ماليزيا /مصر.. حاجة تقرف!
Submitted by kefaya on الأحد, 04/06/2006 - 03:05.
بقلم:
سعد هجرس
جسم المقال:

المعرفة والتكنولوجيا / تحريم الموسيقى ومصافحة النساء والاستنجاء فوق البول والغائط:
ماليزيا / مصر.. حاجة تقرف!
 

 


ليست هذه أول مرة أذهب فيها إلى ماليزيا، لكنى أجدها مختلفة كل مرة. وهذه المرة بالذات تخيلت أنى أخطأت العنوان وسافرت إلى بلد آخر.

فهذه الدولة التى كانت تسمى حتى عهد قريب "جزر الملايو"، وكانت مضرب الأمثال فى التخلف والفقر، حتى أن عاصمتها "كوالا لمبور" تعنى ترجمتها حرفياً "وادى الطين"، لأنها كانت مجرد أحراش موحلة، أصبحت اليوم شيئاً آخر تماماً.

ماليزيا اليوم أحد النمور الآسيوية، وهى نمور ليست من ورق على حد تعبير الزعيم الصينى ماوتسى تونج. بل إن لها أنياب ومخالب اقتصادية حقيقية.

 ويكفى أن نذكر أن حجم تجارتها الخارجية هذا العام سيكسر حاجز التريليون رينجيت (علما بأن الدولار الأمريكى يساوى 3.6 رينجيت والتريليون يساوى مليون مليون) وأن حجم صادراتها العام الماضى زادت عن 148 مليار دولار أمريكى (عدد سكان ماليزيا لا يزيد عن 26 مليون نسمة بينما إجمالى صادرات مصر التى يبلغ عدد سكانها 70 مليون نسمة والتى كانت متقدمة عن جزر الملايو بمئات السنوات منذ أعوام قلائل لم يتجاوز 10.6 مليار دولار اى ان صادرات ماليزيا تبلغ 14 ضعف الصادرات المصرية).

وليس هذا فقط، بل إن ماليزيا تخطط لأن تصبح دولة متقدمة بالكامل عام 2020. اى أنها ستنضم بعد 14 عاماً إلى نادى الدول المتقدمة وتودع نادى دول "العالم الآخر" الذى يسمى أحياناً بـ "العالم الثالث" وأحياناً أخرى بـ "الدول النامية" تجنباً لتسميته الحقيقية وهى "العالم المتأخر".

وهذه النقلة الأخيرة تبين لنا أن النهضة الماليزية ليست ناجمة عن "هبة" طبيعية هبطت عليها من السماء او تفجرت لديها من باطن الأرض، بل إنها نتيجة جهد وعرق وعمل وتخطيط ومثابرة وإصرار وإرادة سياسية، والدليل على ذلك أن أكثر من ثلاثين فى المائة من الناتج المحلى الاجمالى الماليزى تأتى من الصناعة. وأكرر ألف مرة كلمة "الصناعة".

ثم إن هذه النهضة الاقتصادية الهائلة ليست عشوائية بل إنها مخططة. وأضع ألف خط أيضاً تحت كلمة "التخطيط". وهو تخطيط يرتبط ارتباطاً وثيقاً بامكانيات البلاد وطبيعة المرحلة التى تمر بها البشرية والعالم وانطلاقاً من إدراك أن تعيش الآن ثالث ثورة بعد الثورتين الزراعية والصناعية، هى ثورة المعلومات، يرتكز مشروع نهضة ماليزيا على اقامة مجتمع المعلومات، بل وتحويل البلاد إلى "مجتمع المعرفة" عام 2010.

والأهم أن كل هذه الخطوات المدروسة لم تتوقف ولم تتعثر عندما ضربت الأزمة المالية الرهيبة اقتصادات جنوب شرق آسيا عام 1997.

والأكثر أهمية ان القيادة الماليزية لم تركع أمام صندوق النقد الدولى، ولم تستمع إلى تعاليمه و"نصائحه" وقتها. بل إنها خرجت من الأزمة فى ظل قيادة الدكتور مهاتير محمد وقتها بفضل روشتة "وطنية" مناقضة تماماً لأوامر وفرمانات الصندوق.

ثم إن مهاتير محمد الذى قاد البلاد بحسم فى هذه المسيرة الناجحة، ترك الحكم بمحض إرادته وهو فى أوج مجده وقال أن من حق البلاد أن ترى قيادات شابة جديدة ودماء جديدة ومبادرات جديدة.

وهذه مسألة لا تحدث فى العالم الثالث حيث لا يغادر الحكام مقاعد الحكم ولا بالطبل البلدى.

وأثناء زيارتى الآخيرة إلى ماليزيا وجه اتحاد غرف التجارة والصناعة والخدمات لمجموعة الخمسة عشر، الذى كان يعقد مؤتمره الثالث عشر وقمة مجتمع أعمال المجموعة فى كوالامبور، وجه الدعوة إلى مهاتير محمد للاستماع إلى آرائه فى مستقبل هذه الحركة التى ولدت من رحم حركة عدم الانحياز عام 1989، وتضم الآن 19 دولة من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وجاء الرجل وتحدث وأجاب على أسئلة الحاضرين.

والطريف أنه تم تخصيص مقعد أعلى من بقيمة المقاعد له – كالعادة فى مثل هذه المحافل – فرفض أن يجلس عليه وطلب مقعداً عادياً، وقال مازحاً "انا قصير القامة ولا تناسبنى المقاعد العالية".

وبالمناسبة فان حجمه الضئيل وابتسامته الخفيفة التى لا تفارق ملامح وجهه وحركاته وطريقة كلامه – وشكله عموماً – يذكرنا بزميلنا وصديقنا وأستاذنا الراحل الكاتب والصحفى العبقرى صلاح حافظ.

هذا مشهد غير مألوف على الاطلاق فى العالم الثالث أن تجد حاكماً يحتفظ ببريقه وتألقه وشعبيته بعد خروجه من السلطة.

وتلك علامة أخرى على أن مشروع النهضة الماليزية ليس وليد الصدفة، بل إنه محصلة إرادة سياسية، وتجربة ديموقراطية جديرة بالتأمل فى بلد توجد فيه أعراق متعددة مالوية وصينية وهندية وديانات مختلفة إسلامية وبوذية وهندوسية ومسيحية ، ونظام تعليم وطنى، وتخطيط اقتصادى مدروس، ومجتمع يقدس العمل ويعتبره "عبادة".

وقبل أن أعيد قراءة الأوراق الكثيرة التى حملتها معى حول هذه التجربة التنموية الرائعة، وأحاول مقارنتها بواقع الحال لدينا .. توقفت الطائرة التى أقلتنى من "كوالالمبور" فى مطار الدوحة. وكان أول ما وقع عليه بصرى هو نسخة من جريدة "الوطن" الصادرة فى هذا اليوم الذى كان يصادف الجمعة الماضى.

تصفحت الجريدة.. توقفت أمام صفحتها الخامسة وبالتحديد أمام زاوية بعنوان "أنت تسأل والعلماء يجيبون".

السؤال الأول عن مصافحة النساء. والاجابة أنها "لا تجوز بحال من الأحوال مادامت المرأة ليست زوجة ولا محرما بنسب او رضاع أو مصاهرة".
السؤال الثانى عن سماع الموسيقى. والاجابة هى أن "الموسيقى تأتى بأدوات العزف كما هو معلوم والمعازف محرمة" يعنى باختصار الموسيقى حرام.

السؤال الثالث - وعفواً لقلة الذوق والعقل – ما حكم الاستنجاء فوق البول والغائظ والتناثرات البسيطة جدا من البول على الجسم. ولا داعى لانتظار الاجابة.

هل تحتاجون بعد ذلك إلى معرفة سبب تأخرنا وتقدم باقى خلق الله، بما فى ذلك الماليزيين الذين يمثل المسلمون نحو 60% منهم يحافظون على دينهم الحنيف ولكنهم يستلهمو ن منه أموراً سامية ونبيلة ودافعة للتطور والتقدم.

أنهم يتحدثون عن مجتمع المعرفة وثورة التكنولوجيا بينما نحن مشغولون بتحريم الموسيقى ومصافحة النساء والاستنجاء فوق البول والغائط.

حاجة تقرف!


hagrassaad@hotmail.com
الحوار المتمدن

( categories: )