- No upcoming events available
عصام نعمان
ترشّحها الأمة لتهبّ وتغيّر، وتقود وتعمرّ، تخلَّصها من جاهلية العصر وتصوغ قواعد النصر:
متي هبّة مصر لاستيلاد القيادة المُرتجاة؟
كثيـرون يسمّونه الزمن العربي الرديء.
متي كان زماننا غير رديء؟ عندما زاوجنا بين عروبتنا وإسلامنا وإرتضينا الدين الحنيف هويةً سياسية وحضارية لنا، هل كنا في زمن غير رديء عهدَ السلطنة العثمانية التي سيطرت علي معظم القارة العربية؟ وبعد إنهيار السلطنة أواخر الحرب العالمية الأولي العام 1918، هل كان زماننا في ظل حكامنا الجدد الخاضعين، إضطراراً أو إختياراً، للأوصياء الأوروبيين ومن ثم الأمريكيين الطامعين، زمنا غير رديء؟
حتي بعد ان تذوقنا طعم الحرية والكرامة لسنوات قليلة في عهد جمال عبد الناصر، هل ساعدناه وساعدنا أنفسنا للخروج من الزمن الرديء، زمن الهزيمة المستمرة وواقع التجزئة والشرذمة والإستبداد؟
لعل أبرز مزايا عهد عبد الناصر، إلي ميزةِ إشعارنا بلذة الحرية وطعم الكرامـة، انه شكّل في ذاته أول مرجعية قومية في تاريخنا المعاصر، إذ إنفتحت الأمة علي نفسها، متجاوزةً عوائق وحواجز، ومخاطبةً العالم بلسان واحد، ومتطلعة إلي أهداف عليا مشتركة.
مع غياب عبد الناصر غابت المرجعية القومية وتعطلت اللغة السياسية الموحدة، وإنحسر التطلع إلي أهداف عليا مشتركة. بل ان التراجع، السياسي والإجتماعي، الذي أعقب هزيمته وهزيمتنا في حرب 1967 أعادنا تدريجياً إلي الزمن الرديء. وما الزمن الرديء؟ انه حال غياب المرجعية، وإنعدام الإرادة، وتجذّر التجزئة، وإستشراء الفساد، وسيطرة الهيمنة الأجنبية.
ليس من المغالاة في شيء القول ان حال الأمة اليوم شبيه بحالها في الجاهلية قبل الإسلام. وما الجاهلية؟ ألم تكن الجهل والجهالة وتعدد الأرباب والأحزاب وإختلاط الأنساب وإستشراء الفساد والنفاق ومساوئ الأخلاق وعبادة أصنامٍ من تمر تصلح تارةً للتضرّع وذرفِ الدموع وتارة أخري للأكل وسد غوائل الجوع؟
زماننا الرديء، اليوم، هو جاهليتنا الجديدة بمعظم أمراضها ومساوئها ومظاهرها.
في فلسطين إحتلال صهيوني إستيطاني سرطاني، وبعده ومعه حصار تفرضه أمريكا وأوروبا بقصد التجويع والترويع والإذلال، فلا يلقي عند أهل السلطة إحساسا بخطر وجودي يستوجب الوحدة وترفيع مستلزمات المواجهة بل يتسبّب بإنقسامات جديدة خطيرة محورها السلطة وقد أصبحت غايـة في ذاتها، فينحدر أهل السلطة إلي مهاوي حربٍ أهلية يلتزمها البعض، بوعي أو بغير وعي، لمصلحة الأعداء بحماسةٍ ملحوظة ضــد حماس.
في العراق يتحدث سيف العنف الأعمي بلغة الطائفية والمذهبية والقبلية، ويرسم بالجثث والرؤوس المقطوعة لصالح الإحتلال الأمريكي والعدو الصهيوني حدود عراقٍ ذبيح مُلقي علي قارعة لعبة الأمم، لتتناهشه عصابات رجال ذئاب تدّعي الإنتماء إلي كردٍ في الشمال وسنّة في الوسط وشيعة في الجنوب.
وفي السودان إنتقال مريب من محنة طال زمانها في الجنوب إلي محنة أخري في الغرب حيث يراد لها ان تطول في دارفور وجوارها، بينما تزكم الأنوف رائحة نفط جديد، تنبعث من بين مسام الرمال، فيسيل لها لعاب الأمريكيين والأوروبيين ويشدون إليها الرحال.
في لبنان عودة حثيثة لعهد القناصل والسفراء، يتقاسمون الطوائف والمذاهب والقبائل والعشائر والأفخاذ، ويتوسلون كما في سالف الأزمان بلغة العصبيات والعنعنات، فهذا بناقوس يدقّ وذاك بمئذنة يصيح. كل ذلك من اجل خلقِ حـالِ اضطراب وسلِّ سيف وحرب في وسط لبنان وشماله، فيضطر معها أهل المقاومة اضطراراً ـ أو هكذا يظنّ أصحاب المخطط الأجنبي الشيطاني ـ إلي التلهّي عن مواجهة العدو الصهيوني في الجنوب بمراقبة أو مقاتلة بعضٍ من الأهل في الوطن الصغير المعاق بفعل طائفية خبيثة مزمنة.
في بلدان الخليج تتراكم الثروات الفلكية بسبب ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، فيأتي معها العمال والمستخدمون الأجانب، وجلّهم من شبه القارة الهندية، ليعملوا ويستوطنوا ويقيموا مجتمعات، وربما مستوطنات، تطالب في مقبل الأيام بالحكم الذاتي وربما بالاستقلال تحت رايات حقوق الإنسان والديمقراطية وتقرير المصير، فتساندها دولتان نوويتان علي الأقل، الهند وباكستان، فتقوم بين ظهرانينا بمرور الزمن وفقدان المناعة القومية وقصر النظر الوطني اسرائيلات آسيوية في جزيرة العرب تحاكي في سلوكها وتطلعاتها إسرائيل الأوروبية المزروعة والمتمددة في بلاد الشام.
ما العمل؟
يقول ضمير العرب سليم الحص في مقالة عقدها أمس في صحيفــة السفير البيروتيـة إن التخلف واقع يتميّز بقوة الإستمرار إلي ما لا نهاية، ما لم تخترقه فتبدل مساره قوة إعتراضية تتجسد إما بقيادة تاريخية خارقة أو بهبّة شعبية جارفة، ولا مردّ للتغيير الأمثل في حال تقاطع الظاهرتين.
لعل الرئيس الحص يفتقد مثلي المرجعية في حياتنا العربية. المرجعية أوسع من القيادة وأعلي منها. قد تكون هي نفسها قيادة في مرحلة من المراحل، لكن وجودها يبقي شرطاً لنشوء أية قيادة.
المرجعية كيان مادي ومعنوي، متعدد المزايا والجوانب والأبعاد. قد تكون شخصا عالما متفوقا ملهما، وقد تكون هيئة مؤلفة من أصحاب كفاءات وإرادات ومواهب ورؤي، وقد تكون بلدا او دولة فيها ذلك الكيان المرتجي بتجلياته الثلاثة.
لعل الحص أصاب برهانه علي هبّـة شعبية في طول الوطن العربي وعرضه تكون بمثابة قابلة قانونية لتوليد القيادة التاريخية المرتجاة. لكن الهبّة الشعبية المنشودة تبقي بمفاعيلها المبتغاة قاصرة عن توليد قيادةٍ تاريخية ما لم تنطلق من بلد او دولة تشكّل، بحجمها وتراثها وطاقاتها وشعبها وموقعها وواقعها ومرتجاها، كيانا مرجعياً قادراً علي إستيلاد القيادات التاريخية وعلي إطلاقها وتفعيلها وتثميرها.
هذا الكيان المرجع هو مصر. عليه ينعقد الرجاء مهما بدا حاضره متراجعا وحكومته مترهّلة. ثمة صحوة تعتمل في قواه الحية وشعبـه الطيب، لا بد من أن تتفجر عاجلا أو آجلا هبّةً شعبية ترفع الي قيادة البلاد كوكبةً من قواها الحية، تحاكي تلك التي رفعتها هبّةٌ مماثلة في مطالع الخمسينات من القرن الماضي.
مصر التي تستبطن في تراثها وحاضرها وتطلعاتها وآلامها وآمالها الكيان المرجع ترشّحها القوي الحية في شعبها كما في الأمة لتهبّ وتغيّر، وتقود وتعمرّ، وتخلَّص العرب من جاهلية العصر، وتصوغ معهم قواعد النصر.
القدس العربي
- 783 reads
