أنا وصديقتي والمدونات.
Submitted by kefaya on الأربعاء, 07/06/2006 - 13:06.
بقلم:
شيرين أبوالنجا
جسم المقال:

اليوم حفلهم "غني يا بهية" بنقابة الصحفيين:
أنا وصديقتي والمدونات.

 

 

الفرق بيني وبينها بضع سنوات، و«بضع» في اللغة العربية تعني من ثلاثة إلي تسعة، لكن الفرق الرئيسي بيننا هو أنها في فترة ما في حياتها الجامعية كانت منخرطة في الحركة الطلابية السبعينية المتأخرة، فقد تخرجت في الجامعة عام ١٩٧٩ وبعد تخرجها بفترة قليلة توقفت عن العمل السياسي العام ولم تتنازل عن أصدقائها وصديقاتها ولم تتوقف عن المتابعة الدقيقة لكل ما يحدث ولكل ما تنشره الصحف ووسائل الإعلام ــ فهي نفسها تعمل في مجال الصحافة.

اتصلت بها منذ قليل وقلت: «عندي ليكي خبر حلو» فأجابت سريعا «علاء خرج، مش كده؟» لوهلة ارتبكت فكيف علمت قبلي بخروج علاء وسألتها «بجد؟» فقالت لي «معرفش، بس أكيد هو ده الخبر الحلو».

 ومن هنا تبدأ قصة صديقتي والمدونات، أو بالأحري قصتها مع المدونات. في يوم من ذات الأيام قررت هذه الصديقة أن تدخل عالم التكنولوجيا لتسلم مقالاتها الصحفية مطبوعة علي الكمبيوتر وأحضرت مدرسة لتعطيها دروسا خاصة في المنزل لتفهم خبايا ذاك الجهاز الغامض وبعد فترة قصيرة وكأنها غفلة من الزمن أصبحت من مرتادي عالم الإنترنت وتعثرت في مدونة علاء ومنال والتي كنت قد اطلعت عليها ويبدو أنها قرأت كل كلمة في المدونة ومنها انتقلت إلي المدونات الأخري حتي أصبحت مدونة مالك مصطفي والمعروفة باسم «مالكولم أكس» هي الصفحة الرئيسية علي جهازها.

وقعت الصديقة في حب المدونين والمدونات وبدأت تتابع أخبارهم بدقة وتحكي عنهم للجميع، وكانت فرحتها عظيمة عندما تم الإفراج عن مالك وكان قد اعتقل الشهر الماضي لأنه بالطبع سبب تعطيل مرور القاهرة بأكملها. وانطلقت تخبر الجميع أن مالك قد أفرج عنه وأنه لابد أن نقرأ ما كتبه عن تجربة السجن.

 في البداية كنا جميعا أشراراً بحق وكنا نضحك من هذا الغرام الذي وقعت فيه صديقتنا، وكانت ابنتها تضحك كثيرا منها وتشبه الموقف بفيلم عربي، حين تقع البطلة في غرام شخص لا يعرفها.

في كل هذا وصديقتنا غير مهتمة بردود أفعالنا، لا مبالية بكل شرورنا الصغيرة والنكات السخيفة، هي مصرة علي ما تفعله: مراجعة المدونات صباحا ومساء وقراءة تجارب السجن وخطاباته بشغف وعندها أدركنا أن الأمر ليس مقتصرا علي شخص واحد بل يتضمن العديد، منال، وعلاء، ورضوي، وبنت مصرية، ما بدا لي «عمرو عزت»، سقراطة والشرقاوي ونورا.. والكثير غيرهم. عرض عليها صديق أن يعرفها بمجموعة من المدونين ولكنها ارتعدت من الفكرة، فهي تعيش معهم في مدوناتهم ورسمت لكل منهم صورة في ذهنها ولا تريد لهذه الصورة أن تشوبها شائبة ومعها بدأت المدونات بدقة وأقرأ ما ترشدني إليه، ومنها بدأت أعرف آخر المستجدات. وبالمتابعة المكثفة وجدت أن لديها كل الحق في الإعجاب بهؤلاء المدونين. فهناك أعلي درجة من درجات الصدق الذي لا يحمل أي تنظير أو افتعال أو ادعاء مع غياب شبهة المزايدات السياسية المعهودة.

إنه الصدق الإنساني البسيط الذي يري الخوف شرطاً إنسانياً مشروعاً والذي وصل إلي استنتاج أن شعار «عمر السجن ما غير فكرة» ليس صحيحا علي طول الخط، وهي الفكرة التي أثارت جدلا واسعا بينهم لم يصل إلي حد المزايدة كما هو معهود في العمل السياسي، يصاحب هذا الصدق بالطبع كم من الشفافية والمباشرة التي تثير حسد الآخرين وأنا منهم ــ تلك القدرة الرائعة علي التعبير عما يدور في العقل والنفس.

تطور الأمر مع صديقتي عندما أخبرتها ابنتها أنها شاهدت مالك في وسط المدينة بعد الإفراج عنه، فسألتها «وعرفتيه إزاي بعد ما حلق في السجن؟» ثم تطور الأمر أكثر عندما أبدت انزعاجها الشديد لحالة منال زوجة علاء ــ الذي لايزال معقتلا، ثم وصل الأمر إلي الذروة عندما قالت لي «أنا رايحة الحفلة بتاعتهم يوم الأربعاء في النقابة».

 طلبت منها عنوان موقع مالكولم أكس «موقع مالك» لأتحري عن موضوع الحفل فوجدت الشعار الذي كان قد صمم من أجل التضامن معه أثناء اعتقاله «مالكم بمالكوم ــ لا مالكم ـولا بطشكم ــ يخرسوا ضمير..» ومن مدونة إلي أخري وجدت إعلان الحفل وعنوانه «غني يا بهية» وعندما قرأت الدعوة فهمت أكثر أسباب توحد صديقتي مع المدونين فكأنها وجدت من يؤكد لها صحة أفكارها عن اعتزال العمل السياسي المباشر.

تقول الدعوة: «لقد جربنا لعقود طويلة سلاح التظاهر والاعتصامات والمنشورات السياسية وغيرها الكثير من وسائل العمل السياسي، ولم يجلب ذلك لنا سوي خسائر لا حصر لها نظرا لضعف إمكانيات التنظيم وعدم وضوح الهدف وقصور الرؤية لدي من يقومون بتعبئة الشارع.. كما أننا نتعامل مع نظام ليس لديه أدني تردد في استخدام القوة لقمع أي صوت بديل. أصدقائي: لقد مللنا من حركات التغيير السياسي وحلقات النقاش وندوات التباحث والتنظير.. ولم يعد ذلك علينا سوي بمزيد من الملل وإضاعة الوقت وإخصاء ما تبقي من ذكورتينا المزعومة.

 أصدقائي: لم لا نجرب الغناء ولو لمرة». غالبا ما تكمن قوة هؤلاء المدونين في هذا الصدق الذي لا يحمل أي أوهام، بل يعتمد المباشرة التي أصابت النظام بصداع كما كتبت عنهم جريدة العربي. وربما من أجل هذا وقعت صديقتي في غرام المدونات وانتقلت لي العدوي ولا تزال هذه الصديقة تقول «كمال أبوعيطة أهم نقطة في حياتي ــ طول عمره ــ موقفي منه ما اتغيرش خالص» والآن تضيف «المدونين دول فتحوا لي عالم جديد خالص ــ أنا أول حاجة بعملها الصبح هي مراجعة المدونات». وغني يا بهية.

المصري اليوم

( categories: )