- No upcoming events available
فهمي هويدي
التقاط أنفاس وفره التسكين النسبي لجبهة القضاة:
قراءة تجريدية لربيع مصر الساخن.
تتيح لنا فرصة التقاط الأنفاس التي يوفرها التسكين النسبي لجبهة القضاة, أن نراجع سجل الأحداث التي هزت الشارع المصري في الشهر الفائت, ودقت معها مجموعة من أجراس الانذار, التي أرجو أن تستقبل رسالتها بما تستحقه من يقظة وتدبر.
(1) سمه ربيعا ساخنا إن شئت, تلاحقت فيه أحداث عدة, جاءت كاشفة عن طبيعة التفاعلات الحاصلة في عمق المجتمع المصري, السلبية منها والايجابية. ولست في وارد احصاء تلك التفاعلات التي تحفل الصحف المعارضة والمستقلة برصد ماهو سلبي منها, بينما تركزالصحف القومية علي مايبدو أنه إيجابي, ويبالغ كل طرف في المادة التي يقدمها, الأمرالذي يكاد يوحي للقارئ بأن الطرفين يتحدثان عن بلدين مختلفين تشابهت فيهما الأسماء!
مايهمني في سجل الربيع الساخن أحداث ثلاثة, في المقدمة منها موضوع القضاء, الذي أزعم انه حظي بقدر هائل من الإجماع الوطني, أولا لاعتبارات المكانة الرفيعة التي يحتلها القضاة في الضمير العام, وثانيا لنبل الأهداف والمطالب التي تحركوا لأجلها, التي تتلخص في أمرين جوهريين هما: إصدار قانون السلطة القضائية بمايؤكد استقلالها ورفع وصاية السلطة التنفيذية عليها, والتحقيق فيما تردد عن وقائع تزوير الانتخابات التشريعية الأخيرة, التي يفترض أنها تمت تحت الإشراف القضائي.
كما هو معلوم, فإن تمسك القضاة بهذين المطلبين من خلال مجلس إدارة ناديهم الذي انتخبوه, فتح الباب لسجال اتسم بالخشونة والتجاذب في بعض الأحيان, بين ممثلي القضاة من ناحية, وممثلي السلطة التنفيذية من ناحية ثانية. وهو ماوصفته في مقالة سابقة بأنه استدعاء للعلاقة المتوترة تاريخيا بين القاضي والسلطان, وتجسيد للفجوة الشائعة في بلدان العالم الثالث بين السلطة والمجتمع.
كانت تلك من المرات النادرة التي انفجر فيها الصراع بين سلطات الدولة(التنفيذية والقضائية) امام الرأي العام. كما كانت المرة الأولي التي انفلت فيها العيار, الي الحد الذي دفع السلطة التنفيذية الي محاولة لي ذراع القضاة, عن طريق تقديم اثنين من شيوخهم الي المحاكمة التأديبية, والتحقيق مع ستة آخرين. وهو ماأشاع حالة من الغضب بين القضاة, ونقل التوتر الي الشارع,وفي الوقت ذاته فإن التصعيد صدم قطاعات واسعة من النخبة واستنفرها, فكان اعتصام القضاة في النادي, وكانت التظاهرات التضامنية معهم, وكانت الاشتباكات مع رجال الأمن, الذين تصدوا للتعامل مع الموقف, وحدث بعد ذلك مايعرفه الجميع من حوادث مؤسفة سجلتها الصور, وطيرت وكالات الأنباء أخبارها إلي أنحاء المعمورة.
وإذ استأثرت محاكمة القاضيين الكبيرين بالاهتمام العام, من خلال أجواء الإثارة والعنف التي تخللتها, فإن كثيرين كادوا ينسون القضية الأساس في الموضوع. غير أن الانفراج النسبي الذي حدث في المحاكمة من جراء تبرئة أحدهما والاكتفاء بتوجيه اللوم الي الآخر خفف إلي حد ما من التوتر, وإن لم يداوي الجرح الذي استشعره القضاة, الذين طعنوا في أصل المحاكمة وقانونية اجراءاتها. في الوقت ذاته فإن ذلك الانفراج أعاد تسليط الضوء علي المطلبين الأصليين الذين سبقت الإشارة إليهما, وهو مايسوغ لنا أن نقوم بأن ماجري كان مجرد تسكين للموقف, لم يغلق الملف, وإنما يبقي الباب مفتوحا لعودة السجال والتجاذب, ومن ثم لمختلف التداعيات والاحتمالات.
(2) في شهر أبريل وقع حادثان مهمان آخران, أضفيا درجة عالية من السخونة علي أجواء الربيع.واذ كانت القاهرة هي المسرح الذي جرت عليه وقائع المواجهة مع القضاة, فقد شاءت المقادير أن يقع الحادثان الآخران في الاسكندرية وسيناء, في مصادفة موحية بأن تجليات التوتر ومظانه تكاد تغطي أوسع رقعة من الخريطة الجغرافية لمصر(لاتنس أن أغلب ضحايا كارثة العبارة التي غرقت هم من أبناء الصعيد)
لقد شهدت الاسكندرية في منتصف ابريل مشهدا للفتنة الطائفية لم يخطر علي البال, شاب مسلم قالت الداخلية إنه مختل عقليا حمل سكينا واقتحم به ثلاث كنائس, حيث هاجم المصلين فيها, فقتل واحدا وجرح12. وهو ماأثار غضب نفر من الشباب القبطي الذين خرجوا إلي الشارع يحملون الأسلحة البيضاء وقاموا بالاعتداء علي سيدة منقبة صادفوها. واذ رأي المشهد أحد راكبي السيارات من المسلمين, فإنه أوقف سيارته, وخرج منها كي يدفع الأذي عن السيدة المنقبة, فاذا بالشبان الغاضبين يتحلقون حوله, وينهالون عليه بالضرب, حتي قتلوه. وكان طبيعيا أن يشيع التوتر في المدينة.
وأن يسارع رجال الأمن الي التدخل لمنع الانفجار. سواء بالانتشار في مختلف الاحياء أوبالقاء القبض علي المتهمين, الأمر الذي نقل القضية من الشارع إلي ساحة النيابة والقضاء.
بعد عشرة أيام تقريبا من أحداث الاسكندرية وقعت التفجيرات في سيناء, التي ذكرت تقارير الداخلية أن عناصر من تنظيم باسم التوحيد والجهاد قامت بها, تلاحقت تلك التفجيرات في ثلاث مناطق هي: دهب والجورة والعريش, واستهدفت المنتجعات السياحية في دهب والجورة, والقوات الدولية في العريش. وحسب البيانات الرسمية فان التفجيرات أسفرت عن مقتل18 شخصا وإصابة90, أغلبهم من المصريين. كما أنها استدعت شن حملة تمشيط واسعة من جانب الأجهزة الأمنية في سيناء لتتبع الفاعلين, أدت حتي الآن إلي وقوع اشتباكات متعددة مع نفر منهم, قتل أغلبهم, وكان رأس المجموعة من بين القتلي, حسب بيانات الداخلية.
ماجري في الاسكندرية لم يكن جديدا. فقد شهدت المدينة انفجارا آخرفي شهر اكتوبر من العام الماضي, أدي إلي الاشتباك بين الأقباط والمسلمين, عقب تبني إحدي كنائس المدينة للمسرحية التي تضمنت تجريحا وسخرية لعقائد المسلمين. كما أن ماجري في سيناء كانت له سوابقه, التي تمثلت في تفجيرات طابا وشرم الشيخ التي تتابعت خلال الـ18 شهرا الأخيرة.
(3) رغم اختلاف الموضوع في هذه الأحداث الثلاثة, إلا أننا إذا قمنا بقدر من التجريد لها, وابتعدنا عن التفاصيل, فسنجد ان ثمة قواسم مشتركة بينها, تختصر المسافات التي نراها فيها لأول وهلة, حتي تكاد تجعل منها قضية متشابهة الجذور, يعيننا علي ذلك منهج التفرقة بين الأسباب والنتائج, والأولي عادة ماتكون غاطسة في عمق الواقع, في حين ان الثانية هي التي تظهر علي السطح فتثير الانتباه وتستأثر بالأضواء,فيتعامل البعض معها بحسبانها حقيقة المشكلة, في حين أنهم لو نبشوا وراءها قليلا, فسيكتشفون أنها نتيجة وليست سببا, ومجرد عرض لمرض كامن.
إذا طبقنا هذا المنهج في تحليل الأحداث الثلاثة فسنجد أنها تشترك في أمور عدة منها علي سبيل المثال:
* أنها عبارة عن ملفات مفتوحة, لمرارات وتراكمات تتراوح في قدمها, ولم يعالج كل منهابصورة جذرية. ولأن ذلك لم يحدث فإن المرارات القديمة تضاعفت وتعقدت, وظلت تطلق افرازاتها بين الحين والآخر. ينطبق ذلك علي قضية تدخل السلطة التنفيذية في الشأن القضائي, وعلي العلاقة بين المسلمين والأقباط, وعلي ملف الارهاب في سيناء.
*إن العلاقة المحتقنة بين السلطة والمجتمع حاضرة في الأحداث الثلاثة, الأمرالذي يسلط الضوء علي أهمية تصحيح تلك العلاقة, بارسائها علي قاعدة متينة من المصالحة, التي تكفل لكل طرف حقه في الندية والاحترام, تلك المصالحة التي يمكن ان تتم من خلال ابرام عقد اجتماعي جديد بين الطرفين, يشكل مرجعية لضمان مسيرة العمل الوطني واستقراره.
* أن الأمن كان العنصرالحيوي والمحوري في إدارة الأزمات الثلاث, الأمرالذي حمله بما ليس أهلا له فضلا عما هو فوق طاقته. ليس ذلك فحسب, ولكنه في تنفيذ المهام التي كلف بها لجأت أجهزته إلي أساليب شوهت صورته, وسحبت كثيرا من رصيد الدعوة إلي الاصلاح السياسي التي أطلقت في الفضاء السياسي المصري في الآونة الأخيرة.
* إن السياسة غابت عن الساحة, بحيث أن المشاهد للمسرح من بعد ظل طوال الوقت لايري فوق خشبته غير حشود الأمن المركزي بالخوذات التي تغطي رؤوسهم. والعصي الالكترونية السوداء في أياديهم, أما المدنيون حولهم فليسوا سوي رجال مباحث أمن الدولة, وهو مشهد يبدد صورة القوي السياسية الحية في البلد, الذي يفترض أن فيه21 حزبا رسميا. ورغم مايقال عن حالة الإعاقة التي تعاني منها أغلب الأحزاب ـ وهذه شهادة ضدنا وليست في صالحنا ـ
فإن أكثر من سؤال يظل مثارا حول دورالحزب الحاكم في تخفيف التوتر وامتصاص الغضب والتعامل مع جذور المشاكل وليس فروعها.
* إن الحركة الفاعلة للمجتمع في التعامل مع الأحداث صدرت عن تجمعاته المدنية والسياسية غير المعترف بشرعيتها, الأمرالذي كرر إلي حد ماالمشهد الذي طالعناه في الانتخابات التشريعية الأخيرة, حين غابت الكيانات الشرعية المعترف بها, في حين كان الحضور الحقيقي للكيانات غيرالشرعية. وهو مابدا كاشفا لمدي اتساع الفجوة بين الخرائط الرسمية وخرائط الواقع.
* إن التعامل بأسلوب المهدئات والمسكنات كان ولايزال المنهج المعتمد في معالجة الملفات الثلاثة. وفي غيبة التشخيص الدقيق للحالة, وكذلك الموقف الواضح في التعامل مع الجذور السياسية والاجتماعية التي أوصلتها إلي ماوصلت اليه, فان المسكنات تصبح في أحسن حالاتها, تهدئة مؤقتة, تبقي علي باب تكرار الأحداث مفتوحا في أي لحظة.
* ان التعامل مع الأحداث في وسائل الإعلام الرسمية والصحافة القومية,اتسم بالتحيز والخفة. ولعلي لاأبالغ إذا قلت أن الخطاب الإعلامي الذي تبنته تلك المنابر كان أمنيا بأكثر منه مهنيا, وفي حالات عدة فإن التحليلات الاخبارية التي نشرتها الصحف القومية, بدت شديدة التداخل مع تقارير اجهزة الأمن, بمفرداتها واسقاطاتها المعروفة.
(4) النتيجة أننا علمنا ولم نفهم. وقرأنا الكثير عن مخططات تنظيم القاعدة ومؤامرات القوي السياسية الداخلية المحجوبة عن الشرعية, وعن مساعي الإرهاب لزعزعة الاستقرار الداخلي, لكن أحدا لم يقل لنا لماذا أصبحت البيئة الاجتماعية المصرية تعاني من التوتر ومستعدة للتجاوب بدرجة أو أخري مع تلك المخططات والمؤامرات. ولم يحاول أحد ان يتقصي جذور التوتر والاحتقان ومظانه في أنحاء مصر, كما لم يحاول أحد أن يكشف عن مسئولية مؤسسات المجتمع المختلفة في اذكاء ذلك التوتر.
في الأسبوع الماضي أذيع في لندن تقريران عن ملابسات وخلفيات التفجيرات التي شهدتها العاصمة البريطانية في شهر يوليو في العام الماضي. أحد التقريرين أعدته لجنة برلمانية خاصة, والآخر أعدته وزارة الداخلية. وأتاحت الخلاصات التي نشرت من التقريرين للناس أن يفهموا إلي حد كبير لماذا جري ماجري. وهو السؤال الذي لم نتفق علي اجابته بعد, حيث ظل خطابنا يدور حول التفاصيل المتعلقة بالتساؤلات عن من وكيف وأين ومتي, لكن أغلبنا علي الأقل يقف صامتا أو حائرا أمام السؤال: لماذا ـ فهل من مجيب
الأهرام
- 817 reads
