محنة العرب وعلمائهم.
Submitted by kefaya on الجمعة, 26/05/2006 - 00:35.
بقلم:
سعد حجازي
جسم المقال:

في الأوطان والمهاجر:
محنة العرب وعلمائهم.
يستدعي المؤتمر التأسيسي الأول للعلماء العرب المغتربين، الذي عقد في الدوحة أواخر أبريل الماضي الفرح.

 وقبل أن يكمل الفرح اشتعاله في الذهن والوجدان، تحضر أحزان قاسية من واقع تبعثر جهود الأمة، ومحاولاتها للنهضة والخلاص، فلا أدري لماذا يصرّ القائمون على هذه المحاولات على البدء من الصفر، من دون محاولة الاستفادة مما راكمته تجارب وخبرات ومحاولات غيرهم في المجتمعات العربية.

من تلك المحاولات ما قامت به «الجمعية العلمية الملكية» في الأردن التي حرصت منذ انطلاقتها على «استقدام العلماء والخبراء العرب والأردنيين من الداخل والخارج، للمساهمة في البحث العلمي في الأردن والوطن العربي الكبير»، كما ذكر ذلك المرحوم الملك الحسين بن طلال في رسالة تأسيس الجمعية سنة 1970.

ولم تهمل الجمعية طاقات الأفراد والمؤسسات العربية، التي كانت موجودة قبلها. فمدت الجسور للتعاون مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، وكذلك استقدمت نخبة من العاملين في الجامعة الأميركية في بيروت، وعلى رأسهم انطوان زحلان ووليد الخالدي وبرهان الدجاني وغيرهم. وظلت الجمعية ترى منذ انطلاقتها أن الأمة لن تحظى بمميزات العلم الحديث، إلا عندما تؤمن الدولة بتخصيص نسبة من الدخل القومي لأغراض البحث العلمي.

وحين انطلقت محاولة الجمعية العلمية الأردنية قبل أكثر من ثلاثة عقود ونصف عقد، لحشد هؤلاء العلماء وتسخـــير جهودهم لنهضة الأمة، كان لسان حال المواطن العربي يقـــول: «وما عاد في الأرض نزل، أسمّيه بعد الهزيمة بيتي...!». كــــما صرخ بذلك يوماً شاعر عربي عراقي، مسكون بهموم الأمة وأحزانها، ولم يتغير على هذه التحديات شيء سوى زيادتها. فلسوء الحظ أو لحسنه، ما زال العرب يعيشون على ارض تقع على المركز الحساس لطرق المواصلات العالمية، وفــــوق أكبر مصدر للثروة النفـــطية في العالم. لهذا فلن يتــــركنا العالم ولا الغرب وحدنا في عزلتنا، حتى لو أردنا نحن مثل تلك العزلة. فمشكلة الغرب الاساسية معنا، تنحصر في كيفية الحد من سيطرتنا على الموارد والوسائل التي يعتبرها الغربيون حيوية جداً لمصالحهم، وفي كيفية (عولمتها) لضــمان وصولهم اليها.

بعد هزيمة حزيران (يونيو)، كانت السيطرة العربية على الموارد الخام في بلادنا، وفي مقدمها البترول، ضعيفة جداً، اذ كانت أثمان المواد الخام لهذه الموارد والثروة الهائلة تقل بالف ضعف عن قيمة مبيعات المواد المشتقة منها بعد تصنيعها. أما اليوم، وفي الزمن الذي ينطلق فيه مؤتمر العلماء العرب في قطر، ومن دون الالتفات الى تجارب عربية سابقة، فإن هذا الفرق بلغ حدوداً فلكية فادحة. في هذه الفجوة بالذات تكمن مشكلات الوطن العربي ومجتمعاته برمتها. وكلها مرتبطة بشكل أو بآخر بالعلم وأبحاثه وتطبيقاته. فمن الانتاج الى النقل الى التصنيع الى التسويق، مع ما يرتبط بها من نظم اقتصادية وادارات حكومية وخاصة، تنظمها الادارة السياسية في عقد حياتي واجتماعي، تعيش هذه المجتمعات حياتها، أياً كانت، متخلفة أو مزدهرة وبها تتكون البيئات الاجتماعية الطاردة أو الجاذبة للأفراد المبدعين في مجالات العلم التطبيقي بأنواعها.

ان قصة العلم والعرب والانسان والمهاجر، والإطارات الاجتماعية والسياسية الطاردة والجاذبة لها، هي العقدة والحل في آن معاً.

والمطلوب ان لا تتحول محنة العلم والعلماء العرب في الأوطان والمهاجر، ومحاولات الأمة لحلها والاستفادة من علمائها الى تجارب مبعثرة، لا تراكم فائدة، ولا تستفيد من أخطائها وعثراتها. فالحلول التي لا تهبط من السماء ينتجها الانسان بتراكم معرفته وتجاربه في الارض.

وربما كان الأهم في هذا كله، والاخطاء تتزاحم على الأمة ووجودها هو ان لا تصل قصة العلماء العرب ومشكلات الأمة بالتكرار الى لعنة أو «جلد للحزن»، كالهــدية التي تلقاها «فلانتاين» بطل رواية «جلد الحزن» لبلزاك (1831). هذا الجلد الذي سمح للبطل بتلبية كل رغباته، ولكن ما ان تتحـــقــــق رغبة من تلك الرغبات حتى يضـــيق الجلـــد على صاحبه. وهكذا أخذ بطل الرواية يحقق رغباته واحدة تلو أخرى، الى ان ضاق عليه الجلد فقتله.

رئيس الجمعية العلمية الملكية في الاردن.

الحياة

( categories: )