وقفة مصر تذّكر بوقفة عرابي والخديوي.
Submitted by kefaya on الجمعة, 26/05/2006 - 12:02.
بقلم:
نبيل شرف الدين
جسم المقال:

تاريخ جديد يُصنع الآن في مصر:
وقفة قضاة تذّكر بوقفة عرابي والخديوي.


 

"هذا تاريخ جديد يُصنع الآن في مصر" بهذه العبارة علق صحافي يعمل لدى صحيفة مستقلة حين شاهدنا قلب القاهرة اليوم الخميس يحتقن مجدداً، ليس فقط بفعل قيظ الصيف الذي حلّ مبكراً وشرساً هذا العام، ولكن لسبب أكثر شراسة وهو (كردونات الأمن) التي ضُربت حول شوارع وسط المدينة المكتظة بملايين السكان والسيارات والأزمات والأمنيات.

وبدا "مثلث الرعب" كما يطلق المثقفون على وسط القاهرة كأنه "بروفة" مبكرة لسيناريو المواجهة الكبرى بين السلطة وأجهزتها الأمنية وممارساتها الفظة، وهو السيناريو الذي يحذر منه ويتحسب له عقلاء كثيرون وسط المشهد الصاخب الذي تتسم به الأجواء السياسية المصرية الآن، فبينما يتجول الرئيس المصري تصحبه حاشية تقدر بالآلاف من المسؤولين ورجال الأمن من كل أجهزة الدولة التي تربو على خمسة، فقد شهد مقر دار القضاء العالي التاريخي العتيد وقفة تعيد إلى الأذهان "وقفة عرابي"، التي تحدى فيها القائد العسكري المصري أحمد عرابي خديوي مصر، الذي وصفه بأنه وأمثاله من الرعاع ليسوا سوى "عبيد إحساناتنا"، فرد الجنرال الفلاح بكلمات حادة دخلت التاريخ قال فيها "لقد خلقنا الله أحراراً، وولدتنا أمهاتنا أحراراً"، وأردف ذلك بقسم مغلظ "ألا يكونوا عبيداً لأحد بعد اليوم"، وبعدها جرت مياه كثيرة في نهر النيل، ودالت دولة الأسرة العلوية، واعتلى السلطة جنرالات من "أبناء الشعب"، بدا أن حالهم لم يكن أفضل من أسلافهم من "الخديوية"، بل إن هناك من يرى الأحوال ساءت أكثر، وبلغت من التعقيد حداً لا تلوح معه أي بادرة أمل في مستقبل "لا يكون فيه المصريون عبيد إحسانات حكامهم".

وقفة القضاة
ولعل الفارق الأبرز بين المشهدين أن خديوي مصر "التاريخي" كشف عن مكنون قلبه بصراحة تصل إلى حد السذاجة، بينما يستعين "خديوية" القرن الحادي والعشرين بالخبرات التي اشتهر بها "المنايفة" في عدم الإفصاح عن نظرته لرعاع هذا الزمان، الذين يؤكد في أكثر من موضع أنه يكن بالغ التقدير للقضاة بينما لم يحل قاض على مجلس التأديب بسبب موقفه السياسي سوى في العهد الحالي.

لهذا فعلى الرغم من الحكم المخفف بحق المستشارين هشام البسطاويسي ومحمود مكي، غير أن القضاة بداً عازمين على المضي قدماً في انتفاضتهم، ونفذوا بالفعل اليوم "وقفة احتجاجية" شارك فيها مئات القضاة بأوشحتهم الخضراء والحمراء.

الوقفة تأتي في ذكرى الاستفتاء على تعديل المادة 76 من الدستور، وما شابت ذلك اليوم من ممارسات بلغت حد هتك عرض المتظاهرات، غير أن الهدف من هذه الوقفة هو المطالبة بإقرار مشروع قانون السلطة القضائية الذي أعده ناديهم بالتعاون من نخبة من فقهاء القانون، فضلاً عن المطالبة أيضاً بالتحقيق في الانتهاكات التي ارتكبتها أجهزة الأمن خلال الانتخابات البرلمانية الماضية، بالإضافة إلى المطالبة بإطلاق كافة المعتقلين بسبب تضامنهم مع القضاة في انتفاضتهم، التي تتسبب في حرج بالغ للنظام الحاكم وأجهزته الأمنية .

وفي غياب تام لأي من عناصر جماعة "الإخوان" عن فعاليات اليوم، فقد شدد القضاة قبل وقفتهم على عدم الهتاف، وناشدوا الجماهير الداعمين لموقفهم الالتزام بالصمت، وحتى لا تسعى كل جماعة أو قوة سياسية على اختطاف المشهد لصالحها، لهذا ارتأى القضاة أن الإحجام عن ترديد الهتافات من شأنه أن يصب أولاً وأخيراً في صف كل القوى الوطنية دون تمييز.

على صعيد ذي صلة قرَّرت نيابات أمن الدولة العليا في مصر تجديد حبس 220 من الإخوان المسلمين الذين تمَّ اعتقالهم خلال مظاهرات مناصرة القضاة الأسابيع الماضية لمدة 15 يومًا، كما أفرجت نيابة أمن الدولة عن 41 طالبًا جامعيًّا من المتظاهرين، مضافًا إليهم محمد زارع "حزب العمل المجمد نشاطه"، فيما جدَّدت حبس 220 آخرين من إجمالي 262 تمَّ عرضهم على نيابة أمن الدولة لمدة خمسة عشر يومًا على ذمةِ التحقيقات.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الأسبوعين الماضيين شهدا مواجهات دامية في القاهرة حين تصدت قوات الأمن المصرية بشراسة وعنف لمظاهرات سيرتها عدة قوى سياسية تضامناً مع القضاة الذين أُحيلا على مجلس التأديب.

مختلون من أجل التغيير
في جانب آخر من المشهد القاهري الراهن، وتحديداً في ضاحية مصر الجديدة الراقية شرق القاهرة، وداخل المبنى الفخم لنيابة أمن الدولة، التي تواصل تحقيقاتها مع الموقوفين من نشطاء حركة (كفايه) فقد بدا المشهد هزلياً لا يناسب أجواء التحقيقات المرعبة، واقتحم صمت المكان هرج ومرج حين قرر عدد من نشطاء الحركة ـ ومعظمهم من الشباب ـ البالغ عددهم 28 معتقلاً أن يعبروا عن احتجاجهم بطريقة مبتكرة، إذ تصرفوا على نحو يصفه المصريون بتعبير "الاستعباط"، فراحوا يقلدون "المختلين عقلياً" أثناء استدعائهم من الحجز للتحقيق معهم، كما ارتدوا ملابسهم بالمقلوب، وراحوا يصرخون بشراسة وجلسوا على الأرض بدلاً من المقاعد، ثم أخذوا يصفقون بالأحذية أمام وكيل النيابة، وكتبوا على أجسادهم عبارات ضد الحكومة، طالبوا فيها بالتغيير وتضامنهم مع القضاة، وراحوا يطلقون النكات قائلين إنهم أعضاء في تنظيم "مختلون من أجل التغيير"، ورفضوا الإدلاء بأية أقوال في التحقيقات، في حين أصرت هيئة الدفاع عنهم علي انتداب قاض للتحقيق معهم. وسادت حالة من التوتر، واضطرت النيابة إلى استدعاء الحرس الذي حاول إقناعهم بالعدول عن هذه الأفعال، إلا أنهم رفضوا ذلك ومضوا في احتجاجهم على هذا النحو الذي وضع أعضاء نيابة أمن الدولة، التي تعد ـ رسمياً ـ فرعاً من فروع الادعاء العام التابع للنائب العام، غير أن لها وضعية خاصة بالنظر لأنها تحقق في القضايا السياسية.

على الصعيد ذاته فقد قررت النيابة تجديد حبس 23 منهم، بتهمة التجمهر للتضامن مع القضاة أثناء محاكمة المستشارين هشام البسطويسي ومحمود مكي، والإفراج عن 5 آخرين، هم: أكرم الإيراني ومالك مصطفي ومحمد فوزي إمام ومحمد عادل فهمي ومحمد عبداللطيف طاهر.

أما على الصعيد الدولي فقد شهدت أروقة الدبلوماسية المصرية اتصالات مكثفة بين مصر والنمسا الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي، بهدف احتواء بوادر أزمة لاحت نذرها في العلاقات بسبب بيانين صدرا في فيينا الأسبوع الماضي حملا توقيع رئيس الاتحاد الأوروبي تضمن الأول انتقادات شديدة اللهجة للسلطات المصرية، لقمع المشاركين في تظاهرات شهدتها القاهرة تضامنا مع مطالب القضاة باستقلال السلطة القضائية، ودعا الثاني لاحترام حق التظاهر بوصفه من حقوق الإنسان، ثم قرار السلطات عدم السماح بالتظاهر إلا بتصريح مسبق طبقا للقانون، وحالة الطوارئ المفروضة في البلاد منذ ربع قرن.

وقد تزامن صدور هذين البيانين مع زيارة الرئيس حسني مبارك إلى فيينا، وردت مصر ببيانين صدرا عن وزارة الخارجية، قالت فيهما إن البيانين اللذين تضمنا معلومات مغلوطة يمثلان "وضعا شاذاً، وغير مفهوم" يتعارض مع مبادئ اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي، ووصفت الأول بأنه سلبي لا يسهم في إيجاد مناخ بناء لتعزيز العلاقات، مذكرة بالخطوة التي قطعتها مصر في طريق الإصلاح السياسي، وفق بيان الخارجية المصرية.

إيلاف

( categories: )