الهجرة.. هل هي الحل؟
Submitted by kefaya on الأحد, 21/05/2006 - 01:38.
بقلم:
أسامة أنور عكاشة
جسم المقال:

لم يشعر الديكتاتور بما يجري خارج أسوار قصره ولم يدر أن الكيل طفح:
الهجرة.. هل هي الحل؟

 


عُرف المصريون من زمن طويل أنهم »أهل نكتة« واشتهر عنهم الانتباه للمفارقة وممارسة التعليق الساخر.. اللاذع في معظم الأحيان.. وعدم »إفلات« فرصة النقد »التريقة« علي كل ما يجري لهم وبالذات العلاقة »التاريخية« بين الحكام والمحكومين في أرجاء وادي النيل.

من هنا دانت لهم »قافية« السياسة فأصبحوا أساتذتها وشهد لهم الجميع بالتفرد والتفوق في »النكتة السياسية«.. ورغم حالة الاكتئاب الوطني العام التي تشهدها مصر منذ سنوات »مع مطلع الألفية الثالثة تقريباً« التي دفعت الكثيرين للتساؤل في حيرة وحسرة عما جري »للمصري« وجفف منابع المرح والسخرية عنده وقد كانا سلاحيه الأساسيين للمقاومة إلا أن العبقرية مازالت تشي بوجودهما وتؤكد أن المخزون مازال عامراً.

** نكتة تتحول إلي حقيقة:
وأستأذنكم في رواية نكتة رددها الجميع خلال فترة الاحتقان السياسي الذي شهدته مصر منذ عامين وأنبه الي ان رواية هذه النكتة لا ترمي الي أي إسقاط أو إشارة لأحد بعينه.. قالوا إن حاكماً ديكتاتورا عزل نفسه - أو عزله رجاله - عن جماهير شعبه ولم يسمع غير اكاذيب الحاشية التي تزيف له إرادة الشعب وتزين له صورة غير حقيقية عن رؤية الشعب له وفكرته هو عن موقف الشعب منه.. فالملايين - كما يوعزون له - متيمون به مدلهون في حبه ولا يمكن ان يرضوا عنه بديلاً وأنهم يسهرون علي نجواه ويصبحون علي ذكراه ويفتدونه بالارواح والدماء ويبايعونه في صلواتهم رئيسا مدي الحياة.. لذا لم يشعر هذا الديكتاتور بما يجري خارج أسوار قصره ولم يدر أن الكيل طفح وأن شعبه »العزيز« قد عيل صبره ونفد كل مخزون التحمل لديه بعد أن افترسته غيلان الفقر والاستغلال والبطالة!.. وافترضت »النكتة« ان سخط الجماهير قد تصاعد حتي أشرف علي الانفجار وبدت نذر حلول الكارثة في الأفق مما دفع كبير مستشاري الحاكم إلي الدخول عليه طالباً منه بلهفة أن يجهز خطاباً يودع به الشعب.. فما كان من الديكتاتور إلا أن رد عليه بدهشة شديدة: »ليه.. هو الشعب رايح فين؟«! ومع أن النكات لا تشرح إلا أنني أشير إلي الحالة الذهنية الخاصة التي تمتلك الديكتاتور وتهيئ له أنه »خالد«.. وأن احتمال تخليه عن »الكرسي« ما هو إلا وهم.. فإذا عجز الشعب عن احتماله فعلي الشعب نفسه أن يرحل!!

بالتعبير الشعبي نقول »اللي مش عاجبه يتفضل والباب يفوت جمل«.. وهذا هو المنطق الذي يحكم علاقة »النظام« الحالي بالشعب المصري.. وقد انتهي صبر النظام مع انتهاء انتخابات الرئاسة ثم انتخابات المجلس النيابي وتحصين المادة 76 بتعديلاتها اللولبية لتكون ضابطة لاحتمالات المستقبل.. وإذا انتهي الصبر بدأت العصبية وبدأت حملة التأديب.. وصلك النظام منطقه التالي: »خلاص.. انتهي التسيب.. واللي حايتظاهر أو ينزل الشارع حايتبهدل و يتسحل ويترمي في السجن وتتعمل له قضية أمن دولة.. فاهمين؟«.. طبقاً فاهمين! اضرب ياباشا ولا يهمك!..

نري الآن وجه »القرف« و»العجرفة« والاستهانة بمن يتصورهم أهل النظام مجموعة منفلتة متجاوزة لا تشكل أكثر من أفراد قلائل يتجمعون في مربع محدود بوسط القاهرة مثلما قال وقرر السيد رئيس مجلس إدارة مؤسسة صحفية كانت مصرية ثم أصبحت وطنية ديمقراطية تستعير رداء الليبرالية وأصبح رئيسها ورئيس تحريرها من المبشرين بجنة السياسات.. إذا اندفع سيادته بنفس لهجة الاستهانة والاستهزاء التي يتحدث بها الجميع في الأعالي يتساءل متهكماً في لقاء متلفز علي شبكة الإوربت: مين اللي قال ان مصر محتقنة؟.. هي مصر المربع اللي في وسط البلد؟ ما تروحوا تشوفوا أسوان وأسيوط وطنطا والمنصورة!.. »

قال يعني سيادته راح وشاف ولقي كل شىء تمام والجماهير الحقيقية هناك تلهج بالثناء والشكر لله الذي منحهم الحزب الوطني ولجنة سياساته!!«.. والأستاذ يريد ان يقنع الناس بما أقنعت به الحاشية الرئيس.. وهو أن كل هذه الاضطرابات بفعل مؤامرات ودسائس الاخوان.. فالشعب - في رأي سيادته ورأي الحزب واللجنة - مع النظام وسياسة النظام. سمن علي عسل لولا الفوضي التي يثيرها الإخوان »الأشرار« »غير الشرعيين«! وأنا لا أريد الدخول في جدل بيزنطي مع الأستاذ رئيس المؤسسة.. والأهم من مثل هذا الجدل والاحق منه بالاعتبار والنظر هو تلك الانوار الحمراء الكثيرة التي تومض في الأفق محذرة منذرة: أن القادم أسوأ.. وأن المنطق المتصاعد بالعنف المتسمم بالعصبية لتعامل »الأجهزة« مع حالة »المخاض« المتعسرة في رحم الواقع المصري يوحي بأن علينا أن نتوقع التمادي في سياسة العصا الغليظة أو اليد الحديدية.. فبعد أن صدرت تعليمات الداخلية - متدثرة بقانون الطوارئ الممدود - بمنع التظاهر ومنع التجمع و منع الاقتراب سنشهد أياماً يمنع فيها الكلام في أي وسيلة من وسائل النشر أو الإعلام. ويتم تدبيج التهم والقضايا.. وسحب رخص الصحف.. ومصادرة كل من »يتجاوز«.. سيعود الرقيب ويصلت سيف الانتقام والغضب وتجرد حملات التأديب.. وتهب من جديد رياح سبتمبر 1981.. وأعتقد أننا ساعتها سنشهد تحول النكتة الي حقيقة.. وسنفكر جدياً في الرحيل.. وسنجبر علي الهجرة خالعين أنفسنا عن جذورنا لنمارس الغربة الخزينة ونموت خارج الوطن.. ويالها من نهاية تعسة! نضطر إليها لنعيش فقط أياما في مناخ حر!

** هجرة الاحتجاج أم اليأس؟
أنا كفرد.. كمواطن اسمه اسامة أنور عكاشة لا أعاني اضطهاداً من أي نوع.. وأمارس عملي.. وأحصل علي ناتجه بلا نقصان.. ولا أشكو من أي مضايقة ولا أزعم أن هناك أذي »أصابني من جراء ما كتبته وما أجهر به في الندوات واللقاءات.. إذاً فما هي المشكلة؟ المشكلة الحقيقية أنني أحمل مسئولية الرأي والكلمة مثل العشرات أو المئات أو حتي الآلاف من قادة الرأي وسدنة الفكر في هذا المجتمع.. وهؤلاء لا يمكنهم ولا يجوز لهم أن يتنصلوا من مسئولياتهم. ولا يصح أن نطبق مثل »أنا وبعدي الطوفان«.. وإلا أصبحنا كتاباً مجانيين لا نساوي قيمة الحبر الذي نملأ به اقلامنا لنريقه علي الصفحات أفكاراً وأقوالاً.

وليس هناك اي نوع من الثارات بيني وبين النظام ولا حسابات أحاول أن اصفيها وقد كنت واحداً ممن رفعوا عقائرهم بمناشدة أهل النظام تدارك الأمور والانصات لصوت الجماهير والمبادرة الي الاصلاح الحقيقي دون مناورات أو التفافات.. وكما قلت أنا لا أعاني من أي ظلم شخصي.. ولكن.

متي كان الكاتب مجرد »شخص«؟ .. وإذا كان مقدراً أنه ما استحق ان يولد من عاش لنفسه فقط.. فكيف يفعلها الكاتب؟.. نأتي هنا إلي السؤال - المشكلة - عن ذلك الخاطر الذي يطوف بالذهن ملوحاً باحتمال الهجرة! الهجرة من مصر؟ يانهار اسود! إلي أين؟ وفي هذه المرحلة من العمر؟ .. تبدو المسألة اشبه بهذيان الحمي أو تهاويم المخمورين.. فليكن ولكن الحقيقة أنها تلح علي الذهن كتعبير عن العجز.. العجز.. عن »الفعل« وأداء الواجب الذي تفرضه مسئولية ادعاء التعبير عن الناس وملامسة آلامهم ومواجعهم!.. فقد لا يكون الكاتب سياسيا محترفا ولكن أين هو من قضايا أمته؟ وكيف يقف متفرجاً والملايين من إخوته وأولاده.. وكل أهله علي امتداد مصر.. يعانون الفقر وأمراض التخلف والإهمال مضافاً إليها القهر السياسي وقمع الحريات ووطء كل القيم بأحذية السلطة المتجبرة؟.. ان عمله هو أن يكتب.. ويكتب.. ويظل يكتب حتي تحفر سطوره ولو خطأ يؤثر ويراكم ويؤدي الي حركة تساهم في التغيير للأفضل! فماذا إذا حرم الكاتب من الكتابة؟

بالطبع لم يحدث هذا - حتي الآن!- وإنما هي تلك الأنوار الحمراء التي تخفق منذرة متوعدة.. وتوقع يشبه النبوءة بأنه قد يأتي علي مصر حين من الدهر يدفع بعضاً من ابنائها الي الاغتراب عنها هرباً من عجزهم وقلة حيلتهم.. ومن ثم يكون خيارهم الوحيد الباقي أن يعاقبوا أنفسهم بالاغتراب والنفي الاختياري.. ليقضوا ما بقي لهم من عمر في برودة الوحدة والغربة ويجترون الاحزان ويعاقرون الشوق وتباريح الحنين حتي الادمان!
تري؟! أتكون تلك قراءة تستبق الآتي؟ أم أنها إرهاصة مصير غامض؟ أو لعلها بعض من ضلالات الرؤي؟ لا أظنها شيئاً من هذا كله.. بل أظن الهجرة قد تمت بالفعل: هجرة الي الصدف والقواقع: سندخلها كالحلزون البحري.. نختبئ ونغترب عن واقعنا وربما تشرنقنا واختبأنا في خيوط نغزلها ونلفها حول ذواتنا..
اعتراف أخير أدلي به: لا أحد منا قد أدي حق الوطن: حقه في أن يكون وطناً حراً عزيزاً لا تعلوه أحذية القهر والاستبداد.. وما دمنا لم نؤد الحق.. فنحن لا نستحق!

** جاليري الاسبوع.
* تتصدر القاعة صورة فنانة استثنائية لا يمكن استنساخها ولا تكرارها! فنانة تسنمت ذروة التعبير العبقري المتفرد عن أدق وأرق وأعمق المشاعر.. ووضع الله في نبرات وطبقات وذبذبات صوتها آية من آيات ابداعه العظيم.. هي وحدها.. فيروز مالكة مفاتيح الفراديس المسحورة وممالك الانغام الكائنة في كنف السحاب المعانق لقمة »حنين« وغابات أرز الشمال.. فيروز.. جارة القمر.. وحدها تسكن الأعطاف والحنايا وتهدهد جوانح الوجدان.. فيروز الملكة.. نحن عشاق فنها توجناها ومنحناها كل الحقوق التي تراها لنفسها.. ولها ان تختار متي تغني.. وأين .. ولمن! وليس لأحد ان يسألها او يعقب علي ارادتها أو يغمزها من قناة الشوفينية والإقليمية الساذجة والكريهة.. هذا امتياز يختص به الفنان - الاستثناء - الذي لا ينتمي إلا لفنه .. وفيروز فنانة نسيج وحدها.. ليست لبنانية وإن غنت باللسان اللبناني.. وليست مصرية ولا مغربية.. هي فنانة فقط.. بل وصف.. ولا تجنيس.. ولا شرح.. وفنها ينتمي للعالم كله.. أقول هذا لمن يحاول ان يدخل هذه المنحة السماوية النادرة في إطار معركة عن سبب غيابها عن مصر وعن المبالغ التي تريدها و.. و.. إلي آخر ما يعد إساءة بالغة لمن يردده وإهانة جسيمة لمن يقرأه أو يسمعه.. ولا يستحق في النهاية إلا كلمة.. عيب!

* أما صورة عبدالحليم حافظ فتبدو ملامحه فيها غائمة مضببة وقد أهيلت عليها عبوات »البوية« التي يسكبها تجار سوق الدراما »المسلوقة« الذين هرعوا بعد ان سبقهم غيرهم لانتاج فيلم العندليب بطولة الراحل العبقري أحمد زكي.. هرعوا الي التقاط »العظمة« ليعلقوها أو ليضعوا عليها »مرقة« أو »شوربة« تصبح بعون المولي وبفضل الفهلوة وخفة اليد مسلسلاً من مسلسلات »السبوبة« ولهط ملعقتين من فتة رمضان.. ولكي يمصمصوا العظمة لآخرها نظموا مسابقة بلهاء مزيفة لاختيار فتي يمثل العندليب »وهم أصلاً قد اختاروا الفتي المسكين الذي سيضعونه بين شقي الرحي« ولا يهم بعدها أن ينجح أو يسقط ما داموا قد كلكلعوا »الهبرة وكادوا العوازل في جودنيوز »ما تفهمش إيه اللي غايظهم منهم بالضبط؟«.. مسألة سمجة ثقيلة الظل ونوع من الدجل العلني يوضح الي اي مدي اوضاع الفن علي أيدي مجموعة من »تجار« هذا العصر الأغبر سواء تاجروا بأموالهم أو أموال غيرهم من أثرياء »الجاز« لحساب الآخرين فالمسألة منتشرة كالوباء ولا غرو.. فالامعان في الفساد والاتجار في منتجاته أصبح من سمات »الشطارة« و»الوجاهة«.. وياللا.. جلاجلا.. عبدالحليم حافظ.. سعاد حسني.. مين قال شكوكو بالمرة؟
 
 الوفد

( categories: )