- No upcoming events available
أنا واثق أنكم تدركون جسامة المسؤولية الملقاة عليكم وأنتم تقومون بهذه المهمة الخطيرة، مهمة صياغة مشروع المواد التي ستعرض علي مجلس الشعب ومجلس الشوري، وعلي الناس جميعًا بعد ذلك في استفتاء عام من أجل إقرار التعديلات الدستورية المقترحة والتي كثر الكلام حولها دون أن يعرف الناس ماهيتها أو مضمونها حتي الآن.
وأنا واثق أنكم تدركون أن هذه التعديلات الدستورية تخاطب المصريين جميعًا وأنها ستحكم حياة المصريين جميعًا وتؤثر علي أجيال قائمة وأجيال قادمة.
وكل هذا لابد أن يشعركم بخطورة ما تقومون به.
أنا واثق أيضًا أنكم تفكرون في مصر، مصر التي جعلتكم حيث أنتم، مصر التي أعطتكم وأعطتنا جميعًا كل ما نحن فيه، مصر التي ستبقي بعدنا جميعًا وستأتي أجيال تنظر في عملكم وتحكم عليكم أو لكم. والتاريخ لا ينسي. لا تقولوا إن التاريخ سيكتب بعد أن نكون جميعًا في التراب. قد يكون هذا صحيحًا. ولكن سمعتكم وسيرتكم وأبناءكم وأحفادكم سيسمعون الناس يدعون لكم بالرحمة أو يستمطرون عليكم سوء العذاب.
فكروا في مصر أولاً وفكروا في شعب مصر أولاً وأخيرًا واجعلوا قبلتكم مصر، لا هذا الشخص أو ذاك. هذا الحاكم أو ذلك الذي سيأتي بعده، كلهم زائلون وأنتم أيضًا ونحن جميعًا.. «ويبقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام».. ويبقي وجه مصر التي يجب أن تكون في خاطرنا وفي روحنا وفي دمنا.
إن مسؤوليتكم خطيرة وإن حسابكم أمام الله وأمام مصر سيكون بقدر ما قدمتم لمصر وبقدر ما نسيتم، وأنتم تصوغون تلك التعديلات، المغانم الرخيصة والمناصب الزائلة والسلطة الزائفة. وكل أحلام الصغار.
وسأبدأ أولاً بالمادة الخامسة من الدستور الحالي بعد تعديله السابق والتي تتحدث عن التعددية الحزبية وعن إنهاء التنظيم السياسي الواحد.
أنتم تعلمون أن قانون الأحزاب الذي وضع مازال يكرس- في الواقع- التنظيم الواحد ومازالت الدولة بكل أجهزتها الرسمية منحازة لتنظيم سياسي واحد، وأنتم تعرفون أن هذا الوضع لا يمكن أن يثمر نظامًا ديمقراطيا.
الديمقراطية، كما تعرفون جميعًا، تقوم علي التعددية السياسية وعلي اختلاف الرؤي والآراء وعلي التنافس الشريف بين الجميع، وتداول السلطة وعلي المسؤولية وكل هذا لا يمكن أن يتحقق دون تعددية سياسية حزبية حقيقية.
توكلوا علي الله واقترحوا نصًا في الدستور ينص علي حرية إطلاق تكوين الأحزاب السياسية بمجرد الإخطار علي أن يمتنع قيام الأحزاب التي تشكل ميليشيات عسكرية أو الأحزاب التي تدعو إلي إقامة دولة دينية تفرق في عضويتها بين المصريين علي أساس الدين. ليكن هذا هو نص الدستور ثم يترك بعد ذلك للقانون التنظيمات التفصيلية للأحزاب، وليكن القضاء هو المرجع وليس لجنة إدارية يشكلها الحزب الحاكم.
فكروا جيدًا واسألوا أنفسكم: هل هناك ديمقراطية لا تسبقها تعددية حزبية حقيقية؟ واسألوا أنفسكم: هل ما نحن فيه يمكن أن يقال عنه تعددية حزبية حقيقية في ظل لجنة إدارية تمنح وتمنع الحياة عن الأحزاب ولا تسمح بقيام أي حزب جاد؟
ويكفي لذلك مثلاً حزب الوسط وحزب الكرامة اللذان حيل بينهما وبين الوجود عشرات السنين، في حين سمحت اللجنة لعديد من الكيانات التي لم يحس بها أحد لا قبل إجازتها ولا بعد إجازتها. أنتم تعرفون ذلك جيدًا فحاولوا من أجل مصر أن تتصدوا له وتغيروه.
وأنتقل بعد ذلك إلي المادة ٧٤ التي تنظم حالة الضرورة والتي أخذناها عن المادة السادسة عشرة من الدستور الفرنسي الحالي، تقديري أنه في ظل ظروف العالم المضطربة فإن وجود هذه المادة ضروري ولكن لابد من وضع ضوابط لاستعمالها وتقييد الحق في إعلانها ولنهتد في ذلك بما وضعته المادة السادسة عشرة من الدستور الفرنسي من ضوابط.
ثم آتي إلي المادة ٧٦، تلك المادة التي عُدلت من قبل وجاءت علي نحو غريب وعجيب. الأصل في مواد الدستور أو القانون أن تخاطب الشعب كله لا أن ينصرف حكمها إلي عدد محدود من الأفراد يكاد يكون بعدد أصابع اليد الواحدة ثم يقصي عن حكمها الخمسة والسبعون مليون أجمعون.
الدولة الحديثة تقوم علي مبدأ المواطنة بمعني أن كل مواطن يتساوي مع كل مواطن آخر في الحقوق والواجبات. من حق كل مواطن أن ينتخب رئيس الجمهورية ومن حق كل مواطن أن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية. هذا هو الأصل الديمقراطي، ومع ذلك لامانع من وجود بعض الضوابط اليسيرة- وليست العسيرة أو المانعة- لكي نبعد الهازلين والعابثين وهواة الشهرة من أجل الشهرة. بعض الضوابط مثل الحصول علي تزكية خمسين ألفًا من الناخبين المقيدين من عشرة محافظات مثلاً. هذا ضابط ليس سهلاً ولكنه أيضًا ليس عسيرًا، أو ضابط آخر مثلاً الترشيح من مجلس إحدي الجامعات أو من مجلس إدارة نقابة مهنية أو نقابة عمالية أو ما إلي ذلك من ضوابط لا تقصي الشعب كله وتُبقي حق الترشح لعدد محدود من الأفراد.
أستحلفكم بالله وبمصر أن تفكروا في مصر وأن تفكروا في الديمقراطية التي نرجوها ولا تفكروا في هذا الشخص أو ذاك. ضعوا ضوابط ولا تضعوا موانع. وضعوا الضوابط في القانون العادي وليس في نص الدستور الذي يجب أن يقتصر علي أن يقرر المبدأ وهو أن رئيس الجمهورية يأتي عن طريق الانتخاب العام المباشر وعلي النحو الذي يحدده القانون.
فإذا انتقلتم بعد ذلك إلي المادة السابعة والسبعين، اسألوا أنفسكم: لماذا الإصرار علي الإبقاء علي ترك البقاء في المنصب إلي أبد الآبدين؟ هل لو عدل النص وعاد إلي أصله وقصر الرئاسة علي مدتين، هل سيؤثر ذلك علي الرئيس مبارك؟
إن التعديل لن يكون بأثر رجعي وبذلك فإن الرئيس مبارك يستطيع أن يرشح نفسه مرة سادسة وسابعة وبذلك يحكم قرابة الأربعين عامًا.
فكروا في أن ترحموا هذا الرجل الذي حمل أعباء تنوء بحملها الجبال.
أم يا تري، إن الإبقاء علي المادة ٧٧ بحالها الذي يطلق مدة البقاء إلي نهاية العمر ليس مقصودًا بها الرئيس مبارك، مرة ثانية فكروا في مصر ولا تفكروا في أشخاص زائلين. ومرة أخري تذكروا أن يوم الحساب قادم لا ريب فيه.
وتقديري أن هذه الموضوعات الثلاثة- التعددية الحزبية، وطريقة اختيار رئيس الجمهورية وإتاحة تداول السلطة عن طريق تحديد فترات الرئاسة- هي الموضوعات الحاكمة وهي التي تنقلنا إلي مشارف الديمقراطية أو تبقينا- علي العكس لا قدر الله- في ظل نظام شمولي يقوم علي فرد واحد.
اختاروا بين الأمرين وسينظر الله وسينظر الشعب إلي عملكم واختياركم ويحكم عليه.
وبعد ذلك يأتي مبدأ التوازن بين السلطات وتعاونها ورقابتها لبعض.
وبعد ذلك يأتي المبدأ الذي يقول إن كل سلطة تقابلها مسؤولية وأن رئيس الجمهورية عندما يتمتع بسلطات لابد وأن تقابلها آلية للمحاسبة.
ثم يأتي قبل ذلك كله وبعده مبدأ سيادة القانون وما يترتب عليه من استقلال كامل ومضمون بنصوص دستورية للسلطة القضائية ولوجود رقابة فعالة علي دستورية القوانين.
إن سيادة القانون ضمانة أساسية للحاكمين والمحكومين إذا كنا نريد نظامًا ديمقراطيا حقيقيا.
توكلوا علي الله وانحازوا لمصر وفكروا في مصر وعندئذ ستذكركم مصر وستضعكم في القلب منها.
وإلا فإن عذاب الله شديد وغضبة الشعب غير مأمونة العواقب.
والله يوفقكم ويوفقنا جميعًا لما فيه خير مصر وشعبها الذي أعطانا الكثير والذي يستحق منها الكثير.
والله المستعان.
- 781 reads

علِّق