سفير مصري سابق

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
2 + 18 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.