مرشد المرأة الغبية إلى فوائد اللعب فى الحاجات الدستورية
Submitted by جمال فهمي on الأربعاء, 17/01/2007 - 08:05.

العربي.

حين جلست لكتابة هذه السطور وجدت الدنيا تضيق أمامى على خيارين اثنين، أولهما أن أغوص بقلمى فى عفن وقائع فضيحة تلويث وتسميم دماء المصريين باعتبارها أحدث ما تكشف من الإبداعات الإجرامية للسادة النشالين الذين سكنوا قمة هرم السلطة والنفوذ فى نظام الرئيس حسنى مبارك، والخيار الثانى الذى هربت إليه فعلاً أن استغل مساحة هذه الزاوية لأعرض على الأخوة القراء خلاصة بحث دستورى قيم أنفقت لإنجازه ساعات أغلب ليالى الأسبوع الماضى التى تثاقلت بالبرد والزمهرير، غير أننى ركبت الصعب حتى وضعت يدى المثلجة على قائمة طويلة من المكاسب والإيجابيات والحاجات التى ينطوى عليها مشروع الرئيس مبارك لترقيع وإعادة تقييف وتفصيل 34 مادة من الدستور الحالى.
وأستهل القائمة بمكسب اجتثاث وإزالة كل إشارة فى هذا الدستور للاشتراكية ومبادئ العدالة الاجتماعية وخلافه، ابتداء من إلغاء منصب المدعى العام بالباطل الاشتراكى، وانتهاء بمحو باقى الادعاءات الكاذبة الأخرى فى هذا الشأن والتى تدحضها الأوضاع القائمة من عقود طويلة، إذ لم يبق على أرض الواقع من كل اللغو الدستورى عن الاشتراكية سوى اشتراك القطيع المتربع بالعافية على عرش البلاد فى جهد منظم ودؤوب لنهب ثروات الوطن ومص دماء الأغلبية الساحقة من سكانه.
وسأفترض أن هناك الآن من يجرؤ على الجدال فى حقيقة أن شطب العبارات الدستورية التى تتحدث عن الاشتراكية والعدالة وضمان الحدود الدنيا لحقوق الفقراء، هو مكسب للشعب المصرى لذلك سأستعين مضطراً بما فعله أحدهم قبل أيام حينما أطل علينا بسحنته التى تنضح بالبؤس بالغلب من على شاشة تليفزيون الحكومة ليثقفنا بنظرياته التعبانة وتأملاته الخيبانة فى تفاصيل مشروع التعديلات الدستورية، لكنه لم يطق صبراً على كتمان شعوره بالفرح والحبور الشديدين لتنظيف الدستور من أى ذكر أو سيرة للنظام الاشتراكى، وتمادى هذا الأخ الذى - على ما يبدو - تربطه صلة قربى بالأسرة الحاكمة فى إمارة موناكو فى الزعيق والجعير المتحمس وأخذته الجلالة فجأة فإذا بحضرته يهتف بحرقة مطالباً باعتذار لجنابه عما أصابه جراء تطبيق الاشتراكية فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى!!
ومازالت قائمة فوائد المشروع الترقيعى الدستورى طويلة، ومنها على سبيل المثال ذلك النظام الذى استحدثه المشروع لتلبية حاجة الرئيس أى رئيس لمن يسرى عنه ويسليه ويؤنس وحدته أثناء ممارسته ومباشرته لبعض السلطات شبه الإلهية التى يتمتع بها، فبمقتضى النظام الجديد فإن من يشغل منصب رئيس الوزراء سيكون مجبراً على الذهاب صاغراً إلى القصر الرئاسى فى حالات ومناسبات معلومة ومحددة سلفاً، وبعد أن يشرفه الرئيس بالسلام والسؤال عن صحته والأحوال والأولاد، سيتعين عليه أن يقدم مشورته لسيادته، دون أن ينسى معاليه أن الرئيس هذا هو الذى أتى به من المجهول وفى يده وحده بقائه فى المنصب أو الذهاب بالسلامة أو بدونها إلى البيت ليرتدى البيجاما وينام نوم العوافى الطويل.
ويحتوى مشروع التعديلات الدستورية على مكسب آخر يقف ساطعاً كالشمس فى كبد النهار، وأقصد إلغاء وجع دماغ الإشراف القضائى على الانتخابات، إذ ينقل المشروع هذه المهمة إلى لجنة من الموظفين المأمورين الذين سيتحملون وحدهم عبء الحفاظ على عمليات الاقتراع والانتخاب نظيفة تماماً من الناخبين، وربما من المرشحين أيضاً، فقد أثبتت التجربة العملية أن إشراف القضاة على الانتخابات يسمح بثغرات يمر منها أحيانا بعض المواطنين الأشقياء الذين يفلتون من حواجز الموت التى تنشرها الحكومة على الطرق المؤدية للجان الاقتراع بهدف حماية الشعب من نفسه، وهذا الخلل يؤدى بدوره إلى الإساءة لسمعة مصر أمام العالم الذى يرى برلمانها ملوثاً بحفنة من النواب الحقيقيين من غير أعضاء عصابة القط الأحمر.
والحقيقة فإن المكاسب السابقة تبدو هينة وهزيلة أمام الفوائد الخطيرة المترتبة على مشروع اللعب فى بنود الدستور التى تتحدث عن الحقوق والحريات العامة وذلك بحجة فتح المجال لتمرير قانون جديد للإرهاب يقوم على إلغاء كل حصانة نظرية لأبسط الحقوق والحريات الأساسية للمواطن المصرى، وهو أمر سوف يشجع - ولا شك- هذا المواطن على ممارسة فضيلة جلد الذات، والاعتراف بأن الله حق وأن قانون الطوارئ المعمول به منذ أتت الشياطين بالنظام الحالى قبل أكثر من ربع قرن كان رحمة ونعمة لطالما رفسناها وبالغنا وأمعنا فى الشكوى منها حتى زالت، ولن يكون مجدياً بعد الآن لطم الخدود وشق الجيوب حزناً وندماً على ضياعها.
أما درة تاج المكاسب والفوائد التى يفيض بها مشروع مبارك لإعادة تفصيل الدستور القائم، فهى خلو هذا المشروع من أى سيرة للمطلب الذى أجمع عليه - تقريباً - كل خلق الله فى هذا البلد، أى تعديل المادة 77 وإعادتها إلى نصها الأصلى الذى كان يقيد مدد تولى منصب الرئاسة بمدتين اثنتين، قبل أن يلعب الأستاذ المرحوم أنور السادات فى صياغتها جاعلاً القعدة الطرية فى هذا المنصب مفتوحة وبغير حدود طالما الملاك عزرائيل عازف عن زيارة القصر الرئاسى.
لكن الرئيس مبارك تطوع مشكوراً فى تصريحات متواترة أدلى بها الأسبوع الماضى بتوضيح سر وفلسفة الإبقاء على الصيغة الحالية للمادة الدستورية المذكورة، إذ قال سيادته ما معناه :إن وضع سقف فى الدستور على مدد بقاء الرئيس فى السلطة فيه عدوان وافتئات و حجر على حق الشعب فى اختيار رئيسه الذى يفضله ومابينامش الليل من حبه وما يقدرش يعيش من بعده.
وطبعاً لم تخل الساحة من مغرضين انتقدوا واستهجنوا فوراً هذا الكلام، وأطلق هؤلاء العنان لخيالاتهم المريضة وتبجحوا بالحديث عن خطة تستخدم فيها التعديلات والتفصيلات الدستورية لضمان إبقاء السلطة امتيازاً وحكراً على أعضاء أسرة الرئيس مبارك، وتفتقت قريحة بعضهم عن حجج واهية ساقوها لإثبات هذا الزعم، من نوع أن الاستجابة لمطلب تعديل المادة 77 الذى يحظى بما يشبه الإجماع من كل قوى المعارضة فى البلاد لم يكن ليكلف الرئيس مبارك شيئاً لو أن الأمر يتعلق به شخصياً، على أساس أن قوانين الطبيعة ترجح أن سيادته متعه الله بالصحة والعافية، لن يكون بعد أكثر من 16 عاماً 4 سنوات باقية من ولايته الحالية وولايتين كاملتين أخرتين فى وضع يسمح له بطلب البقاء فى الحكم مدة جديدة.
وقد حاول بعض هؤلاء الذين فى قلوبهم مرض أن يصطنعوا تناقضات شكلية فى تصريحات مبارك، واستغربوا بالذات تصويره لمطلب دستورى يفتح باب التداول السلمى للسلطة على أنه قيد يكبل إرادة الشعب ويعطل حقه فى الاختيار، وتساءلوا بخبث.. متى كانت الدساتير تولد وتقر بعيداً عن رغبات الشعب وإرادته الحرة؟!.. ثم جاوبوا..إنه اعتراف ضمنى واضح من الرئيس بأن مشروعه لإعادة تفصيل الدستور الحالى سيمر.. سيمر بالذوق أو بالعافية والتزوير!!
والحقيقة لو العبدلله مكان الرئيس لكان تعليقى على هذه الوقاحة.. أيوه المشروع ح يمر بالعافية وبالتزوير .. حد ليه شوق فى حاجة؟!

 

اللعب

هل يمكن للاطفال كل يوم

خيارات عرض التعليق

اختر الطريقة التي تفضلها لعرض التعليقات، ثم اضغط على "احفظ الإعدادات" لتفعل التغيرات.

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
7 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.