- No upcoming events available
حسن نافعة
استمرأ السلطة و"طمع" فيها لنفسه ولابنه من بعده:
نظام مبارك.. بلادة سياسية وإزدراء للشعب.
الحكم الذي صدر يوم الخميس الماضي بتبرئة المستشار محمود مكي وتوجيه اللوم إلي المستشار هشام البسطويسي في التهمة المنسوبة إليهما بإهانة القضاء، يعكس موقفا لا يمت للقضاء بصلة. وعلي الرغم من أن البعض رأي فيه حكما مخففا استهدف تهدئة الأزمة تمهيدا لاحتوائها، إلا أنني أعتبره سبة في جبين القضاء المصري وعارا لحق بذيله. وفي تقديري أن حكما كهذا ما كان ليصدر إلا مدفوعا بشهوة انتقام شخصي، أو توسلا لمصلحة ذاتية.
وفي كلتا الحالتين فهو حكم ينتمي لعالم السياسة وليس إلي عالم القانون الذي لا يعرف سوي الأحكام الموضوعية المجردة عن كل هوي شخصي أو مصلحة ذاتية، مادية كانت أو معنوية. ويدرك التلامذة المبتدئون في دراسة القانون أن هذا الحكم شابته عيوب فنية وشكلية خطيرة. فقد اختلفت عقوبة المتهمين رغم تساوي مراكزهما القانونية تماما في ذات القضية، كما أن الحكم بتبرئة أحدهما وتوجيه الوم للآخر صدر دون أن يمثل أي منهما أو يكلف أحدا بتمثيله أمام المحكمة. فإذا أضفنا إلي ذلك أن المستشار هشام البسطويسي صدر في حقه هذا الحكم الجائر بينما كان يرقد بين الحياة والموت في غرفة العناية المركزة، وأن من أصدر الحكم ضده كان علي علم تام بحالته، لبدا لنا موقفه هذا مجردا من كل المشاعر الإنسانية وأقرب ما يكون إلي محاولة اغتيال معنوي منه إلي حكم تحت مظلة القضاء.
وأيا كان الأمر فمن الواضح أن ما شهدته ساحة القضاء علي مدي الأسابيع الماضية، وأفضي إلي هذه المحاكمة العبثية يعد كاشفا لخطورة ما وصلت إليه الأوضاع السياسية في مصر ويثبت بما لا يدع مجالا لأي شك أن يدا عابثة وشريرة قد بدأت تطول كل الحصون في مصر وتنال منها، بما في ذلك حصن القضاء الذي كنا نظنه أكثر صلابة ومناعة. وللأسف يبدو أن أجهزة الدولة تقف بكل إمكاناتها وراء هذه اليد الخفية العابثة والشريرة. دليلنا علي ذلك أن الدولة التي قبلت إسناد مهمة الإشراف علي الانتخابات للقضاء هي التي رفضت في الوقت نفسه تزويده بالضمانات التي تكفل سيطرته الكاملة علي مجمل إجراءاتها وآلياتها. ولهذا السبب وجد القضاء المصري نفسه في موقف من أريد له عمدا أن يتحول إلي شاهد زور علي صحة انتخابات يجري تزييفها أمام عينيه نهارا جهارا علي الرغم من أنه يتحمل وحده مسؤولية نتائجها المعلنة أمام الجماهير. وحين رفض الأغلبية الساحقة من شرفاء القضاة هذا الموقف وطالبوا بالكشف عن المتورطين في التزوير اتهموا بتسييس القضاء. وبدلا من التحقق من صحة ما قيل عن وقائع التزوير إذا بالحكومة تلقي بثقلها وراء المتهمين بالتزوير الذين لم تكتف بتغطيتهم وحمايتهم وإنما ذهبت إلي حد التحريض علي معاقبة المتسببين في كشفهم وتعرييتهم.
إن الحكم الذي صدر في حق المستشار هشام البسطويسي، أحد أشرف وأشجع رجال القضاء، لهو دليل دامغ علي مدي تغلغل السلطة التنفيذية في شؤون القضاء. والواقع أن تدخلها جاء مزدوجا هذه المرة واستهدف النيل من رجال القضاء والحط من كرامتهم، مرة بالإصرار علي تحويلهم إلي شهود زور، وأخري بالوقوف إلي جانب المزورين والعمل علي محاصرة الشرفاء ومعاقبتهم. فعلي من نلقي بمسؤولية وصول الأوضاع إلي هذا الحد الذي يدفع بالبلاد كلها نحو حافة الهاوية؟. لا أعتقد أنه أصبح بمقدور أحد ممن يحملون أمانة الكلمة وتتوافر فيهم حسن النية وشرف القصد أن يعفي رأس النظام من هذه المسؤولية. لكن ما الذي أدخل مصر في هذا النفق المظلم، وكيف؟
الواقع أن كثيرين كانوا قد استبشروا خيرا حين شاءت مصادفات القدر حمل الرئيس مبارك إلي مقعد السلطة عقب اغتيال سلفه في واحد من أكثر مشاهد العنف السياسي إثارة في التاريخ المصري، وذلك لسببين: الأول، أنه لم يسبق لمبارك الاشتغال بالسياسة. وكانت تلك ميزة بدا أن مصر تحتاجها في مرحلة تتوق فيها للتحول من الشرعية الثورية إلي الشرعية الديمقراطية، بعد أن سئمت عصور الزعماء الملهمين من أصحاب الأحلام الكبيرة والخطايا الأكبر.
والثاني: أن مبارك بدا وقتها زاهدا في سلطة سعت إليه ولم يسع هو إليها ويميل نحو الاكتفاء بولاية واحدة أو ولايتين علي الأكثر، كما بدا نظيف اليد يؤمن بأن "الكفن ليس له جيوب". ورغم مؤشرات كثيرة تدل علي بلادة النظام الحاكم في البداية وافتقاره للحساسية السياسية التي تمكنه من اتخاذ القرارات السليمة في التوقيت الملائم، فإن رؤيته وعدم تهوره جنباه ارتكاب حماقات كبري، مثل تلك التي شهدتها مصر في عهد عبد الناصر عام ٦٧ أو السادات عام ٧٧ ومنحاه القدرة علي الاستمرار في الحكم بتأييد شعبي وجماهيري واضح في البداية.
ولو كان الرئيس مبارك قد قرر الاكتفاء بولايتين فقط لكان قد تمكن من ترتيب عملية الانتقال من الشرعية الثورية إلي الشرعية الدستورية في أمان تام ولأنهي حياته السياسية عام ١٩٩٣ محاطا بكل الاحترام والتقدير. فقد بدت مصر في ذلك العام وكأنها خرجت لتوها من عنق الزجاجة وتخلصت من بعض أعباء المرحلتين الناصرية والساداتية.
غير أن الرئيس مبارك، لسبب أو لأخر لم يتخذ هذا القرار الحكيم. ليس هذا فقط لكنه بدا واضحا أنه استمرأ السلطة و"طمع" فيها ليس لنفسه فقط ولكن لابنه من بعده. وكان هذا تحولا مذهلا في شخصية الرئيس بدا متناقضا بالكامل مع الانطباعات الأولي عنه. وبصرف النظر عما إذا كان هذا التحول قد تم لأسباب تتعلق بالتركيبة النفسية والجوانية للرئيس مبارك أم بتأثير المحيطين به والقريبين منه، إلا أنه أدي إلي دخول البلاد تدريجيا في مأزق كبير.
فالكثير من القرارات الاستراتيجية الخاطئة التي اتخذت مع بداية التسعينيات، لا يمكن تفسيرها أو تبريرها إلا في إطار الرغبة في ترتيب البيت داخليا وخارجيا علي نحو يسمح في النهاية بقبول سيناريو التوريث. ولم يفطن المنظرين لهذا التوجه إلي أن كل خطوة في هذا الاتجاه كانت تسحب سلبا من رصيد النظام حتي وصلنا إلي ما نحن فيه الآن.
فترتيب البيت الداخلي وفقا لسيناريو التوريث هو الذي أدي إلي استفحال الدور السياسي لنوعية معينة من رجال أعمال ارتبطت مصالحهم وثرواتهم بالدولة ارتباطا عضويا، حيث تم التغاضي عن أساليبهم غير القانونية في جمع الثروات مقابل ضمان تأييدهم السياسي ودعمهم المادي، وهو الذي أدي إلي تخريب الصحافة القومية باستصدار تشريعات غير دستورية استهدفت التمديد دون وجه حق لموالين فاسدين علي رأس عدد من أهم المؤسسات الصحفية الكبري، وعلي حساب أجيال كاملة من قيادات صحفية أكثر كفاءة ونزاهة ومهنية. والواقع أن هذه اليد العابثة لم تقتصر علي قطاع الأعمال أو الصحافة، لكنها كالت لتنال الجامعات والنقابات العمالية والمهنية وغيرها من القطاعات الحساسة في الدولة. وها هي اليوم تمتد في محاولة لتطويع الهيئات القضائية لمخططاتها.
ومع هذا التحول التدريجي لطبيعة النظام كان من الطبيعي أن يحدث تحول مماثل في إدراك الشعب له. فبعد أن كانت البلادة وفقدان الحساسية السياسية هي الصفة الأكثر انطباعا عن النظام، أصبح الانطباع السائد الآن، خصوصا بعد هذا الذي يجري لشرفاء القضاة، أن النظام يستخدم سياسة منهجية تقوم علي ازدراء الشعب والتعامل معه بقدر كبير من الاستهانة. ومن هنا كان لا بد للشعب أن يغضب. وليست علامات التوتر البادية حاليا في كل مكان علي سطح الحياة السياسية في مصر سوي مقدمات لعاصفة لم تهب بعد، لكنها قادمة لا محالة.
إن زيارة جمال مبارك الأخيرة للولايات المتحدة لهي أكبر دليل، في تقديري، علي أن نظام الحكم في مصر ربما يكون هو النموذج الوحيد في العالم القادر علي هذا المزج المذهل بين البلادة السياسية وإزدراء الشعب.
فبينما يشتعل الشارع المصري توترا لأسباب تدور جميعها حول القلق من سيناريو التوريث، يذهب نجل الرئيس في زيارة سرية لمفاوضات مع مستشار الأمن القومي الأمريكي ويلتقي فيها بكل من بوش وتشيني ورايس.
فمن أرسله إلي هناك في هذا التوقيت ياتري؟ وبأي صفة؟ ولماذا الحرص علي سرية هذه الزيارة؟ وألا يستحق هذا الشعب المغلوب علي أمره قدرا أكبر من الشفافية والمصارحة في أمر يتعلق بمستقبله؟ تلك أسئلة لن نكف عن طرحها علي الرئيس مبارك، لكننا لم نعد ننتظر منه أن يجيب عليها. فالكرة الآن أصبحت في ملعب شعب غاضب بدأ يدرك أن نظامه الحاكم يتعمد الاستهانة به والحط من كرامته.
المصري اليوم
- 1359 reads
