مصر لها سنوات تقف علي حافة الفوضي.
Submitted by kefaya on الاثنين, 29/05/2006 - 03:20.
بقلم:
أهداف سويف
جسم المقال:

صراع مع الحكومة للحيلولة دون الانهيار:
مصر لها سنوات تقف علي حافة الفوضي.


 



في هذا الوقت من العام الماضي، صعدت الحكومة المصرية مستوي العنف في مواجهتها مع التظاهرات المطالبة بالاصلاح، فابتكرت قوات امن الدولة عنصرين جديدين ظهرا في شوارع العاصمة: العنصر الاول مجموعات من الشباب ذوي العضلات المفتولة، وربما من ذوي السوابق، والأدمغة المتسلطنة، اطلق الناس عليهم اسم فرق الكاراتية، استخدموا لضرب المتظاهرين، واستخدموا ايضا لتقديم الابتكار الثاني، وهو ضرب السيدات والفتيات، وتمزيق ملابسهن وانتهاك حرمة اجسادهن.

وهذا الابتكار الاخير خرج عن جميع الاعراف المصرية لدرجة جعلت مؤيدي الاصلاح يصرون علي احياء ذكراه سنويا اينما كانوا علي وجه الارض.
ان المطالب الاساسية للمنادين بالاصلاح هي الديمقراطية، والشفافية، والامتثال لحكم القانون، والمؤمل هو نيل هذه المطالب بالطرق السلمية وليس عن طريق التحولات العنيفة. ولنتذكر ان اساطير اجدادنا الأولين التي تحكي عن النزاع القاتل بين حورس (القلب المتنبه) وعمه، سيث (العنفوان والطاقة)، تحكي لنا ان هذا النزاع لم يحسم عن طريق الحرب وانما باللجوء الي القانون. وهذه الاسطورة تحكي حكاية تأسيس مصر: التجأ الاثنان الي القانون، فحكم القاضي بأنه بالرغم من ان الحق، كل الحق، مع حورس، الا ان لسيث دورا مرموقا يناط به اليه، فيوظف في حماية مركبة رع (الحياة والنظام) من اعتداء الحية التنين، انوفيس (الظلام والفوضي والموت). اي ان تصور مصر لنفسها يقوم في الاساس علي مفاهيم النظام، والتكامل وسيادة القانون.

مصر لها الآن سنوات تقف علي حافة الفوضي، فحياة كل فرد في هذا البلد تتأثر بحالة التراجع التنموي التي نعيشها منذ ثلاثة عقود. فنجد في القاهرة مستوي فظيعا من التلوث البيئي مثلا، وفي عشوائياتها مناطق لا تصلها المياه. نعاني كمصريين من سوء التغذية لأول مرة في تاريخنا ويرمح المرض الخبيث، وداء الكبد، وامراض الجهاز التنفسي وسطنا، ويرجح البعض هذا الي المبيدات والمواد الكيميائية المستوردة والمشكوك في صلاحيتها، اكثر من 12% منا يعانون من البطالة. امة راسخة الجذور، التصقت بأرضها لما يزيد عن ستة الاف عام، تصطف الآن في طوابير امام شبابيك الهجرة في السفارات المختلفة. التعليم صار مهزلة، وكذا الرعاية الطبية. الهوة بين من يملك ومن لا يملك تتسع، وتهوي فيها الطبقة الوسطي وكل هذا من الممكن تلافيه، لو ان من يحكم البلاد يضع غايته المصلحة العامة، لو ان الشعب له ان يحاسب السلطة، لو ان السلطة ومن حولها يخضعون للقانون وللدستور. هذا ما يشغل به حركة الاصلاح.

ان القيم المتأصلة في فلسفة الحياة المصرية هي التي حالت دون انهيار البلاد حتي الآن، قيم مثل الصبر، والمهادنة، والتكافل. لكننا، في هذه السنة الاخيرة، رأينا الأمور تسوء بدرجة وبسرعة لن تجدي معها اي فلسفة. تتحرك الفتنة بين اقباط المصريين ومسلمهم، تضرب البلاد كوارث هي اساسا من صنع الانسان: تندلع الحرائق في المسارح والمصانع والمخازن، وتغرق العبارات في البحار، فتفضح المستوي الذي انحدرنا اليه من الاهمال والفساد.

ولا ننسي الظروف الاقليمية المحيطة بنا، والتي تتحدد ابعادها الكارثية يوما بعد يوم. والسلطات المصرية، حتي ان لم تتسبب في الكثير من هذا، الا انها لا تتعامل معه بشكل مناسب او بناء، فالحل عندها هو الخطاب المنتفخ بالاكاذيب غير المتقنة والاعذار غير المقنعة، والميادين المدججة بالعسكر، والأمن المتكئ علي الاساليب الوحشية. وقد مددت السلطات العمل بقوانين الطوارئ التي ضج منها المصريون عامين جديدين، ووعدت بقانون مبتكر لمعالجة الارهاب يحل محلها! يري الناس ان رئيس البلاد يحاول الزج بابنه في كرسي الرئاسة رغم الرفض الشعبي العريض له. ويتفرج الناس علي رئيس البلاد وهو يسترضي الادارة الامريكية فيتخذ مواقف اقليمية تؤدي الي تقزيم البلاد والاستهانة بها ولا تعبر بحال عن الارادة او المزاج الشعبي. واليوم، مع أزمة القضاء، يري الناس الحكومة في مواجهة مع القانون ذاته.

جميع قطاعات المجتمع الآن علي خلاف مع سلطة تتماهي مصالحها مع مصالح قطاع ضيق جدا لا يمثل حتي عموم رجال الاعمال وتستخدم جهاز الامن للبطش بمن يعبر عن الاعتراض، المزارعون في حالة صراع مع السلطة، العمال يضربون ويعتصمون في محاولة لحماية مصانعهم من الخصخصة المجحفة، الصحافيون يجاهدون لتغيير القوانين التي تتهددهم، اساتذة الجامعات يعقدون اجتماعاتهم علي الأرصفة بينما يغلق الأمن أبواب الجامعات، المهندسون يبحثون عن مأوي لانعقاد جمعيتهم العمومية، وتقف كتيبة من كبار رجال القانون في مصر وقفة احتجاجية، امام ناديهم العريق، متشحين بالشريط الاخضر، تزينه الاوسمة.

ويمكن تفسير هذا المشهد كله بان المجتمع المدني المصري، ومؤسسات الدولة المصرية، تشتبك في صراع مع حكومة اليوم في محاولة لدفعها نحو الاصلاح، فان نجحوا يدرأون عن البلاد خطر الانهيار والفوضي او حتي الثورة الشاملة. ومن هذا المنطلق فعلي كل من يجزع لرؤية المنطقة العربية وهي تنحدر وتدفع دفعا نحو الانهيار والعنف والفوضي ان يساند حركة الاصلاح في مصر.

ان حركة الاصلاح المصرية، وبالذات الجناح اليساري منها، لا ترغب بالمرة في المساندة الرسمية او الحكومية من اي دولة، بل انها، مبدئيا، ترفض هذا التوجه. لكنها تطلب تضامن المجتمع المدني، من مؤسسات وافراد، علي مستوي العالم. وقد رحبت ببيان التضامن الذي قدمه قضاة فرنسا في 16 ايار (مايو)، وترحب بمثل هذه المبادرة من اتحادات العمال والنقابات المهنية.

ويجب علي الاعلام الغربي ان يكون علي مستوي المسؤولية، وان يلتزم بالدقة في التعامل مع المشهد المصري.

نعم، الاخوان جزء من التيار الاصلاحي، ولكن قوة الحركة وجاذبيتها لا تنبع من اي توجه مذهبي وانما من انسانية الاهداف.

نعم، هناك تساؤلات حول شرعية سجن ايمن نور، مؤسس ورئيس حزب الغد، لكن لا يجب ان يضفي هذا عليه قامة ليست له. الاعلام الامريكي بالذات يقع في هذا اللبس. والاعلام البريطاني مصر علي انه احرز المركز الثاني في انتخابات الرئاسة في مصر. والواقع ان هذا الـ مركز الثاني لا يخرج عن الشكل فلم يحصل ايمن نور سوي علي واحد في المئة من الاصوات. وربما يرجع الاهتمام الغربي بأيمن نور الي هاجس ان الادارة الامريكية تفكر فيه كبديل اذا تعذر عليها الاستمرار في مساندة النظام الحالي، واحتاجت وجها جديدا، يسير علي نفس النهج السياسي والاقتصادي من ترك العنان لحرية السوق وتثبيت قيم الرأسمالية وتحجيم دور الدولة. من البديهي ان التيار الاصلاحي يصر علي حق ايمن نور في محاكمة عادلة، مثله مثل عشرين الف محتجز سياسي الذين يقضون اعمارهم في السجون، والثمانمئة ناشط وناشطة (ومنهم الذين قبض عليهم في الاسابيع الاخيرة).

ونهاية، ما كل هذا الهجاء والتلسين علي فرعون ؟ يا سادة، لقد ظلت وظيفة رسالة المؤسسة الفرعونية، طوال ما يزيد عن ثلاثة الاف عام ان يقول الفرعون الماعت ويفعل الماعت، وبهذا يضمن المسكن والمأكل والاستقرار لكل مصري والاستمرارية لمصر فأين فرعون اليوم واين الماعت؟
 
القدس العربي

( categories: )