حجاب العقل
Submitted by كفاية on الخميس, 30/11/2006 - 13:38.

المصري اليوم.

د.عمرو الشوبكي.

لم يتوقع الكثيرون أن تؤدي تصريحات وزير الثقافة بخصوص الحجاب إلي كل هذه ردود الأفعال غير العاقلة، فمن حق الوزير أن يعبر عن رأية الشخصي في قضايا عامة أو خاصة، ومن حق المعارضين لهذا الرأي أن يعترضوا عليه، دون تشهير أو مزايدة تضع قضية هامشية علي سلم أولويات الشعب المصري.

إن وصف الجانب الأكبر للسيدات المصريات اللاتي يرتدين الحجاب بالتخلف، واعتبار الحجاب ردة هو أمر مرفوض وغير مقبول، ولا يحمل فقط طريقة فيها كثير من الاستعلاء علي غالبية المصريات، إنما يحمل حكما قيميا يمثل الوجه الآخر لنفس «عملة التفكير» التي يحملها بعض الإسلاميين ورجال الدين حين اعتبروا أن من ترتدي الحجاب هي بالضرورة أفضل من غيرها، وكلاهما اختار الشكل ونسي الجوهر.

وأمر محزن أن تخرج طالبات الأزهر والقاهرة والإسكندرية في مظاهرات عارمة علي بضع كلمات رددها الوزير، ولا يخرجن احتجاجاً علي التحرش الجنسي الفاضح الذي تعرضت له عشرات الفتيات «معظمهن محجبات» في وسط القاهرة مساء أول يوم العيد، ولا علي الاعتداء الذي أصاب فتيات أخريات علي يد أجهزة الأمن يوم الاستفتاء المبارك علي التعديل الأول للمادة ٧٦، ولا علي امتهان كرامة الفتيات في وسائل النقل العام وكثير من المناطق المزدحمة.

والمدهش أن الأمر لم يتوقف عند مظاهرات الشباب الصاخبة إنما امتد إلي مجلس الشعب، لنشهد تحالفاً عجيباً بين نواب الإخوان المسلمين والحزب الوطني، دخل فيه جانب كبير من نواب الإخوان بهمة كبيرة إلي المنطق الذي نشره النظام القائم بحزبه الحاكم وبمؤسساته الدينية الرسمية ودعاته المنتشرين عبر التليفزيون الرسمي والخاص، بفرض أولويات تتسم بالسطحية والجهل، وتهتم بالشكل علي حساب الجوهر علي أجندة اهتمامات المصريين، ولذا لم يكن غريبا أن تكون قيادات الحزب الحاكم وبعض نوابه من الفاسدين وكبار المزورين أول من دافع عن الحجاب ودخل في مواجهة عنيفة ضد تصريحات الوزير.

وكشفت «معركة الحجاب» حجم الخواء الذي أصاب المجتمع المصري، وحرصه حتي النهاية علي خوض معارك سطحية وشكلية لا طائل من ورائها، فمن رواية وليمة لأعشاب البحر إلي فيلم «عمارة يعقوبيان»، ومن المباريات الطائفية إلي مبارايات كرة القدم، ومن معركة البابا إلي معركة الحجاب، بدا أن المجتمع قد توقفت قدراته العقلية عند هذه القضايا، وغاب عن تفكيره الهموم والكوارث اليومية التي يعاني منها.

ولم تحرص تيارات الإسلام السياسي وعلي رأسها جماعة الإخوان المسلمين علي التمايز عن هذا النمط الشكلي من التدين الذي ساد المجتمع المصري، بل اعتبرته مظهرا من مظاهر «الصحوة الإسلامية»، فهذا النمط الجديد من التدين هو نتاج جهود التيار الغالب من أعضاء الحزب الوطني ومن رجال الدين الرسميين ومن الدعاة الجدد ومجموعات مفسري الأحلام وبيع الأوهام لعموم المصريين.

هذا النمط في الحقيقة تغلغل إلي عقل الحياة الاجتماعية لأغلب المصريين، وصارت أسئلة الحرام والحلال التي تنهال علي دعاة محدودي الثقافة والعلم عبر شاشات التلفيزيون هي مايشغل بال غالبية الناس، أما صور النضال لدي البعض فتحولت إلي رسائل ودعوات عبر الهواتف المحمولة لنصره الفلسطينين أو العراقيين، كبديل عن مواجهة فشل الحكام والشعوب في توجيه دعم حقيقي «سياسي ومادي» إلي الشعب الفلسطيني في مواجهة بطش الاحتلال.

لقد اعتبرت التيارات الإسلامية أنها انتصرت حين تحجبت الغالبية العظمي من المسلمات، وناقشوا القضية كما يناقشها أغلب رجال الدين الذين اعتبروها فرضاً من فروض الإسلام، وهو أمر نتركه للعلماء، ونسينا جميعا أن نتساءل لماذا في ظل الانتشار الهائل للحجاب تراجعت الأخلاق، وفي ظل اكتظاظ المساجد بالمصلين انهارت معدلات الإنتاج، وفي ظل احتلال الموظفين طوابق المؤسسات العامة والخاصة أثناء الصلاة انعدم العمل وانتشر الفساد والرشوة والمحسوبية.

المؤكد أنه لا توجد علاقة بين احترام مبادئ الأديان وممارسة الشعائر، وبين التخلف الذي يعيشه مجتمعنا، بل علي العكس من الطبيعي أن تتحسن الأحوال في ظل التمسك بقيم الدين وتعاليمه، ولكن ما جري أن الحكومة دعمت هذا النمط المريح من التدين كبديل عن العمل والإنتاج، وعن الاهتمام بالسياسة ومواجهة الاستبداد.

فالسؤال المغلوط هو ليس في مناقشة ما إذا كان الحجاب فريضة أما لا؟ فإذا كان فريضة كما يشير أغلب العلماء لماذا اهتممنا فقط «بفريضة الحجاب» ونسينا باقي الفرائض؟ لماذا قبلنا أن يكون وطننا وعالمنا العربي في هذا المستوي المتدني بين شعوب الأمم؟ لماذا لم نتعلم شيئا من حجاب الماليزيات أو الإيرانيات اللاتي جعلن من بلادهن نماذج للنهضة والتقدم والديمقراطية؟ ولماذا حرصنا علي الاهتمام جميعا بفريضة تتعلق بمظهر المرأة الخارجي، وتركنا كل الفرائض التي تتعلق بالتكوين الداخلي أي ما سماه العلماء بالجهاد الأكبر أي جهاد النفس؟، وغاب عن أغلبنا السلوك الحضاري النابع من الدين في تعاملاتنا اليومية مع بعضنا أو مع الآخرين أو في أماكن أفراحنا أو عملنا، التي لم تعرف إلا الصراخ وكل ما هو يخاطب المظهر الخارجي، حتي الزكاة التي كانت فرضا يفترض إتمامه في السر تراجعت أمام حفلات موائد الإفطار لرجل الأعمال الفلاني والراقصة العلانية، والفنانة المحجبة التي لم يتغير شيء واحد في سلوكها واكتفت بتغطية رأسها.

إن قضية الحجاب لا تجب مناقشتها في إطار الحلال والحرام، ولا من باب الاعتراض علي زي ترتديه غالبية المصريات، إنما باعتبارها هي ليست كل الدين ولا جوهرة ولا هي معيار العفة والفضيلة، وأن ثقافة التدين الجديد ليست في الحقيقة هي الدين، وأن في هذه الثقافة القليل الذي اعتبره العلماء من ثوابت الدين والأهم من أولوياته.

والمدهش أن الاعتراض علي الاسترسال في هذه المعركة جاء علي يد مرشد جماعة الإخوان المسلمين مهدي عاكف وعضو مكتب الإرشاد عبد المنعم أبوالفتوح، والتي حملت شجاعة ووعيا كبيرين بضرورة عدم الانجرار إلي هذه المعركة الثانوية، في الوقت الذي كنا ننتظر فيه من نواب الجماعة أن يكونوا أكثر سياسية وأكثر عقلانية من القادة الذين يديرون أمرها، ولكن ما جري كان العكس، بصورة قد تثير شكوكا حول جدوي العمل السياسي في ظل الشروط والمناخ الذي خلقه النظام، وجعل البعض يشعر أن الإسلام في خطر نتيجة تصريح شارد لأحد الوزراء، «من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، ومن شاء أن يحب الحجاب فمرحبا به، ومن شاء ألا يحبه فهو حر

 

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
10 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.