- No upcoming events available
جواد البشيتي
زيارة جمال لواشنطن تمخَّضت عن اتفاق:
علمانية ضد الديمقراطية في مصر!
لا أقول بناءً علي معلومات"، فأنا لا املكها، ولكنني، في تفسير وفهم لبعض النتائج"، أقول إن زيارة جمال مبارك، لواشنطن قد تمخَّضت عن اتفاق، تَمنح بموجبه الولايات المتحدة نظام حكم مبارك حرية أوسع وأكبر في تنظيم سير عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي بما يلبي حاجته إلي البقاء والاستمرار عبر التوريث، فـ(التمديد) استُنفِد، وعبر نقل الروح من حالة الطوارئ وقوانينها إلي قانون مكافحة الإرهاب، وقوانين جديدة أخري، تؤسس لقيام دولة أمنية جديدة، تقوم علي علمانية منافية للديمقراطية.
لقد زارها، بحسب البيان الرسمي، ليشرح رؤية مصر في شأن برامج الإصلاح، ويبدو أن كلامه قد وقع، هذه المرة، علي أسماع تشبه سمعه، فإدارة الرئيس بوش تضاءل الميل لديها إلي الاستمرار في لعبة سَبْر الغور السياسي والفكري لجماعات الإسلام السياسي المعتدل بمسبار الانتخابات وصندوق الاقتراع، فالنتائج التي انتهت إليها، حتي الآن، ذهبت بكثير مما توقَّعت. كما تضاءل لديها الميل إلي إصلاح سياسي وديمقراطي لا يتخذ العلمانية، بعد مسخها، سلاحا تُحارَب به بعض قوي الإسلام السياسي الواسعة النفوذ كمثل جماعة الأخوان لمصلحة إصلاحيين و ليبراليين فشلوا إذ دخلوا المعترك الانتخابي، فاشتدت الحاجة إلي قوانين وإجراءات وتدابير جديدة تسمح للانتخابات بالتمخُّض عن نتائج متَّفقة مع ما يتوقعون.
التجربة قوَّمها خير تقويم رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف إذ قال إنَّكَ تحتاج إلي أن تعيد النظر في حساباتك، وإلي أن تعيد تقويم افتراضاتك، بعد، وفي ضوء، النتائج المترتبة علي التجربة والاختبار، فالإسلاميون في مصر وفلسطين والعراق عرفوا كيف يغتنمون من الانتخابات وصندوق الاقتراع سلطة واسعة.
وعملا بمبدأ، أو فرضية، أن الإصلاح السياسي والديمقراطي ليس بـ الطريق إلي أي شيء إيجابي، قال الرئيس المصري لدي افتتاحه أعمال المنتدي الاقتصادي العالمي في شرم الشيخ: الإصلاح في المنطقة لن يكون الطريق إلي تسوية المسألة الفلسطينية، فعكس ذلك إنما هو الصحيح. سياسيا، ليس لهذا القول من معني غير المعني الآتي: الصلح مع إسرائيل أولا، ثم الصلح بين الحاكم والمحكوم عندنا، فالديمقراطية مع استمرار النزاع مع إسرائيل لن تكون مأمونة العواقب، وتنتهي إلي فوضي غير بناءة!
علي أن أشد ما أدهشني كان كلام أحمد نظيف عن العلمانية في مصر، فهو أكد علمانية الدولة المصرية علي الرغم من أن الدستور يؤكِّد دينيتها، بإعلانه الإسلام دينا رسميا للدولة، ومصدرا للتشريع فيها. ويبدو أن رئيس الوزراء المصري يريد لنا أن نفهم العلمانية بما يتَّفق مع مصلحة نظام الحكم المصري في مكافحة جماعة الإخوان، فهو صوَّر العلمانية علي أنها فصل للدين عن السياسة، وليس عن الدولة إذ قال إن كل حزب سياسي يقوم علي أساس ديني لن يُسمح له بالوجود القانوني والشرعي والدستوري.
إنَّنا نؤيِّد تماما الحظر الدستوري لـ(تسييس) الدين، ولـ(تديين) السياسة، علي أن يأتي هذا الحظر ليس من فوق المجتمع، وإنما من المصدر الأول والأهم للديمقراطية وهو الإرادة الحرة للشعب أو المجتمع، فليس من مبدأ في الحياة السياسية أو الدستورية أو الديمقراطية يمكن أن يسمو ويعلو إذا لم يأتِ من ذاك المصدر الذي منه فحسب تُستمد الشرعية السياسية علي مستوي الدول.
إنَّكَ يكفي أن تعلن وتؤكِّد دينية الدولة حتي لا يبقي لديك من حق في حظر أي حزب سياسي يقوم علي أساس ديني، فـ الدولة إنما هي في المقام الأول كيان سياسي. وهذا الكيان السياسي لا تقوم له قائمة عندنا إلا إذا كان كيانا أمنيا في المقام الأول.
إنَّ مسألة الفصل بين الدين وبين الدولة والسياسة والحياة الحزبية لا تُحل، ويجب ألا تُحل، إلا بما يتَّفق مع المبدأ الأول والأساسي للديمقراطية، فهذا الفصل، الذي يحتاج إليه التطور الديمقراطي لمجتمعاتنا، يجب أن يأتي في شكل نص دستوري يُقر في استفتاء شعبي حر وديمقراطي، فعندئذٍ فحسب يصبح الدستور كلمة حق يراد بها حق!
كاتب سياسي فلسطيني ـ الاردن
القدس العربي
- 939 reads
