قراءة تجريدية لربيع مصر الساخن.
Submitted by kefaya on الثلاثاء, 23/05/2006 - 02:07.
بقلم:
فهمي هويدي
جسم المقال:

التقاط  أنفاس وفره التسكين النسبي لجبهة القضاة‏:
قراءة تجريدية لربيع مصر الساخن.

 
 


 
تتيح لنا فرصة التقاط الأنفاس التي يوفرها التسكين النسبي لجبهة القضاة‏,‏ أن نراجع سجل الأحداث التي هزت الشارع المصري في الشهر الفائت‏,‏ ودقت معها مجموعة من أجراس الانذار‏,‏ التي أرجو أن تستقبل رسالتها بما تستحقه من يقظة وتدبر‏.‏

‏(1)‏ سمه ربيعا ساخنا إن شئت‏,‏ تلاحقت فيه أحداث عدة‏,‏ جاءت كاشفة عن طبيعة التفاعلات الحاصلة في عمق المجتمع المصري‏,‏ السلبية منها والايجابية‏.‏ ولست في وارد احصاء تلك التفاعلات التي تحفل الصحف المعارضة والمستقلة برصد ماهو سلبي منها‏,‏ بينما تركزالصحف القومية علي مايبدو أنه إيجابي‏,‏ ويبالغ كل طرف في المادة التي يقدمها‏,‏ الأمرالذي يكاد يوحي للقارئ بأن الطرفين يتحدثان عن بلدين مختلفين تشابهت فيهما الأسماء‏!‏

مايهمني في سجل الربيع الساخن أحداث ثلاثة‏,‏ في المقدمة منها موضوع القضاء‏,‏ الذي أزعم انه حظي بقدر هائل من الإجماع الوطني‏,‏ أولا لاعتبارات المكانة الرفيعة التي يحتلها القضاة في الضمير العام‏,‏ وثانيا لنبل الأهداف والمطالب التي تحركوا لأجلها‏,‏ التي تتلخص في أمرين جوهريين هما‏:‏ إصدار قانون السلطة القضائية بمايؤكد استقلالها ورفع وصاية السلطة التنفيذية عليها‏,‏ والتحقيق فيما تردد عن وقائع تزوير الانتخابات التشريعية الأخيرة‏,‏ التي يفترض أنها تمت تحت الإشراف القضائي‏.‏

كما هو معلوم‏,‏ فإن تمسك القضاة بهذين المطلبين من خلال مجلس إدارة ناديهم الذي انتخبوه‏,‏ فتح الباب لسجال اتسم بالخشونة والتجاذب في بعض الأحيان‏,‏ بين ممثلي القضاة من ناحية‏,‏ وممثلي السلطة التنفيذية من ناحية ثانية‏.‏ وهو ماوصفته في مقالة سابقة بأنه استدعاء للعلاقة المتوترة تاريخيا بين القاضي والسلطان‏,‏ وتجسيد للفجوة الشائعة في بلدان العالم الثالث بين السلطة والمجتمع‏.‏

كانت تلك من المرات النادرة التي انفجر فيها الصراع بين سلطات الدولة‏(‏التنفيذية والقضائية‏)‏ امام الرأي العام‏.‏ كما كانت المرة الأولي التي انفلت فيها العيار‏,‏ الي الحد الذي دفع السلطة التنفيذية الي محاولة لي ذراع القضاة‏,‏ عن طريق تقديم اثنين من شيوخهم الي المحاكمة التأديبية‏,‏ والتحقيق مع ستة آخرين‏.‏ وهو ماأشاع حالة من الغضب بين القضاة‏,‏ ونقل التوتر الي الشارع‏,‏وفي الوقت ذاته فإن التصعيد صدم قطاعات واسعة من النخبة واستنفرها‏,‏ فكان اعتصام القضاة في النادي‏,‏ وكانت التظاهرات التضامنية معهم‏,‏ وكانت الاشتباكات مع رجال الأمن‏,‏ الذين تصدوا للتعامل مع الموقف‏,‏ وحدث بعد ذلك مايعرفه الجميع من حوادث مؤسفة سجلتها الصور‏,‏ وطيرت وكالات الأنباء أخبارها إلي أنحاء المعمورة‏.‏

وإذ استأثرت محاكمة القاضيين الكبيرين بالاهتمام العام‏,‏ من خلال أجواء الإثارة والعنف التي تخللتها‏,‏ فإن كثيرين كادوا ينسون القضية الأساس في الموضوع‏.‏ غير أن الانفراج النسبي الذي حدث في المحاكمة من جراء تبرئة أحدهما والاكتفاء بتوجيه اللوم الي الآخر خفف إلي حد ما من التوتر‏,‏ وإن لم يداوي الجرح الذي استشعره القضاة‏,‏ الذين طعنوا في أصل المحاكمة وقانونية اجراءاتها‏.‏ في الوقت ذاته فإن ذلك الانفراج أعاد تسليط الضوء علي المطلبين الأصليين الذين سبقت الإشارة إليهما‏,‏ وهو مايسوغ لنا أن نقوم بأن ماجري كان مجرد تسكين للموقف‏,‏ لم يغلق الملف‏,‏ وإنما يبقي الباب مفتوحا لعودة السجال والتجاذب‏,‏ ومن ثم لمختلف التداعيات والاحتمالات‏.‏

‏(2)‏ في شهر أبريل وقع حادثان مهمان آخران‏,‏ أضفيا درجة عالية من السخونة علي أجواء الربيع‏.‏واذ كانت القاهرة هي المسرح الذي جرت عليه وقائع المواجهة مع القضاة‏,‏ فقد شاءت المقادير أن يقع الحادثان الآخران في الاسكندرية وسيناء‏,‏ في مصادفة موحية بأن تجليات التوتر ومظانه تكاد تغطي أوسع رقعة من الخريطة الجغرافية لمصر‏(لاتنس أن أغلب ضحايا كارثة العبارة التي غرقت هم من أبناء الصعيد‏)‏

لقد شهدت الاسكندرية في منتصف ابريل مشهدا للفتنة الطائفية لم يخطر علي البال‏,‏ شاب مسلم قالت الداخلية إنه مختل عقليا حمل سكينا واقتحم به ثلاث كنائس‏,‏ حيث هاجم المصلين فيها‏,‏ فقتل واحدا وجرح‏12.‏ وهو ماأثار غضب نفر من الشباب القبطي الذين خرجوا إلي الشارع يحملون الأسلحة البيضاء وقاموا بالاعتداء علي سيدة منقبة صادفوها‏.‏ واذ رأي المشهد أحد راكبي السيارات من المسلمين‏,‏ فإنه أوقف سيارته‏,‏ وخرج منها كي يدفع الأذي عن السيدة المنقبة‏,‏ فاذا بالشبان الغاضبين يتحلقون حوله‏,‏ وينهالون عليه بالضرب‏,‏ حتي قتلوه‏.‏ وكان طبيعيا أن يشيع التوتر في المدينة‏.‏

وأن يسارع رجال الأمن الي التدخل لمنع الانفجار‏.‏ سواء بالانتشار في مختلف الاحياء أوبالقاء القبض علي المتهمين‏,‏ الأمر الذي نقل القضية من الشارع إلي ساحة النيابة والقضاء‏.‏

بعد عشرة أيام تقريبا من أحداث الاسكندرية وقعت التفجيرات في سيناء‏,‏ التي ذكرت تقارير الداخلية أن عناصر من تنظيم باسم التوحيد والجهاد قامت بها‏,‏ تلاحقت تلك التفجيرات في ثلاث مناطق هي‏:‏ دهب والجورة والعريش‏,‏ واستهدفت المنتجعات السياحية في دهب والجورة‏,‏ والقوات الدولية في العريش‏.‏ وحسب البيانات الرسمية فان التفجيرات أسفرت عن مقتل‏18‏ شخصا وإصابة‏90,‏ أغلبهم من المصريين‏.‏ كما أنها استدعت شن حملة تمشيط واسعة من جانب الأجهزة الأمنية في سيناء لتتبع الفاعلين‏,‏ أدت حتي الآن إلي وقوع اشتباكات متعددة مع نفر منهم‏,‏ قتل أغلبهم‏,‏ وكان رأس المجموعة من بين القتلي‏,‏ حسب بيانات الداخلية‏.‏

ماجري في الاسكندرية لم يكن جديدا‏.‏ فقد شهدت المدينة انفجارا آخرفي شهر اكتوبر من العام الماضي‏,‏ أدي إلي الاشتباك بين الأقباط والمسلمين‏,‏ عقب تبني إحدي كنائس المدينة للمسرحية التي تضمنت تجريحا وسخرية لعقائد المسلمين‏.‏ كما أن ماجري في سيناء كانت له سوابقه‏,‏ التي تمثلت في تفجيرات طابا وشرم الشيخ التي تتابعت خلال الـ‏18‏ شهرا الأخيرة‏.‏

‏(3)‏ رغم اختلاف الموضوع في هذه الأحداث الثلاثة‏,‏ إلا أننا إذا قمنا بقدر من التجريد لها‏,‏ وابتعدنا عن التفاصيل‏,‏ فسنجد ان ثمة قواسم مشتركة بينها‏,‏ تختصر المسافات التي نراها فيها لأول وهلة‏,‏ حتي تكاد تجعل منها قضية متشابهة الجذور‏,‏ يعيننا علي ذلك منهج التفرقة بين الأسباب والنتائج‏,‏ والأولي عادة ماتكون غاطسة في عمق الواقع‏,‏ في حين ان الثانية هي التي تظهر علي السطح فتثير الانتباه وتستأثر بالأضواء‏,‏فيتعامل البعض معها بحسبانها حقيقة المشكلة‏,‏ في حين أنهم لو نبشوا وراءها قليلا‏,‏ فسيكتشفون أنها نتيجة وليست سببا‏,‏ ومجرد عرض لمرض كامن‏.‏

إذا طبقنا هذا المنهج في تحليل الأحداث الثلاثة فسنجد أنها تشترك في أمور عدة منها علي سبيل المثال‏:‏

‏*‏ أنها عبارة عن ملفات مفتوحة‏,‏ لمرارات وتراكمات تتراوح في قدمها‏,‏ ولم يعالج كل منهابصورة جذرية‏.‏ ولأن ذلك لم يحدث فإن المرارات القديمة تضاعفت وتعقدت‏,‏ وظلت تطلق افرازاتها بين الحين والآخر‏.‏ ينطبق ذلك علي قضية تدخل السلطة التنفيذية في الشأن القضائي‏,‏ وعلي العلاقة بين المسلمين والأقباط‏,‏ وعلي ملف الارهاب في سيناء‏.‏

‏*‏إن العلاقة المحتقنة بين السلطة والمجتمع حاضرة في الأحداث الثلاثة‏,‏ الأمرالذي يسلط الضوء علي أهمية تصحيح تلك العلاقة‏,‏ بارسائها علي قاعدة متينة من المصالحة‏,‏ التي تكفل لكل طرف حقه في الندية والاحترام‏,‏ تلك المصالحة التي يمكن ان تتم من خلال ابرام عقد اجتماعي جديد بين الطرفين‏,‏ يشكل مرجعية لضمان مسيرة العمل الوطني واستقراره‏.‏

‏*‏ أن الأمن كان العنصرالحيوي والمحوري في إدارة الأزمات الثلاث‏,‏ الأمرالذي حمله بما ليس أهلا له فضلا عما هو فوق طاقته‏.‏ ليس ذلك فحسب‏,‏ ولكنه في تنفيذ المهام التي كلف بها لجأت أجهزته إلي أساليب شوهت صورته‏,‏ وسحبت كثيرا من رصيد الدعوة إلي الاصلاح السياسي التي أطلقت في الفضاء السياسي المصري في الآونة الأخيرة‏.‏

‏*‏ إن السياسة غابت عن الساحة‏,‏ بحيث أن المشاهد للمسرح من بعد ظل طوال الوقت لايري فوق خشبته غير حشود الأمن المركزي بالخوذات التي تغطي رؤوسهم‏.‏ والعصي الالكترونية السوداء في أياديهم‏,‏ أما المدنيون حولهم فليسوا سوي رجال مباحث أمن الدولة‏,‏ وهو مشهد يبدد صورة القوي السياسية الحية في البلد‏,‏ الذي يفترض أن فيه‏21‏ حزبا رسميا‏.‏ ورغم مايقال عن حالة الإعاقة التي تعاني منها أغلب الأحزاب ـ وهذه شهادة ضدنا وليست في صالحنا ـ

فإن أكثر من سؤال يظل مثارا حول دورالحزب الحاكم في تخفيف التوتر وامتصاص الغضب والتعامل مع جذور المشاكل وليس فروعها‏.‏

‏*‏ إن الحركة الفاعلة للمجتمع في التعامل مع الأحداث صدرت عن تجمعاته المدنية والسياسية غير المعترف بشرعيتها‏,‏ الأمرالذي كرر إلي حد ماالمشهد الذي طالعناه في الانتخابات التشريعية الأخيرة‏,‏ حين غابت الكيانات الشرعية المعترف بها‏,‏ في حين كان الحضور الحقيقي للكيانات غيرالشرعية‏.‏ وهو مابدا كاشفا لمدي اتساع الفجوة بين الخرائط الرسمية وخرائط الواقع‏.‏

‏*‏ إن التعامل بأسلوب المهدئات والمسكنات كان ولايزال المنهج المعتمد في معالجة الملفات الثلاثة‏.‏ وفي غيبة التشخيص الدقيق للحالة‏,‏ وكذلك الموقف الواضح في التعامل مع الجذور السياسية والاجتماعية التي أوصلتها إلي ماوصلت اليه‏,‏ فان المسكنات تصبح في أحسن حالاتها‏,‏ تهدئة مؤقتة‏,‏ تبقي علي باب تكرار الأحداث مفتوحا في أي لحظة‏.‏

‏*‏ ان التعامل مع الأحداث في وسائل الإعلام الرسمية والصحافة القومية‏,‏اتسم بالتحيز والخفة‏.‏ ولعلي لاأبالغ إذا قلت أن الخطاب الإعلامي الذي تبنته تلك المنابر كان أمنيا بأكثر منه مهنيا‏,‏ وفي حالات عدة فإن التحليلات الاخبارية التي نشرتها الصحف القومية‏,‏ بدت شديدة التداخل مع تقارير اجهزة الأمن‏,‏ بمفرداتها واسقاطاتها المعروفة‏.‏

‏(4)‏ النتيجة أننا علمنا ولم نفهم‏.‏ وقرأنا الكثير عن مخططات تنظيم القاعدة ومؤامرات القوي السياسية الداخلية المحجوبة عن الشرعية‏,‏ وعن مساعي الإرهاب لزعزعة الاستقرار الداخلي‏,‏ لكن أحدا لم يقل لنا لماذا أصبحت البيئة الاجتماعية المصرية تعاني من التوتر ومستعدة للتجاوب بدرجة أو أخري مع تلك المخططات والمؤامرات‏.‏ ولم يحاول أحد ان يتقصي جذور التوتر والاحتقان ومظانه في أنحاء مصر‏,‏ كما لم يحاول أحد أن يكشف عن مسئولية مؤسسات المجتمع المختلفة في اذكاء ذلك التوتر‏.‏

في الأسبوع الماضي أذيع في لندن تقريران عن ملابسات وخلفيات التفجيرات التي شهدتها العاصمة البريطانية في شهر يوليو في العام الماضي‏.‏ أحد التقريرين أعدته لجنة برلمانية خاصة‏,‏ والآخر أعدته وزارة الداخلية‏.‏ وأتاحت الخلاصات التي نشرت من التقريرين للناس أن يفهموا إلي حد كبير لماذا جري ماجري‏.‏ وهو السؤال الذي لم نتفق علي اجابته بعد‏,‏ حيث ظل خطابنا يدور حول التفاصيل المتعلقة بالتساؤلات عن من وكيف وأين ومتي‏,‏ لكن أغلبنا علي الأقل يقف صامتا أو حائرا أمام السؤال‏:‏ لماذا ـ فهل من مجيب
 
 الأهرام

( categories: )