- No upcoming events available
عزت القمحاوي.
لدينا في مصر مثل شعبي عن المضحكات المبكيات يقول (هم يضحّك وهم يبكّي). وقد غادرت القاهرة وأنا ميت من الضحك، وعدت إليها باكياً بعد أسبوع قضيته في إيطاليا!
سفر في غير أوانه حرمني من مباراة لطيفة بين وزير الثقافة المصري ومجلس الشعب المصري ـ أيضاً والله ـ حول الحجاب الذي صار ظاهرة بين تسعين بالمئة من المصريات.
القصة صارت أكثر من شهيرة ولكنني أعود إليها لأنني تركتها في ذروة الإمتاع، حيث كان الوزير قد هاجم الحجاب واحتجب بقصره الذي ورثه عن عائلته العريقة. وكان المجلس يطلب اعتذار الوزير المحتجب. والوزير من جهته يطالب باعتذار مجلس الشعب الذي هاجمه، لنكتشف أن معرفته بقواعد اللعبة الديمقراطية لا تزيد علي معرفته بالمرأة، وخاصة المرأة المصرية المطحونة مع رجلها في طاحونة الفساد!
مطالبة الوزير لمجلس الشعب بالاعتذار سابقة لم يسبقه إليها هتلر أو موسوليني، حيث لا تُطالب المجالس المنتخبة بالاعتذار، لكن ربما يكون فاروق الوزير قد طمع في هيبة المجلس لمعرفته بأن الانتخابات التي تحمل النواب إلي مقاعدهم ليست دائماً فوق الشبهات، ومع ذلك كان عليه أن يمثِّل مثل الآخرين ويعتبر المجلس منتخباً، لكن فاروق حسني صريح، وهذه هي فضيلته الأساسية بين أفراد النظام الذي يستخدمه.
علي أية حال، فارقت الديار من دون أن تكون هناك بارقة حل لهذا الصراع الفكاهي المفتوح إلا باعتذار الشعب للطرفين. ولكنني عدت أمس لأري ـ علي شاشات التليفزيون ـ الوزير في لقطات مع نجمات السينما العالمية بافتتاح مهرجان القاهرة السينمائي (لم تعد لدي مصر صناعة سينما، لكن لديها مهرجان) وكان متألقاً كعادته مع نساء يصلحن للشم حقيقة لا مجازاً!
إذن فك الوزير حجابه الذي منعه من شم الأدباء العرب في مؤتمر اتحاد الكتاب. وتقول عناوين صحف أمس أن الأحد هو موعد لقاء فاروق حسني مع لجنتين من لجان مجلس الشعب لمناقشة أزمة الحجاب.
وهذا يعني أن الموضوع تم لمه علي الضيق كما نقول في مصر، وأن أياً من الطرفين لن يعتذر للآخر، ولكن سيجري بعض الكلام الذي يحمل معاني التفسير والتقهقر خطوة في مقابل خطوة.
وبالتأكيد فإن أحد الطرفين لن يعتذر لنا عن هذه الخفة في التعامل مع شعب يحمل حياته كصخرة.
الوزير قال في كلامه المرسل إنه لا يحب الحجاب، وإن النساء مثل الورود خلقن للشم، وهو قول بسيط ما كان يجب أن يهتاج له 130 من نواب مجلس الشعب وبينهم أركان النظام الذي دأب المزايدة علي الإخوان وكل الاتجاهات السلفية.
وقد كان هناك العديد من المناسبات التي ينبغي أن يثور المجلس فيها علي فاروق حسني وزير الثقافة الدائم، لكنهم لم يفعلوا، حتي عندما احترق 58 من فناني ونقاد وجمهور المسرح في محرقة بني سويف في تموز (يوليو) 2005!
بعض المثقفين ـ للأسف ـ اعتبروا فاروق حسني رسولاً للتنوير فوقعوا بياناً لمؤازرته، وبعضهم سبق أن آذروه ببيان آخر إبان المحرقة، ليشقوا صف المثقفين ويبطلوا مفعول المطالبة بإقالته المستندة إلي سبب وجيه وإنساني.
وليس في صدام الوزير مع الحجاب أي تنوير، فهو يعلم أن مد الحجاب يستند إلي أسباب ثقافية واجتماعية واقتصادية قبل الأسباب الدينية، ولا بد أنه يعلم أنه شخصياً وأمثاله ممن تضخمت ثرواتهم بطرق غامضة لا يمكن إلا أن يكونوا السبب الأساسي في انسحاب الشباب المصري والشابات المصريات من الحياة الدنيا، واستعجال الآخرة.
وكان عليه قبل هذا الصدام المفتقر إلي العمق أن يسائل نفسه عن مسؤوليته كوزير للثقافة منذ عشرين عاماً يحصر جهوده في مربع جزيرة الزمالك، يبني فيها المتاحف ويقيم المؤتمرات التي لا يسمع بها الشعب، في حين تفتقر المواقع الثقافية علي امتداد الخريطة المصرية إلي أبسط وسائل التثقيف، علي الرغم من احتوائها علي مكتبات وقاعات سينما ومسرح. لكن كل هذه الإمكانيات تداعت حتي أصبح دخول تلك المواقع الثقافية خطراً علي الحياة ذاتها!
كل هذا لم يكن في حسابات الوزير الذي يعرف استراتيجيات من استوزروه في إدارة البلاد، وقد استشعر خطر الإزاحة فأراد أن يستدر هجوم الإخوان لكي يجعل النظام يتمسك به. وقد نال أكثر مما أراد.
لكن الغريب أن تصريحات الوزير التي أغضبت الحكومة وتيار المعارضة الأساسي، لم تغضب جمعيات حقوق الإنسان. ولم يوجه أحد نظر من استوزروا فاروق حسني أنه كان ينبغي عليهم تبصيره بأن النساء لسن للشم فقط، وأنه ليس من الإنسانية أن تختصر حياة المرأة في الشم أو حتي في الضم.
ناهيك عن أن اختصار المرأة المصرية في الشم فقط، يعني أن تفقد تسعة وتسعون بالمئة من النساء مبررات وجودهن، إذ لا تلتفت غالبية النساء إلا إلي الكفاح مع أزواجهن من أجل إقامة أود الأسرة التي تسير حياتها من صعب إلي أصعب.
ومن مساخر المصادفات أن يأتي حديث فاروق حسني عن الرائحة في وقت تشتهي فيه المرأة المصرية المكافحة رائحة البصل الذي صار سعر الكيلو منه خمسة جنيهات في ظل فوضي اقتصادية غير مسبوقة.
كدت أختتم قبل أن أقول لماذا عدت من إيطاليا باكياً؟
بالتأكيد هناك أسباب كلاسيكية لبكاء المصري العائد إلي بلاده. أولها أنه عاد، وثانيها وثالثها المقارنة بين قدرة الحكومات في الخارج علي صيانة تراثها والاستفادة منه، وقدرة حكومته علي تبديد ذلك التراث.
لكن هذا لم يكن من دواعي بكائي، وشخصياً لم يحدث لي مكروه في أربع مدن إيطالية تشممتها وتأملتها كالمجنون في سبعة أيام، ولكنني مررت بالخطأ من سوق الخضر والفاكهة في تورينو لأكتشف أن الأسعار بالأرقام المجردة أرخص من مثيلتها في مصر، بينما متوسط دخل المصري واحد إلي ثلاثين من متوسط دخل الإيطالي.
ليس الخضر والفاكهة واللحم فقط، بل إنني اشتريت خط تليفون لشركة صاحبها مصري، وكنت أكلم القاهرة منه بسعر عشرين سنتاً للدقيقة، وهو ما يساوي خمس سعر الدقيقة التي يبيعها في مصر المستثمر ذاته للمصريين!
هذا هو ما أعادني باكياً؛ فما فعله فاروق حسني لم يزد علي استهجان حجاب المصريات، وفي أيديهن بالطبع ألا يخلعنه، أما ما يفعله النظام مجتمعاً فهو الإصرار علي تعرية المصريين بالكامل، دون أية نية للتراجع أو الاعتذار.
فهل تغضب هذه الحقيقة نائباً واحداً في مجلس الشعب رحمة بالشعب الذي يمثله، مثلما وجدت لطافات فاروق حسني هذا العدد من النواب والوزراء الغاضبين؟!
- 367 reads

علِّق