الرئيس السابق... ضمانة للديمقراطية
Submitted by د.يحيى الجمل on الاثنين, 15/01/2007 - 11:42.

المصري اليوم

«الرئيس السابق» ظاهرة غير معروفة في بلاد العرب وعدد آخر قليل من البلاد شديدة التخلف. وفي بلاد العرب هناك دولتان تمثلان نوعًا من الاستثناء. إحداهما استثناء مضطرب وهي السودان والأخري استثناء كان مستقرًا وبدأ يضطرب وهي لبنان.

في السودان رئيس سابق وقد يكون هناك أكثر من رئيس. ولكن الرئيس أصبح سابقًا ليس بفعل التداول الطبيعي وإنما بفعل انقلابي- حالة جعفر نميري- وأما في لبنان فقد كانت تلك الدولة تنعم منذ استقلالها بنظام قريب من الديمقراطية وإن كان هشًا وكان فيه تداول حقيقي للسلطة سواء في قمتها علي مستوي رئاسة الجمهورية أو علي مستوي الحكومة ولكن يبدو أن الدول العربية المحيطة بلبنان ضاقت ذرعًا بديمقراطيته وخشيت من عدواها وتجري المحاولة الآن لكتم أنفاس الوليد الديمقراطي في لبنان حتي لا يصبح استثناء غريبًا في المحيط العربي.

ووجود رئيس سابق قد يأتي نتيجة حكم الدستور أحيانًا عندما ينص الدستور علي تحديد فترة ولاية رئيس الجمهورية لمدة واحدة أو مدتين أو ثلاث ثم بعد ذلك لا يجوز للرئيس أن يرشح نفسه وهكذا يتم تداول السلطة ويوجد رئيس جديد ورئيس سابق إنفاذًا لحكم الدستور.

وهذا هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية وفي إيران وفي بلاد أخري كثيرة حيث لا يجوز أن يبقي الرئيس في منصبه لأكثر من مدتين وقد يبقي مدة واحدة فقط، مثلاً في الخمس والعشرين سنة الماضية توالي علي منصب الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية ثلاثة رؤساء وتوالي علي منصب رئاسة الجمهورية في إيران أربعة رؤساء. وبقي الرؤساء في العالم العربي هم هم بغير تغيير إلا أن يريد اللّه.

وهناك بلاد ديمقراطية كثيرة لا يحدد فيها الدستور مدة لولاية رئاسة الجمهورية وإنما يترك ذلك لإرادة الناخبين وأوضح مثل لذلك فرنسا، ولكن لما كان تداول السلطة ركنا أساسيا في النظام الديمقراطي فإن الأوضاع في تلك البلاد بطبيعتها وبحكم التعددية السياسية الحزبية تؤدي وبالضرورة إلي تداول السلطة وعدم بقاء رئيس واحد في منصبه لمدد طويلة تتجاوز عشر سنوات إلاّ في حالات بالغة الندرة وغير متكررة.

خذ فرنسا هذه الأيام، أمضي الرئيس شيراك فترتين في رئاسة الجمهورية وتقترب الفترة الثانية من نهايتها وكان الرئيس يميل إلي أن يكون «ديفلبان» هو المرشح القادم للرئاسة.

 ولكن المزاج الشخصي لديفلبان «الأديب الشاعر الفنان» وما حدث من أزمات متعلقة بالعمالة وبالمهاجرين وغير ذلك، كل هذا جعله يعرض عن ترشيح نفسه. وكان ساركوزي هو مرشح الحزب الحاكم- حزب شيراك- ورشحت قوي اليسار «لورويال» وتدل كل الاستطلاعات علي أن خسارة ساركوزي هي الأرجح.

وأدي هذا إلي تفكير داخل حزب شيراك أن يعيد شيراك ترشيح نفسه لمدة ثالثة ولكن كل استطلاعات الرأي أعربت عن أن غالبية الفرنسيين لا يميلون إلي هذا الاختيار، والأرجح أن شيراك لن يرشح نفسه والأغلب أيضًا أن ساركوزي لن يفوز وأن رئاسة الجمهورية الفرنسية ستؤول وللمرة الأولي إلي سيدة من اليسار.

وفي غير فرنسا من البلاد التي لا تحدد دساتيرها مدة معينة لرئاسة الجمهورية لم يحدث قط أن بقي رئيس في منصبه إلي الأبد كما يحدث في بلادنا، ذلك أن وجود أحزاب سياسية حقيقية تعبر عن تعددية في الآراء والاتجاهات يؤدي بالضرورة إلي تداول السلطة بحسبان أن هذا التداول هو ركن أساسي من أركان النظام الديمقراطي.

وإذا كان هذا هو الحال في كل الأنظمة الديمقراطية في العالم فما هو الحال عندنا؟

كان دستور ١٩٧١ ينص في المادة السابعة والسبعين منه علي أن يتولي رئيس الجمهورية منصبه لفترتين لا يجوز التجديد بعدهما. وفي بداية الأمر كان الرئيس السادات مصرًا علي ذلك الوضع. ولكن قبل نهاية الفترتين ببضعة شهور جري تعديل النص ليسمح بالاستمرار في المنصب إلي ما شاء اللّه لكن الأقدار شاءت ألا يستفيد الرئيس السادات من هذا التعديل وأن يستفيد به خلفه لكي يصبح أطول حاكم في تاريخ مصر الحديث بعد محمد علي.

ويجري في مصر هذه الأيام حديث عن التعديلات الدستورية ولم يرد ضمن هذه التعديلات حديث عن المادة السابعة والسبعين بل إن السيد رئيس الجمهورية صرّح للصحافة بأنه لا مبرر لتعديل هذه المادة مادام أن اختيار رئيس الجمهورية يتم بناء علي انتخاب من قبل الشعب ومادامت إرادة الشعب تريد إبقاء شخص معين في منصبه فإنه لا مبرر لحرمان هذا الشخص من الرئاسة ولا حرمان الشعب من رئاسته مادام الشعب يريدها.

وهذا الذي قاله رئيس الجمهورية صحيح من الناحية النظرية ولكن هناك مقدمتين ضروريتين لكي تكتمل هذه الصحة.

هاتان المقدمتان- اللتان تكملان ما قاله السيد رئيس الجمهورية- هما:

أولاً، حياة حزبية حقيقية تقوم علي تعددية بين أحزاب سياسية نشأت نشأة طبيعية وتتقارب في قوتها ولها حرية الاتصال بالجماهير وحرية التخاطب معها وحرية إقناعها.

 وقد تبدو عبارة متقاربة في قوتها غريبة بعض الشيء ولكن في الأنظمة الديمقراطية حيث لا يوجد تنظيم سياسي واحد مسيطر أو قائد أو حيث لا توجد قيود شداد غلاظ علي تكوين الأحزاب وحركتها، نري دائمًا عددًا كبيرًا من الأحزاب، ولكننا نري دائمًا حزبين أو ثلاثة تلعب الدور الأساسي علي الساحة الأساسية وهذه الأحزاب تكون متقاربة في قوتها.

 هذا حزب له ٣٠% من مقاعد المجلس النيابي وهذا له ٣٥% وآخر له ٢٥% والـ ١٠% للمستقلين أو هكذا من نسب متقاربة. أما وجود حزب مسيطر وإلي جواره مجموعة أحزاب لا وزن لها فهو يدل علي خلل في بنية الحياة السياسية ولا يصلح مقدمة للقول إن انتخاب رئيس الجمهورية يتم بإرادة شعبية حقيقية.

ومن الطبيعي أن تكون هذه الأحزاب قائمة بذاتها غير معتمدة في حياتها ووجودها وحركتها علي أجهزة الدولة من مباحث أمن الدولة ومن مصالح ومناصب وأمور أخري كثيرة، لابد أن تكون للأحزاب استقلاليتها عن أجهزة الدولة ومؤسساتها، حتي تكون أحزابًا حقيقية وحتي تتكافأ في الفرص.

هذه هي المقدمة الأولي.

أما المقدمة الثانية فهي أن ينتخب الرئيس انتخابًا حقيقيا بغير موانع تمنع الشعب من اختيار رئيسه. وهذا يقتضي أن يكون مبدأ المواطنة، الذي يعني أن كل مواطن بحكم كونه مواطنًا يساوي كل مواطن آخر في حقوقه وواجباته ومن ثم فإن كل مواطن من حقه أن ينتخب رئيس الجمهورية ومن حقه أيضًا أن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية، هذا هو ما يحدث في كل بلاد العالم التي تتبني النظام الديمقراطي.

ولامانع يمنع نظرًا لخطورة المنصب وأهميته أن توجد بعض الضوابط في عملية انتخاب رئيس الجمهورية، والقصد من هذه الضوابط هو إبعاد غير الجادين والهازلين والعابثين وغواة الشهرة من الترشح لهذا المنصب ويتحقق ذلك بالحصول علي بضعة آلاف من أصوات الناخبين أو علي عدد معقول من أعضاء المجالس النيابية أو المحلية أو ترشيح مجلس نقابة مهنية أو جامعة من الجامعات أو نقابة عمالية- المهم أن يكون القصد من هذه الضوابط هو منع العابثين فقط،

لكن إذا تحولت الضوابط إلي موانع تحول بين الخمسة والسبعين مليون مواطن من ترشيح أنفسهم وتسمح فقط لعدد لا يتجاوز العشرات أو حتي المئات، فهذا لا صلة له بالنظام الديمقراطي، ولا صلة له بالانتخابات الحقيقية التي تأتي برئيس للجمهورية يملك أن يقول إن الشعب هو الذي اختاره وأنه لا مانع يمنع من أن تتعدد فترات رئاسته طالما أراده الشعب.

وأترك لضمير المسؤولين جميعًا في هذا البلد الإجابة علي.. هل تتوافر هاتان المقدمتان عندنا لكي نقول ما نقوله من أنه لا مبرر لوضع قيود علي إرادة الشعب في الاختيار؟.

من الذي يضع القيود ومن الذي يقصي الملايين ويسمح لعدد محدود فقط من الأفراد. وهل هذا يتفق مع مبدأ المواطنة الذي نتحدث عنه.

وبعيدًا عن الاعتبارات النظرية فإن وجود رئيس سابق يعتبر في تقديري ضمانة أساسية من ضمانات النظام الديمقراطي لأن الرئيس وهو يجلس علي كرسي الرئاسة ويعلم أنه سيكون في يوم من الأيام مواطنًا عاديا يسير بين الناس ويسعي في الأسواق، وأنه لا عاصم له إلا عمله وسيادة القانون، مثل هذا الرئيس سيختلف سلوكه تمامًا وبالكامل عن رئيس يعلم أنه سيبقي علي كرسي الرئاسة متمتعًا بكل سلطاته إلي آخر نفس في حياته.

إن الحق واضح ولكننا لا نحب الحق وإن تحدثنا عنه.. وإن النظام الديمقراطي له أسسه التي لا خلاف عليها ونحن نتحدث عن الديمقراطية ونخشاها. ونحن نتحدث عن الدستور وسيادة القانون وفي مفهومنا أن إرادة الحاكم هي الدستور وهي السيادة. وهي كل شيء. وهذا نظام والنظام الديمقراطي شيء آخر.

تعالوا نكن صادقين مع أنفسنا ونقل إننا لا نحب الديمقراطية ولا نريدها ومع ذلك فلا مانع يمنع من الحديث عنها.

ولن تظل الشعوب غافلة أو لاهية ولابد من صحوة. وعندئذ سيعلم الذين عانوا توجهات التاريخ أي منقلب ينقلبون.

وللّه الأمر من قبل ومن بعد

 

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
13 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.