- No upcoming events available
مختار العزيزي.
ينعي بعض التنويرين في زماننا هذا علي شعب مصر أنه لم يعد ذلك الشعب المتسامح الذي كان في بدايات القرن العشرين حيث لم يكن يعبأ أحد المصريين آنذاك بالإعلان عن هويته فلا تجد صلبانا معلقة علي صدور الفتيات ولا حجابا يغطي شعر إحداهن ولا عبارات دينية علي السيارات من عينة "إلا رسول الله" و "جايلك يا أم النور" و "الرب معي فلا يعوزني شئ" و "لا إله إلا الله"... وحيث يسير الرجال بلا لحي ولا جلباب أبيض قصير. كان الناس في ذلك الزمن "الجميل" يجسدون التزامهم بالقيم الهيومانية الأصيلة فلا فرق بين مسلم ومسيحي ويهودي وأنت لا تكاد تتبين هوية أحدهم إلا بالمصادفة لأنهم – في الأصل – لا يسعون لإبراز هوياتهم.
أما الآن في زماننا "الكخة" فقد امتلأت الشوارع بالمحجبات والمنتقبات والفتيات اللائي يزين صدورهن بصليب يكبر حجمه بشكل مطرد، وتكاثر الشباب الذين يعفون لحاهم بعد أن يبلغوا الحلم، وسيارات من مختلف الماركات لطخ زجاجها بملصقات دعائية للإسلام والمسيحية فهذا الفكهاني يكتب علي سيارته الشيفروليه "فداك أبي وأمي وبنت خالي يا رسول الله" وآخر يركب سيارة 28 وقد علق في مرآة السيارة صليبا كبيرا وعلي التابلوه صورة للأب بردائه الأسود وصليبه في يده، وسيدة ثالثة تضع مصحفا علي التابلوه وآخر في يتوسط السماعات في الكرسي الخلفي، وهذا يرفع صوت الشيخ جبريل وهو يتلو أدعية ختام التراويح ... لقد أصبحت مصر دولة طائفية الكل فيها يسعي الي إبراز هويته الدينية ... هكذا يزف التنويريون خبر انحدار شعبنا الي مستنقع الطائفية والتعصب والتحزب وكأن اظهار التدين هو السبيل الوحيد فقط للإعلان عن الهوية. فلنختبر هذه الخرافة إذن
هل مظاهر التدين – فعلا – هي وحدها التي تعلن عن هوية البشر؟ أم أن هناك ممارسات كثيرة أخري تنبئ الرائي بهوية الانسان بخلاف الدين؟ وهل عدم ابراز الدين قد يعد في ذاته ابرازا للهوية أيضا؟>> مثل اللعبة القديمة التي يطلب منك فيها أن تصف الرجل فتقول
قوي ... شهم ... عقلاني
ثم إذا طلب منك وصف المرأة فلن يبقي أمامك الا أن تقول: ضعيفة ، رقيقة، عاطفية ، انفعالية
--------------
نعم الصليب علي الصدر وعلي اليد إبراز للهوية ولكن أليست السلسلة المعلق فيها قلب أو جمجمة ويرتديها الشاب – أليست تبرز هويته؟ واللحية عادة تنبئنا أن الشاب سلفي ولكن ألا يعد حلق اللحية أيضا إبراز للهوية؟ والنقاب والخمار إبراز لهوية البنت ولكن ألا يعد البدي والجينز الملتصق بالأفخاذ والشعر العاري والسيقان العارية – ألا يعد ذلك إبرازا للهوية؟
وملصق "إلا رسول الله" وعبارة "الرب معي فلا يعوزني شئ" إبراز للهوية ولكن ألا يعد ملصق "نحن مع حرية الرأي في الدنمارك" وبانر "اشتري منتجات الدنمارك" – ألا يعد ذلك إبراز للهوية؟
ورفع صوت الشيخ جبريل المنبعث من كاسيت السيارة إبراز للهوية (فضلا عن كونه انتهاك لأسماع المارة وإن لم يكن هذا موضوعنا) ولكن ألا يعد رفع صوت مايكل جاكسون وبريتني سبيرز أيضا إبراز للهوية؟
--------- -------
يذكرني هذا المنطق الأحادي بمقالة كتبها صديق لي في جريدة مغمورة يقول فيها أن في الميكروباصات يعلو صوت الأغاني البيئة بنت الوسخة وكذلك أصوات شيوخ الفتنة الطائفية ... وبعد أن أفاض في نقد ذلك اقترح أن نستبدل ذلك كله بشئ أفضل وهو سماع الموسيقي المحترمة !!! قمة الليبرالية وقبول الثقافات المختلفة.
- - - - - -
ومعظم أصدقائي ومعارفي الملتحين اعتقلوا لأيام في أمن الدولة – ماعدا صديقي أحمد السلفي وأنا. وأحيانا يداعبنا أصدقاؤنا هؤلاء فيقولون: "كده مش باقي غير مختار وأحمد ونبقي كلنا أخدنا الختم" فيقول أحمد "بالنسبة لي ربنا يستر لأني بجد خايف ... إنما مختار بعيد عن العين لأنه علي الرغم من اللحية وزبيبة الصلاة إلا ان بقية مظهره بالجينز والتي شيرت يخلوه بعيد عن قصة الاعتقال دي".
- - - - - - -
ولأن أخي اعتقل من مدرسته الثانوية في منتصف عام 1985 لأنه كان يراسل مجلة شيوعية صينية وأخري روسية فقد نصحني بعد أن وجدني أسرف في شراء وقراءة كتب ماركس وإنجلز بأن أشفق علي نفسي قليلا وأحدد هويتي. كان ذلك في صيف عام 2001 حينما قال لي
أخي: يادي القرف .. كتب لماركس تاني !! يابني هوه انت ناوي تروح هناك بكل الطرق؟
أنا: يعني ايه بكل الطرق ؟
أخي: يعني لو ما اعتقلتش بسبب لحيتك وأي تهمة بانتماءك لجماعة ارهابية هتلاقي باردو اللحية والكتب دي تظبطلك تهمة الشيوعية
- - - - - -- - -----
الهوية مرة أخري .... هذا الفرح يقولون أنه محترم و "اسلامي" لأنه ليس فيه اختلاط بين الرجال والنساء وليس فيه راقصة شرقي ولا باليه روسي ... وذاك فرح "عادي" لأنه فيه راقصة وباليه روسي وكل الرجال يرقصون مع كل النساء.
فيسألني والد زوجتي ... "وأنت يا شيخ ناوي تعمل فرح ومسخرة وكدة ولا هتمشيها ازاي؟"
ابتسمت لأن الرجل لم يكن يمزح فعلا .. لقد سألني لأنه رآني ممسوخ الهوية فهو يعلم عني أني ملتحي وأصلي وأصوم وغارق حتي أذني في الثقافة الغربية ويعلم من زوجتي أنني أفضل ماركس علي كثير من الكتب المسماة "دينية" ... لم يتبين هويتي فسألني.
فرح ابن عمي فيه راقصة غطت حلمة ثديها والمنطقة الوردية المحيطة بشئ لا أعرف اسمه وغطت وسطها بقطعة أخري. "إبراز " للهوية... صاحب ابن عمي يشرب الخمر في الفرح ... وكل أفراد عائلتي باستثناء احدهم لا يعاقرون الخمر ... أيهما يبرز هويته الآن: من يعاقر الخمر وهو يراقص الراقصة أم عائلتي التي لا تعاقر الخمر؟؟ أنا في حيرة من أمري
- - -- - -- -
تاني ... هذه فتاة لا تصافح الرجال ... بااااه بقي !!! هي اللي بتوصلهم فكرة إنها جسد وبس ... وتلك فتاة أخري تصافح وتلامس وتمزح بيديها في خصر صديقها ... إبراز الهوية هنا واضح مع البنت الأولي لكن البنت الثانية لم تبرز هويتها. عظيم جدا
----- - -- - -
منذ عدة سنوات عندما كنت لاأزال أعمل في تجارة والدي: التحف والتماثيل والتابلوهات الزيتية – يدخل علينا شاب ومعه فتاتان ... كلهم تقريبا لم يتجاوزوا الثلاثين. الفتاة لا يعجبها معظم اللوحات فتسأل أخي صاحب الهوية "المحترمة"
هي: بس مفيش بقي تابلوهات لأوضة النوم؟
أخي: في لوحة الأمومة دي لطيفة أوي ... لو يعني مش بتحبي الفلاورز
هي: لأ .. هو حضرتك مش واخد بالك؟ أنا عايزاها لأوضة النوم ...(تضغط علي الأحرف للتأكيد) أوضة النوم
أخي: (يبتسم بتعجب ربما لأنه فعلا محترم زيادة عن اللزوم) عموما اتفرجي حضرتك براحتك خالص ولما تعجبك حاجة قوليلي.
هي: بص حضرتك ... أنا عايزة صورة لبنت عريانة
أخي: (مصدوما) لأ الحقيقة مش باشتغل في كدة (وجلس علي الكرسي شاردا)
ما هي هوية الفتاة وهوية أخي؟
طبعا الفتاة تنويرية ليبرالية أما أخي فهو أصولي أو سلفي أو اخواني أو ارهابي
التنويري ينزعج من اللحية وملصقات اسلامية وصلبان مسيحية لكنه لا ينزعج من راقصة عارية أو كاتب يسب المسيح أو القرآن ... فاللحية تعبير عن هوية أما سب القرآن فليس كذلك. والصليب ابراز للهوية أما المطالبة بعلمنة الدولة ليس كذلك ... مش كل صاحب هوية من حقه يبرز هويته ... التنويري وبس هو اللي من حقه
ارحمونا من التنوير والليبرالية بتاعتكم شوية ... سيبوا كل واحد يعبر عن هويته علي كيف كيفه ... جاتكو القرف
ولنا وقفة أخري مع التنوير الأوروبي بعد هذه الحلقة من "التنويم" المصري.
- 15475 reads

متابعة التعليقات
المرأة
ازاي نتكلم في موضوع زي دا
صليب ومصحف ....
الهويه
صحيح
علِّق