- No upcoming events available
د. محمد السعيد إدريس
ثمة علاقة فى المضمون بين مفهومى المواطن والمواطنة وهما معاً مرتبطان بمفهومين آخرين هما الوطن والوطنية، فعندما يغيب الوطن وتتوارى تجلياته على مواطنيه تتوارى الوطنية كقيمة عليا حيث لا يكون للمواطن مكانته التى يكتسبها من مكانة الوطن، فلا مواطنة ولا مواطن بدون وطن، ولا وطن بدون وطنية تعبر عن نفسها بدرجة عالية من الولاء والاندماج الوطنى والتماسك السياسى.
فالمواطنة التى هى التعبير القانونى عن الوجود السياسى للوطن والمواطن معاً هى المدخل الأساسى للنهوض الوطنى، هى حجر الزاوية لتطوير الوطن ابتداءً من نظامه السياسى والاجتماعى والاقتصادى وامتداداً إلى النهوض الثقافى والارتقاء الحضارى، لأن افتقاد المواطنة هى الوجه الآخر لافتقاد الوطن بمدلولاته المعنوية والرمزية وليس فقط المادية، هذا يعنى أن المواطنة تتجلى فى أرقى صورها بارتقاء الاستقلال الوطنى وثبات العزة والكرامة الوطنية من ناحية، كما تتجلى بتثبيت الحقوق السياسية للمواطن، ناهيك عن حقوقه الإنسانية، وتمتعه بالمساواة الكاملة فى الحقوق والواجبات دون تمييز، ووجود درجة عالية من الحريات الديمقراطية، وانتفاء الحكم الاستبدادى والسلطوى، حيث تتوافق حرية الوطن مع حرية المواطن.
بهذا المعنى يتأكد لنا أن المواطنة مرتبطة بتفاعلات الداخل مع الخارج وتفاعلات الداخل مع نفسه. ونعنى بذلك أنماط العلاقات التى تربط الوطن بالقوى الأخرى، ودرجة تمتع الوطن بالحرية والسيادة الوطنية والاستقلال وانتفاء التبعية، وأنماط العلاقات الداخلية التى تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وطبيعة النظام السياسى هل هو نظام استبدادى وسلطوى أم هو نظام ديمقراطى يتمتع بدرجة عالية من الحريات وكفالة العدالة والمساواة فى العلاقة بين كافة الأفراد والجماعات والقوى السياسية دون تمييز.
المواطنة وفق هذا المنظور لا تبنى إلا فى بيئة سياسية ديمقراطية - قانونية، تتجاوز كل أشكال الاستفراد بالسلطة والقرار أو الاستهتار بقدرات المواطنين وإمكاناتهم العقلية والعملية. والقاعدة العريضة التى تحتضن مفهوم المواطنة فى الفضاء السياسى والاجتماعى، هى قاعدة العدالة والمساواة. فكلما التزم المجتمع بهذه القيم ومتطلباتها، أدى ذلك على المستوى العملى إلى بروز حقائق إيجابية فى طبيعة العلاقة التى تربط بين مكونات الوطن الواحد وتعبيراته. فمقتضى العدالة الاعتراف بوجود التعددية فى الفضاء الاجتماعى والسياسى وتنظيم العلاقة بين هذه التعدديات على أسس المواطنة المتساوية.
فالمواطنة الحقيقية لا تتعالى على حقائق التركيبة الثقافية والاجتماعية والسياسية، ولا تمارس تزييفاً للواقع، وإنما تتعامل مع هذا الواقع من منطلق حقائقه الثابتة، وتعمل على فتح المجال للحرية والانفتاح والتعددية فى الفضاء الوطنى. فالأمن والاستقرار والتحديث، كل ذلك مرهون إلى حد بعيد بوجود مواطنة متساوية مصانة بنظام وقانون يحول دون التعدى على مقتضيات المواطنة الواحدة المتساوية ومتطلباتها.
والثقافة الوطنية تتشكل فى خطوطها الرئيسية وآفاقها وأولوياتها من الثوابت وطبيعة التفاعل والمثاقفة التى تكون بين مجموع التعدديات المتوافرة فى الفضاء الوطنى. وعلى هذا فإن الثقافة الوطنية هى التى تكون تعبيراً عن حالة التنوع والتعدد الموجودة فى الوطن، فليست ثقافة فئة أو مجموعة، وإنما هى ثقافة الوطن بكل تنوعاته وأطيافه وتعبيراته. ويكون دور الدولة ومؤسساتها فى هذا الإطار هو توفير المناخ القانونى والاجتماعى وبناء الأطر والمؤسسات القادرة على احتضان جميع التعبيرات لكى تشارك فى صياغة مفهوم الثقافة الوطنية وإثراء مضامينها بقيم المجتمع والعصر. فالمعنى البديهى لتعبير الثقافة الوطنية يأتى من كونه تعبيراً عن حقيقة واقعة بالفعل، أى عن حقيقة اجتماعية- تاريخية قائمة وشاهدة.. بمعنى أنه ما من مجتمع له خصائص المجتمع التاريخية إلا وهو ينتج ثقافته الوطنية، أى ثقافته المرتبطة والمتأثرة بمجمل خصائصه التاريخية تلك.
بهذا المعنى نستطيع الحديث عن "ثقافة المواطنة"، وهى تلك الثقافة التى ترتكز على "مبدأ المواطنة" كمحور أساسى حاكم لمجمل تفاعلاتها. ويترسخ مبدأ المواطنة بالتمييز بين نوعين من الحقوق هما: الحقوق المدنية والحقوق السياسية. الأولى، تهدف إلى تمكين الإنسان من العيش والحياة كمواطن داخل بلده بحكم عضويته فى الجماعة السياسية، أى عضويته فى المكون البشرى للدولة، وهى حقوق يجب أن يكون فى مقدور كل إنسان أن يمارسها بحرية دون تدخل من الغير أو من الدولة طالما أنه لم يرتكب ما يخالف القانون مثل حرية الرأى وحق الملكية. أما الثانية، فهى أكثر فاعلية، فهذه الحقوق تضمن لصاحبها المساهمة الإيجابية فى ممارسة السلطات العامة فى بلاده من خلال المشاركة فى مؤسسات الحكم السياسية والقانونية والدستورية، ولا تكون المواطنة إلا لمن يكون له، طبقاً للدستور والقانون، هذا النوع الثانى من الحقوق.
هنا يتأكد لنا أن المواطنة مقترنة بحق المشاركة، بمفهومه العام فى كل ما يتعلق بالوطن، وبمفهومه الخاص أى المشاركة فى الحكم، أى أن يكون الإنسان طرفاً معترفاً به فى حكم بلاده وفى إدارة شئونها، وألا يكون محروماً أو معزولاً عن ممارسة هذا الدور. فالأفراد المقيمون على أرض الدولة والذين يجبرون على الانصياع للأوامر الصادرة دون أن يسهموا بشكل ما فى إعدادها وإصدارها هم من الأجانب، فهؤلاء السكان مع إمكانية تمتعهم بالحقوق المدنية لا يمكن اعتبارهم مواطنين، أى أعضاء أصلاء فى الجماعة السياسية ممن يساهمون فى توجيه وإدارة حياتها السياسية.
ويتوقف ترسيخ مبدأ المواطنة كمبدأ حاكم لعلاقة الأفراد بالوطن على درجة وعى هؤلاء الأفراد من المواطنين بحقوق المواطنة، ووعى الإنسان بأنه مواطن أصيل فى بلاده وليس مجرد ضيف أو زائر أو حتى مقيم يخضع لنظام معين دون أن يشارك فى صنع القرارات داخل هذا النظام.
ويعتبر الوعى بالمواطنة نقطة البدء الأساسية فى تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى بلاده وإلى شركائه فى صفة المواطنة، لأنه على أساس هذه المشاركة يكون الانتماء وتكون الوطنية. فغياب حقوق المواطنة يؤدى إلى تداعى الشعور بالانتماء للوطن، وتباين امتلاك الأفراد لهذه الحقوق يؤدى إلى تفجر قضايا التمييز التعسفى وتفكك روابط التكامل الوطنى.
وهكذا نستطيع أن نحدد ثلاثة مرتكزات أو أسس للمواطنة كما يعبر عنها "مبدأ المواطنة" هى: الانتماء للوطن، والمشاركة، والمساواة.
الوعى بهذه المعايير الثلاثة هو الذى يجب أن يحكم مناقشة قضية المواطنة بين الداخل والخارج التى هى عنوان هذه الورقة، ونعنى بها تأثير وجود المواطن داخل أو خارج الوطن على حقوقه التى يجب أن يحصل عليها كونه يتمتع بالمواطنة. فالملاحظ أنه على الرغم من تدنى حقوق المواطنة فى الداخل أمام المواطنين المصريين، والخلل الهائل فى مبدأ المساواة فى الحقوق والواجبات، فإن أغلب المواطنين المصريين الموجودين فى الخارج محرومون من كثير من هذه الحقوق سواء كانوا من المصريين العاملين فى دول أخرى أو من المصريين الحاصلين على جنسيات دول أخرى ويعيشون فيها. من هذه الحقوق: حق الرعاية من جانب الدولة الأم، وحق المشاركة السياسية وخاصة حق الانتخاب، وحق التجنيس لأبناء المصرية المتزوجة من أجنبى، وحقوق مزدوجى الجنسية وغيرها.
1 - حق الرعاية من الدولة الأم
شهدت مصر هجرات دائمة ومؤقتة منذ بداية القرن العشرين، ثم زادت فى النصف الثانى منه بحثاً عن فرص عمل أو الحصول على أعلى معدلات للأجر، وقد نشطت موجة الهجرة للخارج بعد حرب 1967، فحملت عدداً من المصريين إلى دول عديدة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا، وتبعتها موجة أخرى من هجرة المصريين إلى الخارج بعد حرب 1973، حيث زادت أعداد المهاجرين زيادة كبيرة، وقد وصلت إلى ذروتها خلال السبعينيات والثمانينيات، أما فى التسعينيات، ولا سيما بعد حرب الخليج الثانية، فقد استطاعت العمالة المصرية أن تستعيد تدريجيا قدرتها على الهجرة إلى الدول العربية النفطية، وإن كانت بمعدلات أقل من تلك التى بلغتها فى أوائل عقد الثمانينيات، ويقدر عدد المصريين فى الخارج بحوالى ثلاثة ملايين ونصف نسمة.
وقد بلغ حجم العمالة المصرية فى الدول العربية فى أول يناير عام 2003 مليوناً و900 ألف و229 عاملاً مصرياً، ولا تزال تحتل السعودية المرتبة الأولى فى قائمة الدول المستقبلة للعمالة المصرية، حيث يبلغ عدد العاملين المصريين هناك 923 ألفاً و600 عاملاً، وتأتى ليبيا فى المرتبة الثانية، حيث يبلغ عدد العاملين المصريين هناك 323 ألفاً و600 عاملاً، تليها الأردن حيث يبلغ عدد العاملين المصريين 226 ألفاً و850 عاملاً، ثم الكويت التى يعمل بها 190 ألفاً و550 عاملاً مصرياً، ثم الإمارات التى يعمل بها 95 ألف عاملاً مصرياً، والعراق 65 ألفا و629 عاملاً مصرياً، وقطر 25 ألف عاملاً مصرياً، واليمن 22 ألف عاملاً مصرياً، وسلطنة عمان 15 ألف عاملاً مصرياً، وتحتل البحرين المرتبة الأخيرة فى قائمة الدول المستقبلة للعمالة المصرية حيث يعمل بها 4 آلاف عامل مصرى.
وقد أبرمت الحكومة المصرية اتفاقيات ثنائية مع بعض الدول المستقبلة للعمالة المصرية (الأردن، اليمن، قطر، العراق، اليونان) بهدف وضع الضوابط التى تنظم استخدام العمالة المصرية بالخارج وكفالة احترام حقوقهم. كما قامت الحكومة بإنشاء العديد من المكاتب العمالية فى بعض عواصم ومدن الدول لرعاية مصالح المصريين بالخارج (حوالى 11 مكتباً).
ولكن من الناحية العملية، هناك جملة من الانتهاكات التى تتعرض لها العمالة المصرية سواء من قبل الوطن الأم أو من الدول المستقبلة لهم، وقد رصدت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان تلك الانتهاكات، وهى:
أ - بالنسبة للوطن الأم:
(1) - خلو الدستور المصرى المؤلف من 211 مادة من أى معالجة تتعلق بحقوق المصريين المقيمين فى الخارج، واكتفى بالنص فى المادة 52 على أنه "يعد الحق فى حرية مغادرة الوطن سواء بقصد العمل أو لأى مقصد آخر حقاً من الحقوق الأساسية والدستورية"، فى حين نجد دساتير دول متعددة تنص على حق المواطنين فى الخارج فى التمتع بالحماية الدبلوماسية لدولتهم. ويلاحظ أن حق الحماية الدبلوماسية مقرر فى القانون الدولى لكل دولة بشأن حماية حقوق رعاياها فى مواجهة الدول الأخرى، لكن هذه الدساتير تقرره ـ كحق دستورى ـ للمواطنين إزاء دولتهم كما هو الحال فى دساتير بولندا (1995)، وروسيا (1993)، وكازاخستان (1993)، ويوغوسلافيا (1992)، كما ينص الدستور التركى (المادة 62) على التزام الدولة بوضع تدابير خاصة لتمكين المواطنين بالخارج من ممارسة حق التصويت، وينص دستور بيرو (1993) على حق المواطنين بالخارج فى الحصول على جوازات السفر وتجديدها.
(2) - عدم اهتمام أغلبية السفارات المصرية الموجودة فى الخارج بشكاوى العمالة المصرية، فمن الملاحظ أنه عند لجوء المصرى بالخارج إلى السفارة المصرية، لا يهتم العاملون به ولا يقدمون له أى خدمة، ففى أغلب الأحوال تكتفى إدارة العمليات بوزارة الخارجية والسفارات المصرية والقنصليات بحدود نقل الشكوى للجهات الرسمية المعنية فى الدول المستقبلة للعمالة المصرية دون إجراء تحقيقات مستقلة ومتابعة جدية للعمل على إنهاء تلك المشاكل التى يتعرض لها العمال المصريون، ومن ثم تصبح هذه الإجراءات التى تتسم بالبيروقراطية والبطء الشديد غير فعالة فى ضمان حماية حقوق الرعايا المصريين بالخارج. ومن ناحية أخرى، ما زال قطاع كبير من العمالة المصرية بالخارج يؤثر عدم التقدم بشكواه للمؤسسات المعنية خوفاً من بطش المسئولين فى الدول المستقبلة لضمان عودته إلى أرض الوطن أولاً، وفى حالة عودته لا يمكن له متابعة شكواه بالدولة المستقبلة حيث يكون وقتها ممنوعاً من دخولها.
(3) - ضآلة حجم الأموال المخصصة لقطاع الهجرة بوزارة القوى العاملة - المسئول عن المهاجرين المصريين سواء هجرة دائمة أو مؤقتة، ويضطلع بمهمة ربط المهاجرين بالوطن الأم والتواصل معهم- فميزانيته كانت حتى عام 2001 حوالى 270 ألف جنيه مخصصة لدعم نشاط المصريين فى الخارج، فى حين انخفضت فى عام 2003 إلى135 ألف جنيه فقط.
(4) - عدم وجود سياسة منظمة للعمالة المصرية من حيث التعليم والتدريب والتشغيل فى الخارج، ففى بعض الأحيان تجد العمالة المصرية بالدول المستقبلة وبالأخص الخليجية منافسة فى أسواق العمل، وهذه المنافسة تكون من عمالة عربية أو حتى آسيوية. وفى هذا الصدد، تؤكد المنظمة المصرية لحقوق الإنسان على أنه من الضرورى مراجعة أوضاع العمالة المصرية فى الخارج على ضوء المتغيرات الحديثة فى سوق العمل، وهو ما يصب فى النهاية لصالح العمالة المصرية ويرفع مستواها العملى والمهنى ويفتح أمامها أسواق جديدة للعمل.
ب- بالنسبة للدول المستقبلة
(1) - افتقار العمالة المصرية للحماية القانونية الكاملة فى الدول العربية المستقبلة لهم، حيث تسود أشكال مختلفة من التمييز ليس فقط بين أبناء البلد المستقبل والعمالة المهاجرة، بل أيضا تتفاوت درجات التمييز داخل أوساط العمالة المهاجرة وفقا للدول التى جاءوا منها.
(2) - نظام الكفيل المعمول به فى الدول الخليجية والذى بمقتضاه ينبغى على الوافدين للعمل فى الدول المستقبلة أن يجدوا لهم كفيلاً من مواطنى الدولة يقدم لهم الغطاء القانونى لنشاطهم، وفى مقابل ذلك يحصل الكفيل بدوره على ما يزيد عن نصف أرباح المشروع.
كل هذه الانتهاكات تحدث دون رعاية أو تدخل له اعتباره من جانب الدولة الأم لحقوق مواطنيها فى الخارج بما ينتقص من حقوقهم كمواطنين ويتعارض مع مبدأ المواطنة الذى يجب أن يحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
2 - حق المشاركة السياسية
يواجه المصريون فى الخارج حالة حرمان حقيقى من حقوقهم السياسية كمواطنين مصريين، وبالذات حق المشاركة السياسية وعلى الأخص المشاركة فى الانتخابات العامة سواء كانت انتخابات رئاسية أو تشريعية أو استفتاءات. هذا الحرمان قد ينظر إليه البعض كونه حرماناً نسبياً مقارنة بالممارسات المشوهة داخل مصر لحق الانتخاب وحق الترشيح على نحو ما كشفت عنه التطورات السياسية المصرية الأخيرة سواء كانت انتخابات رئيس الجمهورية أو انتخابات مجلس الشعب، حيث كان الحرمان الفعلى من نصيب كل المصريين نظراً للانتهاكات والتجاوزات الهائلة التى حالت دون ممارسة المصريين لحقهم الشرعى فى انتخاب من يحكمونهم ومن يمثلونهم فى مجلس الشعب، ولكن ما يعانيه المصريون المقيمون فى الخارج من حرمان هو حرمان مضاعف، فهو حرمان من حق المشاركة، وحرمان من عملية المشاركة ذاتها، أى أنه حرمان قانونى وسياسى معاً.
فبالنسبة لحق التصويت اعتبر قانون مباشرة الحقوق السياسية (القانون رقم 73 لسنة 1956) وتعديلاته وخاصة المادة الأولى أن التصويت حق وواجب فى الوقت ذاته باعتباره حقاً يتمتع به كل مصرى ومصرية بلغ ثمانى عشرة سنة ميلادية، واشترط أن يكون مقيداً فى جداول الانتخابات (المادة 40)، واعتبره فرض عين يلتزم الشخص بأدائه وعاقب من يتخلف عن هذا الأداء، ولكن القانون حرم فئات بعينها من حق الانتخاب. فقد أعفى ضباط وأفراد القوات المسلحة وضباط وأفراد هيئة الشرطة طوال مدة خدمتهم من حق التصويت، ومناط هذا الإعفاء هو التخلص من الطعون التى كانت ترمى بسهامها على صناديق الاقتراع المتعلقة بتصويت ضباط وأفراد القوات المسلحة، وأيضاً صناديق الاقتراع المتعلقة بضباط وأفراد هيئةالشرطة، فضلاً عن عدم إقحام القوات المسلحة فى العملية السياسية، نظراً للنظام الصارم السائد فيها فيما يتعلق بالطاعة والالتزام بالأوامر،وأيضاً فى ظل اعتبار رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة ولجهاز الشرطة، وهو فى الوقت ذاته رئيس السلطة التنفيذية، وبالتالى فإنهذا الإعفاء يدخل فى إطار القيود المعقولة نظراً للظروف المحيطة بعمل ضباط وأفراد القوات المسلحة والشرطة.
وأفرط القانون فى فرض القيود على حق المجرمين المدانين فى التصويت، فقد حرم المحكوم عليهم فى جناية طوال مدة تنفيذ العقوبة،مهما طالت هذه المدة ومهما كان سلوك المسجون، ولم يجعل من تحسين هذا السلوك أو استجابة المدانين فى الجنايات لعملية الإصلاحوالتأهيل حافزاً لاكتسابهم آلية مباشرة حق التصويت، وقد زاد المشرع فى الإفراط فى هذا القيد واشترط لمباشرة المحكوم عليه فى الجناياتوفى الجنح المنصوص عليها فى المواد (2، 4، 5)، أن يكون المحكوم عليه قد رد إليه اعتباره، رغم أن إجراءات رد الاعتبار المنصوص عليها فى الموادمن ( 536 حتى 553 ) تشترط إجراءات معقدة حتى يتم رد الاعتبار إلى كل محكوم عليه فى جناية أو جنحة من بينها أن يكون قد انقضى من تاريختنفيذ العقوبة أو صدور العفو عنها مدة ست سنوات إذا كانت عقوبة جناية، أو ثلاث سنوات إذا كانت عقوبة جنحة، وتضاعف هذه المدة فى حالتى الحكم للعود وسقوط العقوبة بمضى المدة.
كما أفرط القانون فى المادة ( 2/2) فى وضع قيود وفى حرمان من صدر حكم ضده من محكمة القيم بمصادرة أمواله لمدة خمس سنوات من تاريخ صدور الحكم، رغم أن محكمة القيم من المحاكم الاستثنائية، والتى تعتبر نتوء فى جسم القضاء الطبيعى، ويدخل فى تشكيلها عناصرغير قضائية، وتطبق أحكام خاصة أقرب إلى أحكام المسئولية السياسية، وبالتالى فهى لا تصدر أحكام بالمعنى الفنى والقانونى، ونرى أنه بعدإلغاء منصب المدعى العام الاشتراكى ومحكمة القيم لابد من إلغاء هذه الفقرة.
وتوسع القانون أيضاً فى المادة (2/6) فى اعتبار القرارات الإدارية الصادرة بفصل أحد العاملين فى الدولة أو القطاع العام فى مقام الأحكامالقضائية التى ترتب الحرمان من مباشرة الحقوق السياسية، كما أنه أدخل الجريمة التأديبية وجعلها فى حكم الأحكام الجنائية التى ترتب الحرمانمن مباشرة الحقوق السياسية، وتفقد بالتالى المواطن أهلية التصويت، وهو توسع وإفراط لا مبرر له.
ولم يحدد القانون الموقف من مزدوجى الجنسية، أى الأشخاص الذين تجنسوا بجنسيات أجنبية مع الاحتفاظ بالجنسية المصرية، حيثذهبت أحكام المحكمة الإدارية العليا إلى عدم جواز ترشيحهم لعضوية الانتخابات البرلمانية، والخشية أن يصل التفسير والاجتهادات القضائية إلى أنيمتد إلى حرمان هؤلاء من حق التصويت.
كما انتهى تفسير المحكمة الدستورية العليا إلى حرمان المتهربين من أداء الخدمة العسكرية من حق الترشيح للمجالس النيابية، ومفادذلك هو امتداد الحرمان الأبدى من حق الترشيح والتمثيل النيابى، رغم أن المتهربين لم يحكم عليهم بالحبس أو بعقوبة جنائية، وهو ما يعتبر إفراطمن المشرع فى وضع شروط غير معقولة وغير جائزة بشأن حرمان طائفة من الطوائف أبدياً من مباشرة حقها فى أن تنتخب لتمثيل الشعب،ولممارسة حق من الحقوق الأساسية.
وتجاهل القانون حالة المصريين المقيمين فى الخارج من غير مزدوجى الجنسية فيما يتعلق بتمكينهم من حق الانتخاب وهم فى مقار إقامتهم بالخارج بحيث يتم التصويت فى السفارات والقنصليات المصرية أو فى أماكن أخرى تستأجرها السفارات وتخصص لهذا الغرض أسوة بغيرهم من أبناء الجاليات العربية التى لا يمكن بأى حال من الأحوال مقارنة تمتع مواطنيها بحقوقهم السياسية من ناحية البعد التاريخى مع أصالة ممارسة المصريين لحق الانتخاب منذ سنوات طويلة، وأصالة المؤسسات الديمقراطية وبالذات البرلمانية فى مصر منذ تأسيس مجلس شورى النواب فى القرن التاسع عشر.
3 - حق اكتساب الجنسية لأبناء المصرية المتزوجة من أجنبى
يعتبر تشريع الجنسية من القوانين الأساسية لأى دولة، فالجنسية هى العلاقة التى تربط بين الفرد والدولة، فهى علاقة قانونية ترتكز على روابط اجتماعية وسياسية قائمة على قاعدة المساواة المتكافئة بين الأفراد بحكم التمتع بهذه الجنسية. وللأسف جاء قانون الجنسية المصرى الصادر تحت رقم 26 لسنة 1975 مشوباً بالعيوب وحال دون تحقيق بعض المبادئ الأساسية فى مجال حقوق المواطنة على الأخص وحقوق الإنسان على وجه العموم. هذا فضلاً عما اعترى المجتمع المصرى من عدة تغييرات أسهمت فى زيادة عيوب وقصور التشريع الحالى مما جعله مسبباً لمعاناة فئة من فئات المجتمع المصرى وظهرت فى أفق الحياة القانونية والاجتماعية مشكلة عرفت باسم "أبناء بلا هوية" وهم الأبناء لأمهات مصريات من آباء غير مصريين الذين لم يعرفوا وطناً غير مصر.
غير أن تشريع الجنسية المصرى لا يعترف لهم بصفة المواطن على غرار النحو الذى أقره للأبناء المولودين لأب مصرى أياً كانت جنسية الأم.
وعلى الرغم من مخالفة تلك القواعد القانونية - قواعد قانون الجنسية - للمبادئ العامة للدستور المصرى ولنص المادة 40 من الدستور، إلا أنها ظلت دون حذف أو تعديل لما يقل عن ثلاثة عقود متوالية، على الرغم من أن تلك التفرقة لم تكن تستند لأية مبررات سوى الانتماء للوطن على أساس أن أبناء الأب المصرى ينتمون بطبيعة الحال للدولة المصرية، وهذا ما لا يتوافر فى حالة أبناء الأم المصرية المتزوجة من زوج أجنبى.
فمن استعراض المادة الثانية (الفقرتين الثانية والثالثة) من قانون الجنسية رقم 26 لسنة 1975، يتضح أن المشرع قد ميز بين الرجل والمرأة فى مجال منح الجنسية، فهو يمنح الجنسية لمن يولدون لأب مصرى متزوج من أجنبية دون قيد أو شرط.
أما من يولدون لأم مصرية ولأب معلوم الجنسية، فإنهم لا يكتسبون الجنسية الأصلية والطارئة، ولا يكتسب من يولدون لأم مصرية الجنسية الأصلية إلا إذا توافر لهم شرطان هما:
أ - أن يكون الأبناء قد ولدوا فى الإقليم المصرى.
ب- أن يكون الأب مجهولاً غير معروف أو معروفاً ومجهول الجنسية أو عديم الجنسية.
أما من يولدون لأم مصرية فى الخارج فليس لهم حق إلا طلب اكتساب الجنسية الطارئة وبشروط هى:
أ - يعتبر مصرياً من ولد فى الخارج من أم مصرية ومن أب مجهول أو لا جنسية له أو مجهول الجنسية.
ب- إذا اختاروا الجنسية المصرية خلال سنة من تاريخ بلوغهم سن الرشد.
جـ- جعلوا إقامتهم العادية فى مصر.
د- توجيه إخطار بذلك لوزير الداخلية وعدم اعتراضه خلال سنة من تاريخ تقديم الإخطار.
ونرى أنه بالمادة الثالثة من قانون الجنسية عندما حاول المشرع منح المرأة المصرية جزءاً يسيراً من حقها الطبيعى فى منح أبنائها الجنسية المصرية جعل هذا الحق مشروطاً بعدم اعتراض وزير الداخلية على ذلك الطلب كما تتضح خطورة حالة أولاد الأم المصرية الذين ولدوا فى الخارج أنهم سيظلون طبقاً للقانون مجهولى الأب والجنسية أو معلومى الأب - هذه الاتفاقية مخالفة لاتفاقية الحق فى انعدام الجنسية - ولكن تظل جنسيتهم مجهولة أو معدومة لحين بلوغهم سن الرشد، وهو أمر بالغ القسوة والتشدد من المشرع المصرى، ويعد تفرقة تعسفية وتمييز لا مبرر له فى التفرقة بين الرجل والمرأة المصرية فى مجال الحقوق ويعد تمييزاً عنصرياً ينتفى مع مقتضيات العدالة فى المساواة بين الأفراد فى الحقوق والواجبات، ويعد مخالفاً لنص المادة 40 من الدستور المصرى الصادر سنة 1970 والتى تنص على أن المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم فى ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، ومن الطبيعى أن يكون هذا التنظيم على هدى من المبادئ العامة التى ينص عليها الدستور ومن أهمها "مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون"، ونرى من ذلك أن المشرع قد تجاهل منح الجنسية المصرية لمن يولد لأم مصرية ولأب أجنبى الجنسية داخل أو خارج الإقليم المصرى، وبذلك ميز المشرع على نحو سافر بين المرأة والرجل فى اكتساب الجنسية وإعطائها لأولادهم مخالفاً بذلك نص المادة 40 من الدستور، ناهيك عن تعارضه مع الوثائق والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان وفى مقدمتها الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 والذى ينص فى المادة الخامسة عشر منه على أن لكل فرد حق التمتع بجنسية ما ولا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه فى تغييرها.
كذلك تنص المادة السابقة من ذات الإعلان على أن: (الناس جميعاً سواء أمام القانون وهم متساوون فى حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز كما يتساوون فى حق التمتع بالحماية من أى تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أى تحريض على مثل هذا التمييز).
كذلك نصت المادة 3 من العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر فى عام 1966 والذى صدقت عليه مصر فى 9/2/1988 على أن: (تتعهد الدول الأطراف بكفالة تساوى الرجال والنساء فى حق التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها فى هذا العهد).
كما نصت المادة 26 من نفس العهد على أن الناس جميعاً سواء أمام القانون ويتمتعون دون تمييز بحق متساوى فى التمتع بحمايته، وفى هذا الصدد يجب أن يحظر القانون أى تمييز وأن يكفل لجميع الأشخاص على السواء حماية فعالة من التمييز لأى سبب كالعرق أو اللون أو الجنس.
وقد حددت المادة 9 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة الطريق الذى يجب أن تتبعه كل الدول التى صدقت على هذه الاتفاقية والتى أقرتها مصر بموجب القرار الجمهورى رقم 434 لسنة 1981 - والتى تنص على: (1 - تمنح الدول الأطراف المرأة حقوقاً مساوية لحقوق الرجل فى اكتساب جنسيتها أو تغييرها أو الاحتفاظ بها وتضمن بوجه خاص ألا يترتب على الزواج من أجنبى أو على تغيير الزوج لجنسيته أثناء الزواج أن تتغير تلقائياً جنسية الزوجة أو أن تصبح بلا جنسية أو أن تفرض عليها جنسية الزوج، 2- تمنح الدول الأطراف المرأة حقاً مساوياً لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالها).
كذلك تنص هذه الاتفاقية فى المادة الأولى على أن: (لأغراض هذه الاتفاقية يعنى مصطلح "التمييز ضد المرأة" أى تفرقة أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون من آثاره أو أغراضه توهين أو إحباط الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية فى الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية أو فى أى ميدان آخر أو إحباط تمتعها بهذه الحقوق أو ممارستها لها بصرف النظر عن حالتها الزوجية وعلى أساس المساواة بينها وبين الرجل).
وتؤكد المادة الثانية من ذات الاتفاقية على ضرورة أن تشجب الدول الأطراف جميع أشكال التمييز ضد المرأة وتتفق على أن تنتهج بكل الوسائل المناسبة دون إبطاء سياسة تستهدف القضاء على التمييز ضد المرأة وتحقيقاً لذلك تتعهد بالقيام بما يلى:
أ - إدماج مبدأ المساواة فى دساتيرها الوطنية أو تشريعاتها الأخرى إذ لم يكن هذا المبدأ قد أدمج فيها حتى الآن وكفالة التحقيق العملى لهذا المبدأ من خلال التشريع وغيره من الوسائل المناسبة.
ب- اتخاذ المناسب من التدابير التشريعية وغير التشريعية بما فى ذلك ما يناسب من جزاءات لحظر كل تمييز ضد المرأة.
جـ- فرض حماية قانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل وضمان الحماية الفعالة للمرأة عن طريق المحاكم ذات الاختصاص والمؤسسات العامة الأخرى فى البلد من أى عمل تمييزى.
د - الامتناع عن مباشرة عمل تمييزى أو ممارسة أى تمييز ضد المرأة وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام.
هـ- اتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة من جانب أى شخص أو منظمة أو مؤسسة.
و - اتخاذ جميع التدابير المناسبة بما فى ذلك التشريعى منها لإبطال القائم من القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات التى تشكل تمييزاً ضد المرأة.
ز - إلغاء جميع الأحكام الجزائية الوطنية التى تشكل تمييزاً ضد المرأة.
كما نصت المادة 15 فى الفقرة الأولى على أن تعترف الدول الأطراف للمرأة بالمساواة مع الرجل أمام القانون، وكذلك تنص المادة 7 من اتفاقية حقوق الطفل والتى صدقت عليها مصر فى 6/7/1990 ودخلت حيز التنفيذ فى 3/9/1990.
4 - حقوق مزدوجى الجنسية
يعتبر التمييز الذى يمارس ضد أبناء المصرية من أب غير مصرى وبالذات المقيمين فى الخارج والحاصلين على جنسية دولة أخرى أحد أشكال التمييز ضد مزدوجى الجنسية من أبناء مصر دون أى سند قانونى أو أخلاقى، لأن الحرمان يجب أن يكون بجريمة، وهؤلاء لم يرتكبوا جريمة تخل بحقوق المواطنة التى يجب أن يتمتعوا بها فى وقت يتمتع فيه من ارتكبوا الكبائر من الجرائم بحقوقهم كاملة ويشاركون فى ممارسات تزوير إرادة مواطنيهم، ونهب ثروات بلدهم وتحويلها إلى الخارج دون وازع من قانون أو ضمير.
إن هؤلاء المصريين الذين هاجروا من مصر ولم يفرطوا فى جنسيتهم قد هاجروا فى ظروف تاريخية معينة ولأسباب مشروعة بعضها سياسى والآخر اقتصادى واستقروا فى دول أخرى، لم يتهاونوا فى واجبات المواطنة، ولم يتزعزع عندهم الولاء الوطنى بدليل حرصهم الشديد على التمتع بحقوق المواطنة المصرية.
- 9227 reads

الجنسيه المصريه
سيادتك بتتكلم
Hi, According to the
صدقوني
ياخي هل تعتقد
كان لازم ترد
حد بيشوفواله
المصريون ليس
علِّق