- No upcoming events available
لمن يريد أن يقفز بضع سنوات إلي الأمام ليري مستقبل هذا الطفل الجميل البائس الذي عذبه أبوه بإطفاء السجائر في أماكن حساسة من جسده ثم قطع له لسانه - أنصح بمشاهدة الفيلم التسجيلي المهم للمخرجة تهاني راشد بعنوان «البنات دول». والفيلم علي مدي ساعة يتعرض لحياة مجموعة من بنات الشوارع. يأخذك من يدك ويزج بك إلي قلب هذا العالم التحتي الذي لم تنتبه إليه حكومتنا الكريمة إلا بعد اكتشاف جرائم التوربيني الذي اعتاد اغتصاب الأولاد و البنات ثم قتلهم. ويا ليت الحكومة ما انتبهت، إذ إن رد فعل د. زكريا عزمي تمحور حول اتهامه الجمعيات الأهلية التي تصدت لهذه الظاهرة المخيفة بسرقة التمويل المخصص لهؤلاء الأطفال. يكشف الفيلم الكثير عن هؤلاء البنات و عالمهن. كيف يعشن. أين ينمن. كيف يلعبن وسط أحراش المدينة المتوحشة التي تأكل لحم أولادها. تتحدث البنات بلغة تقريرية عن معني الاغتصاب اليومي و كيف أن مشكلة البنت الحامل في الفيلم لا تتركز في إقناع أب الطفل بالزواج منها حتي يأتي الطفل إلي العالم بشكل شرعي، و لكن المشكلة تكمن في أن الفتاة لا تعرف من هو الأب لأنها قد حملت بعد أن تناوب علي ممارسة الجنس معها مجموعة من الشباب. هذا هو حد الضياع والبؤس الذي يشكل اللغة اليومية لهذا الواقع الذي لا تعرف الحكومة عنه شيئا إلا من خلال تحقيقات ترتفع كل يوم بأعداد القتلي من الأطفال.
نظرت إلي صورة الطفل مقطوع اللسان والذي لم يذكر الخبر الوارد في الصفحة الأولي من «المصري اليوم» اسمه في إشارة ذات مغزي لا أعرف إن كان مقصودا. الطفل بلا اسم في الخبر كأنه مليون طفل وأكثر، تلفظهم البيوت إلي شارع لا يقل قسوة عن بيت تقطع فيه الألسن ويحرق الجسد، لكن قسوة الشارع الغريب أقل من قسوة أب وأم لا يعرفان معني الإنسانية لأنهما هما أيضا ضحايا لم يذوقا للحنان والدفء والإنسانية طعما. بيت مريض يلقي إلي الشارع بجسد طفل هو مشروع قاتل أو قتيل أو مدمن «كلة» أو سارق ونصاب أو إرهابي. من الذي يحمي هؤلاء الأطفال في مجتمع تلقي حكومته اللوم علي منظمات أهلية معنية بأطفال الشوارع وتتهمهم بأنهم سبب تفاقم المشكلة. تتحدث الحكومة علي لسان د. زكريا عزمي صاحب الاستجواب كأنها آتية من كوكب تاني. كأن المشكلة هي في المؤسسات المدنية التي تصدت منفردة لهذه الظاهرة المخيفة. كأن هؤلاء الأطفال قد اختاروا الشارع، كأنهم نبتات شيطانية بلا جذور، كأنهم في أقصي حالات الاستمتاع بالنوم في العراء والنوم مع الغرباء والجوع والمرض والإدمان.
طفل بديع الملامح رغم الحروق والجروح علي وجهه الذي كشف عن معني البؤس وضياع الابتسامة. طفل ذو شعر بني فاتح وعينين واسعتين قد نتمني أن يكون لدينا طفل مثله. طفل بلا اسم هو خطيئتنا جميعا. إنه خطيئة مجتمع يدمن دفن رأسه في الرمال وينشغل بفساتين الفنانات ومدي شرعية الرقص و ضرورة الحجاب، ويتناسي هؤلاء الذين يطلون علينا في الإشارات بعلب الكلينكس، أو ينظرون إلينا من مخابئهم تحت الكباري والأنفاق والكهوف التحتية. كلهم بلا أسماء. ومعظمهم قد فقد حتي الحلم ببيت وسرير دافئ وحضن أم. في فيلم تهاني راشد تبكي إحدي الفتيات لدي عودتها لبيتها بصحبة أبيها. لا يري المشاهد هذا البيت لكنه يعرف أن البنت لا تريد العودة إليه. ولا نلبث أن نراها في الشارع مرة أخري.
في البلاد التي يراها البعض «منحلة» و«غير أخلاقية» بإمكان الأطفال الذين يعيشون في بيوت عادية بين آباء وأمهات يكفلون لهم حق الملبس والمأكل والتعليم أن يبلغوا البوليس عن انتهاكات أبائهم لهم، وسيتم معاقبة الآباء الممارسين للانتهاك إلي الحد الذي يصل إلي حرمانهم من أبنائهم. وماذا نفعل نحن؟! لا توجد لدينا تشريعات كافية لحماية الأطفال المنتهكين ولا مراكز إيواء إنسانية ولا رعاية صحية واجتماعية. لا يوجد لدينا ما نمنحه لهم. ثم نشكو ونستهجن ونجرم التوربيني قاتل الأطفال. نحن جعلنا منه مجرما ثم جرمناه. ولدينا في الطريق أجيال من أطفال بلا أسماء وكلهم مشاريع قتلة أو مقتولين. شاهدوا «البنات دول» للاطلاع علي جزء من الحقيقة، مجرد جزء لأن الحقيقة كلها أقوي و أشد بشاعة من احتمالكم يا أصحاب الاستجوابات.
- 1060 reads

علِّق