- No upcoming events available
محمود أحمد
قد تواجه البلاد في أي وقت فراغا مفاجئا في السلطة:
مواجهة مع القضاء.. والقدر!
تمر مصر، منذ فترة، بمرحلة فريدة من الأزمات المتعاقبة لا تكاد واحدة منها تنتهي أو تخف حدتها حتى تنفجر أخرى في تعاقب مدهش! ومن أزمة إلى أخرى، لا تكاد تتاح فرصة أمام المصريين لالتقاط الأنفاس، فالمشكلات تغطي كل نواحي الحياة تقريبا، وتتنوع فتطال الجميع. تبدأ من التدهور الاقتصادي واستشراء الفقر، وتتفاقم بانتشار الفساد الذي أصبح حديث كل يوم، ويتابعها الناس من خلال تخبط برامج الإصلاح السياسي التي ما ان تقطع خطوة حتى تتراجع خطوات، ثم لا تتوقف عند التطرف الديني والاحتقان الطائفي وعنف أعمال الإرهاب!
الأزمة التي تفرض نفسها حاليا من دون أن تحجب غيرها هي أزمة <القضاء> التي اندلعت في أعقاب الانتخابات النيابية الأخيرة في مصر وبلغت ذروتها هذه الأيام. انبثقت المشكلة من بداية كان يمكن أن تكون إيجابية، وهي تكليف القضاة بالإشراف على العملية الانتخابية ضماناً لحيادتها ونزاهتها ولكنها تمخضت عن خلافات مع السلطة وصدامات مع الأمن واتهامات من جانب بعض القضاة لجهات رسمية وحزبية بممارسة <البلطجة> والتزوير. وتفاعلت هذه التداعيات مع خلاف، أقدم نسبياً، حول قانون جديد للسلطة القضائية يريده القضاة أن يكون أكثر تعبيراً عن استقلال القضاء... ثم ما لبث ذلك كله أن أدى، في النهاية، إلى ما بدا أنه انشقاق في جسم السلطة القضائية في مصر.
وعلى جانب آخر، يعيش المصريون هاجسا، ما يفتأ يتجدد بين الحين والحين، عن احتمال أن تواجه البلاد في أي وقت فراغا مفاجئا في السلطة يمكن أن يضعها على حافة المجهول دون أن تكون هناك وسائل أو إجراءات معلومة لتدارك الأخطار التي يمكن أن تنجم عن مثل هذا الوضع الذي لا يمكن التنبؤ به والذي سيكون، في حالة وقوعه، من صنع القدر وحده!
في ما يتعلق بأزمة القضاء، فإنه رغم أننا نوردها في هذا السياق باعتبارها آخر ما يواجه البلاد من أزمات، ونموذجا لعجز نظام الحكم في مصر على التصدي لهذه الأزمات ومعالجتها، فإنه لا يفوتنا أن نسجل أنها قد أثارت انزعاجا شديدا لدى مختلف الأوساط وشعورا بالاستياء وخيبة الأمل. فالقضاء، كان دائما موضع ثقة واحترام المصريين على مر العهود منذ بزوغ فجره في أواخر القرن التاسع عشر، وطالما ردّد المصريون، بفخر واعتزاز، حكايات عن المواقف المشرفة التي كان القضاء فيها معبراً عن ضمير الشعب المصري، يذود عن كرامته ويرعى مصالحه، حتى في مواجهة سلطات الاحتلال وجبروت الرأسمالية والإقطاع. ولذلك فقد هالهم، في الأزمة الأخيرة، أن يتعرض القضاة، رغم ما يتمتعون به من هيبة اجتماعية وحصانة قانونية، للإهانة والاعتداء والضرب، أحياناً، ليس من قبل بلطجية الانتخابات فقط وإنما أيضا على أيدي أجهزة الأمن <الرسمية>.
يتعين أن نوضح أن هذه الأزمة كانت قد بدأت بسبب خلاف حول مشروع قانون جديد للسلطة القضائية أعدته الدولة ممثلة بوزارة العدل والمجلس الأعلى للقضاء ووجد فيه القضاة انتقاصاً لسيادة القضاء كما ينبغي أن تكون، فما كان منهم إلا أن ردوا بإعداد مشروع مضاد وطرحوه عن طريق <نادي القضاة>، المنتخب، الذي يمثل الجسم القضائي. وبينما كان الخلاف يتفاعل، دون أن يحسم أو يُبت، جاء تكليف القضاة بالإشراف على الانتخابات النيابية الذي قبلوه بعد تردد بسبب غياب ضمانات قالوا إنها كانت لازمة ليتمكنوا من أداء واجبهم الإشرافي على الوجه المطلوب. ورافقت العملية الانتخابية مشكلات كثيرة بسبب التجاوزات التي نسبت إلى الحزب الوطني الحاكم وبعض المرشحين من أحزاب وجماعات أخرى، ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين <المحظورة>، وما رافق ذلك من أعمال بلطجة مخزية وتبادل اتهامات بتزوير لأصوات الناخبين. ومن الثابت أن بعض القضاة قد تعرضوا أثناء ممارستهم لعملهم للإهانة وحتى للضرب على أيدي بلطجية أو عناصر من قوى الأمن، ثم انتقلت المشكلة إلى مرحلة أكثر خطورة بصدور اتهامات لعدد، وإن يكن محدودا، من القضاة الذين أشرفوا على بعض اللجان الانتخابية بأنهم شاركوا في أعمال تزوير أو تغاضوا عنها.
جاء هذا الاتهام من جانب قضاة يتولى بعضهم مناصب رفيعة، وهو ما كانت له تداعيات أدت، في ما بعد، إلى تقديم اثنين من نواب رئيس محكمة النقض (المستشارين هشام البسطويسي ومحمود مكي) إلى لجنة تأديبية، بسبب الاتهامات بالتزوير التي جاهرا بها، وهو إجراء يمكن أن يؤدي إلى عزلهما أو تنحيتهما عن المناصب القضائية. وسرعان ما تفاعلت المشكلة وتفاقمت نتيجة لاحتجاج أعداد غير قليلة من القضاة على اتخاذ هذا الإجراء بحق زميليهم المرموقين، ثم إعلانهم الاعتصام في نادي القضاة بتأييد من بعض جماعات ومنظمات المجتمع المدني، وتحولت المشكلة إلى قضية رأي عام غطت تفاصيلها صفحات الصحف الحزبية والمستقلة والقومية (الحكومية) على السواء.
غير أنه من المؤسف أن الدولة تركت الأزمة تتفاقم، تعمداً أو إهمالا، من دون بذل أي جهد حقيقي لتدارك تداعياتها، باستثناء جهاز الأمن الذي لم يكن بمقدوره أن يرى سوى الشق الأمني من المشكلة. وهكذا فوجئ الرأي العام بقوات أمن كثيفة تحاصر <دار القضاء العالي> في أيام انعقاد جلسات اللجنة التأديبية التي استدعي أمامها نائبا رئيس محكمة النقض المهددان بالمحاكمة والعزل، وتعرض المحتجون من جماعات وتنظيمات المجتمع المدني الذين جاؤوا للإعراب عن مساندتهم للقاضيين، للاعتداء على أيدي جنود الشرطة. ولكن <العنف الأمني> بلغ مستوى غير مسبوق (يوم الخميس 11 أيار/مايو) أمام مقر نادي القضاة الذي كان عدد غير قليل من القضاة لا يزالون معتصمين فيه، وأغلقت قوات مكافحة الشغب منطقة وسط القاهرة وتعاملت بخشونة بالغة مع مؤيدي القضاة ورجال الإعلام وأوسعهم الجنود ضربا وركلا.. بالعصي والأحذية. وأفاضت الصحف المستقلة والمعارضة في الحديث عما جرى في ذلك اليوم الذي وصفته بأنه <يوم أسود>، كما استدرجت المعالجة الأمنية الخشنة والفظة انتقادات من جانب الحكومة الأميركية والاتحاد الأوروبي ومنظمات دولية في مقدمتها <هيومان رايتس واتش> ومنظمة العفو الدولية.
رسمياً، تعاملت الدولة مع الأزمة بأسلوبين، أو على خطين متوازيين: الأول، هو أن ما يجري لا يعدو أن يكون شأنا <داخليا> يخص القضاة الذين عليهم أن يجدوا بأنفسهم الحل لمشكلتهم. وقد عبّر الرئيس حسني مبارك بنفسه عن ذلك الخط، عندما أعلن في خطابه بمناسبة عيد العمال، في أول أيار/مايو، أن على القضاة الاتفاق <على كلمة سواء> تصون مصالح الوطن وتحفظ للقضاء هيبته ومكانته الرفيعة. والخط الثاني، هو الإيعاز باتهام جماعة الإخوان المسلمين (المحظورة قانونا) بأنها وراء افتعال الأزمة والنفخ فيها، سعياً إلى السيطرة على السلطة القضائية، من خلال الهيمنة على نادي القضاة على نحو ما فعلت مع هيئات جماهيرية ونقابية عديدة.
في هذا السياق، طالعت صحيفة <الأهرام> قراءها بتحقيق شغل صفحة كاملة (يوم 15 أيار/مايو) عمدت فيه إلى التقليل من حركة القضاة الاحتجاجية التي حصرتها في <نحو خمسين من أعضاء نادي القضاة الذين يتخذون موقفا متشددا تجاه بعض زملائهم الآخرين، لاصطناع أزمة من الدولة والنظام، بحيث جعلت من نادي القضاة وليمة لقوى المعارضة الأخرى واستغلتها جماعة الإخوان المحظورة لتحقيق أهدافها في الشارع>.. على حد ما أوردته الصحيفة حرفيا. وتعزز هذا الجنوح من جانب الدولة إلى توجيه الاتهام إلى جماعة <الإخوان>، والتركيز على دور لها في افتعال الأزمة، بمقال في اليوم التالي لرئيس تحرير الصحيفة ذاتها اتهم فيه الجماعة بما أسماه <العبث قرب منصة القضاء> التي هي <أكثر السلطات قدسية في الوجدان المصري> حسب تعبيره.
على أنه إذا لم يكن هناك دليل واضح أو مباشر على أن أزمة القضاء كانت من افتعال جماعة الإخوان، فإن الملاحظ أن الجماعة قد حاولت بالفعل استغلال الأزمة لإحراج النظام وذلك من خلال نوابها في مجلس الشعب (88 عضواً) الذين حاولوا طرح المسألة للمناقشة العامة (في جلسة المجلس يوم 14 أيار/مايو)، ثم عمدوا إلى الانسحاب من الجلسة احتجاجا عندما فشلت هذه المحاولة.
ولا تزال الأزمة مستمرة، تتصدّر القائمة الطويلة للأزمات في مصر، وتتفاعل باتجاه طريق يبدو، حتى الآن، مسدوداً، على الرغم من الحكم <المخفف> الذي صدر عن اللجنة التأديبية بحق المستشارين (اللذين نقل أحدهما إلى المستشفى قبل أيام لإصابته بذبحة قلبية) ورغم ما وصف بأنه <اتجاه إلى التهدئة> من جانب مجتمع القضاة.. لأن جوهر الأزمة، المتمثل بالخلاف حول مشروع قانون السلطة القضائية، لا يزال قائما.
إذا كانت هذه هي تجليات المواجهة مع <القضاء>، التي فُرضت على المصريين، فماذا عن المواجهة مع <القدر>؟
هنا يبرز ذلك الهاجس الذي يعتمل في الصدور، ويطفو على السطح بين الحين والآخر، بسبب احتمال أن ينشأ فجأة فراغ في السلطة نتيجة تجاهل اتخاذ الإجراءات اللازمة التي تكفل ترتيب انتقال سلس في الحكم عند الضرورة. ذلك أن الرئيس حسني مبارك قد أكمل قبل أيام عامه الثامن والسبعين، مما يعني أن فترة رئاسته الحالية (الخامسة) سوف تصل إلى نهايتها، في العام ,2011 وقد صار في الثالثة والثمانين من عمره. ولا شك في أن هذا واقع يفرض مع كل التمنيات له بالصحة وطول العمر التفكير في الوضع الذي سينشأ في حالة ما إذا اضطر إلى التخلي عن مسؤولياته، لسبب أو لآخر، ومن ثم في كيفية انتقال السلطة دون تعريض البلاد لهزات لا تحتملها.
ولأن الرئيس مبارك رفض دائما إعمال المادة الواردة في الدستور التي <تجيز> تعيين نائب له يتولى المسؤولية في حالة غيابه، وتشكل إحدى الوسائل الممكنة لانتقال سلمي وسلس للسلطة، فإن منصب نائب الرئيس بقي شاغرا طوال فترة ربع القرن التي تولى هو الرئاسة خلالها منذ العام 1981 وحتى الآن. وقد نشأت بالفعل ظروف خاصة في السنوات الأخيرة عندما تعرض الرئيس لعوارض صحية نجم عنها ترديد تكهنات، وربما أيضا دعوات، حول ضرورة تعيين نائب للرئيس استنادا إلى ما أجازه الدستور (حتى ان شائعات راجت في إحدى المراحل ترشح لذلك أسماء بعينها كان في مقدمتها عمر سليمان رئيس جهاز الاستخبارات وعمرو موسى الذي كان وقتها وزيرا للخارجية يتمتع بشعبية واسعة)، ولكن تلك التكهنات والمطالبات كانت تنتهي في كل مرة إلى لا شيء.
وفي السنوات الأخيرة، روّجت المعارضة لفكرة مؤداها أن إحجام الرئيس عن تسمية نائب له إنما يعود إلى وجود رغبة لتهيئة المناخ والإعداد لتصعيد جمال مبارك، النجل الثاني للرئيس، إلى سُدة الرئاسة و<توريثه> المنصب. وقد ساعد على انتشار التكهنات حول فكرة <التوريث>، أن نجل الرئيس انخرط بقوة في العمل الحزبي داخل الحزب الوطني الديموقراطي الذي يرأسه والده، وصعد نجمه بسرعة إلى أن أصبح يتولى منصب الأمين العام المساعد للحزب وشكّل مع مجموعة من مساعديه مركز قوة لا يستهان بها في منظومة الحكم. غير أنه سرعان ما تبين أن فكرة <التوريث> تلقى معارضة واسعة على كل المستويات، السياسية والشعبية، وهو ما اعتبرت الأوساط المطلعة أنه كان السبب المباشر الذي اضطر الرئيس إلى أن يدلي بتصريحات في مناسبات متعددة، في الداخل والخارج، ينفي بها وجود أي تفكير لديه لتوريث ابنه منصب الرئاسة. واتساقا مع هذا النفي، كتب أحد مساعدي الرئيس السابقين، الدكتور مصطفى الفقي، مقالا بصحيفة <الأهرام> قبل أيام (في 16 أيار/مايو) وصف فيه ملف التوريث بأنه <ملف انطباعي بالدرجة الأولى .. لا تعززه إجراءات، بل تنفيه تصريحات>.
على أن هنلك قناعة سائدة، بأن الرئيس سوف يكمل فترة ولايته الجديدة إلا إذا وقع ما ليس في الحسبان رغم كل التكهنات التي تروج بين الحين والآخر. ومن هنا يأتي الاهتمام برؤية الرئيس لبرنامج <الإصلاح السياسي>، وتصريحاته الأخيرة بأن تعديلات دستورية يجري إعدادها لكي تطرح في الدورة البرلمانية القادمة، والإشارات إلى أن هذه التعديلات ستأتي محدودة للغاية وتتناول مجالات وقضايا لا ترقى إلى الطموحات إلى تنفيذ إصلاحات حقيقية تؤدي إلى تغييرات جذرية وملحة في حياة المصريين.
منذ أيام قليلة، نشرت صحيفة <المصري اليوم> المستقلة (في 6 أيار/مايو) تصريحات لأحد مستشاري الرئيس مبارك، وهو د. أسامة الباز، أكد فيها أنه <لا يوجد شيء اسمه التوريث>.. مشيرا إلى أن هذا الأمر قد نفاه جمال مبارك بنفسه على الملأ في برنامج تلفزيوني. ولكن الدكتور الباز انتهز الفرصة، وهو يتحدث أمام طلبة جامعة حلوان، ليعرب عن اعتقاده بأن أحداً لا يرغب في تحمل عبء الحكم في مصر، ثم قال <الحاكم كالقابض على جمرة من نار، خاصة في ظل الأحداث التي تتعرض لها مصر>!
وهكذا، فإنه مع تأكد المعارضة لفكرة التوريث واستبعادها، ومع عدم وجود خطط واضحة أو محددة لانتقال السلطة عند ظهور أي ظرف طارئ، يجد المصريون أنفسهم عرضة لتلاعب القدر بمصير بلادهم في أي وقت.. دون أن تكون لديهم القدرة على مواجهة <المجهول> الذي يمكن أن يضعهم على حافة هوة بلا قرار!
السفير
- 834 reads
