ضحايا التنمية.
Submitted by kefaya on الخميس, 06/04/2006 - 00:25.
بقلم:
خيري منصور
جسم المقال:

البنك الدولي وضحاياه: صانع الفقر ومصدره
ضحايا التنمية.

 

 

 

ما إن تصفحت كتاب “ضحايا التنمية” لمؤلفه “جيرمي سيبروك”، حتى تذكرت على الفور كتابا هو توأمه الذي لم يلده المؤلف ذاته، وهو كتاب “هانكوك” الشهير عن البنك الدولي، وضحاياه وعن صانعي الفقر ومصدريه بكميات وفيرة.

كلا الكتابين من تلك السلالة التي استعصت على التدجين، سواء كان هذا التدجين باسم التحديث أم التنمية والتطور، لأن هذه المفردات ذات سحر خاص على فقراء العالم، وحين تستخدم في أية معالجات تبدو مشعة كما لو أنها مطلية بالفسفور والهدف هو التدويخ وإصابة الفريسة بالدوار قبل التمكن من اصطيادها.

وقد يبدو عنوان من طراز “ضحايا التنمية” وكأنه متناقض في الصميم فكل تنمية هي خير خالص كما يعتقد المبشرون بها ووكلاؤها في العالم الثالث، أما الأضرار التي لحقت بالزراعة والعمران والتكوينات الإنسانية الاجتماعية والتربويات والسلامة النفسية فهي خارج المدار الذي يحلق فيه المتفائلون لمجرد أن الجدران تعلو مداميك جديدة، بغض النظر عن كونها جدرانا للمعابد أو البيوت أو السجون.

إن الأمثلة التي يقدمها جيرمي سيبروك من آسيا وإفريقيا عن ضحايا مشروعات التنمية تبدو اكبر بأضعاف من كونها مجرد أعراض جانبية للتنمية والتطور باتجاه التمدن.

وليس معنى ذلك، أن المكوث والمراوحة في التخلف هو الحل الذي يقي الناس من هذه الشرور التي لابد منها، فالاعتراض ليس على مبدأ التنمية سواء كانت بشرية ثقافية أم اقتصادية وسياسية، بل هو على التقنيات المتبعة والأساليب المقترحة كوصفات سحرية.

في كتاب هانكوك عن صناعة الفقر وتسويقه تحت شعارات مضللة ومضادة وواعدة بالرفاهية، لا يعترض المؤلف على موقف الشمال الموسر من الجنوب المعسر، لكنه يعترض أساسا على الكيفية التي تتم بها الإغاثات لأن السماسرة يبتلعون كل شيء كما تفعل أفعى البوا، وغالبا ما أدت فلسفة تخفيف الفقر والشقاء إلى مضاعفة الفقر والشقاء، لأن الأمر يتجاوز النوايا.. وطريق الجحيم المعبد بالحسن منها، وحين تكون المعالجات إجرائية وبلا أية استراتيجية تأخذ في حسابها المستقبل والتفاقم الديمقراطي في البلدان الأشد فقرا فإن النتائج لن تكون سارة على الإطلاق إلا لهؤلاء الذين قرروا منذ البدء استثمار المرض والتخلف، والعمل الدؤوب على إدامتهما في مساحات شاسعة من هذا الكوكب بهدف الربح، والاتجار حتى بالدم.

وكما طرح هانكوك بدائل لأطروحات البنك الدولي ودهاقنته بأن هذا الكتاب التوأم من حيث الهاجس والدوافع الأخلاقية يقترح بدائله أيضا، لكن ما من أذن تصغي لأن قوة التيار وصخبه وتسخير الميديا من اجله تحول دون الإصغاء إلى مثل هذا الهمس، سواء كان عبر كتاب يوزع في نطاق نخبوي محدود، أم عبر أية وسيلة إعلامية أقل حظا في الانتشار والجذب.

يقول الكاتب: إننا كلنا إلى حد ما ضحايا التنمية، فالحكمة تجيء من معرفة الحد الفاصل بين الأخطاء المحددة اجتماعيا والشرور الجارية التي لا يمكن تصحيحها، وقد باتت مثل هذه الحدود غائمة وملتبسة، وهناك حكاية مفعمة بالأسى يرويها المؤلف عن أمه التي كانت تستدعيه خلال عشرين سنة من مرضها المزمن.. لكنه ما إن يصل ويجلس قربها حتى تقول له أنت لا تحضر عادة، مثل هذا اليوم وهو يوم الأربعاء، فهل هناك خطأ ما..؟

حكاية قابلة لتأويلات لا آخر لها، عن سوء التفاهم الناجم عن أمراض التنمية وشرورها التي لابد منها.
 
الخليج

( categories: )