- No upcoming events available
د.يحيى القزاز
الأستاذ محمد حسنين هيكل
نحن جيل تشكلت رؤاه على أفكارك وتحليلاتك، حتى من يختلف معك لا ينكر ذلك. وعرفنا معنى الحرف ودلالته وإمكانية فعله ورد فعله، ومتى يقال، ومتى يلمح به، وأيضا متى يصرح به. وتعلمنا أن في حياة الأمم منعطفات لا يمكن القفز عليها، أو الاختفاء في جحورها لتمرير ما هو قوى ولا يمكن مواجهته، لكن يمكن تهدئة السرعة لعبور المنعطف والوصول للهدف بأقل الخسائر. وتعلمنا أن أزمات الدولة هي التي تشكل شخصيتها، وتتحكم في مصيرها، وأن محصلة إدارة الأزمة هي الفرازة الوحيدة لمعرفة طريقة تفكير المدير سواء كان فردا أم نظاما، ومعيار وطنيته والانحياز لشعبه وأمته من عدمه. وعرفنا أن الحفاظ على الأمن القومي، هو من أهم مرتكزات الدولة، وأهم عوامل استمرارية النظم الوطنية، والتفريط في الأمن القومي بالغباء أو التغابي أو التآمر، هو تفريط في سيادة الدولة، وبداية انهيار النظام الحاكم مهما اعتمد على أقلية داخلية متواطئة، أو قوي خارجية داعمة له. وعرفنا أن التفريط في الأمانة أو التقصير في أدائها هو نوع من أنواع الخيانة التي لا تغتفر.
أعرف أن وقتك ضيق، لكن خطورة الحدث وأُثاره المستقبلية، دعتني أكتب إليك طالبا رأيك في حينه، بعد أن كتبت للنخبة وللعقلاء في النظام أستحثهم لخطورة أزمة "مشكلة سيناء"، وضاعت كلماتي أدراج الرياح. قد يرى البعض أن المشكلة تافهة لأقلية خارجة عن القانون، وننسي لماذا ومتى يخرج الناس عن القانون؟ ويرى البعض أنها مشكلة بسيطة وصغيرة، وننسى أن عظائم الحرائق تبدأ من مستصغر الشرر، ويرى البعض أنها في بدايتها، وأتفق معهم، وأضيف أنها في بداية مرحلة التبلور والتعبير الحقيقي عن الأزمة، وفرض أمر واقع جديد لها، لكنها في نهاية مرحلة التكوين الجنيني الذي يصعب إجهاضه والتضحية به بسهولة لسلامة الأم أو الأمة.
ما دفعني للكتابة أولا: ما قلته في حوارك مع الأستاذ "محمد كريشان" في البرنامج الشهير "مع هيكل" في الحلقة الخاصة عن الوضع الراهن في غزة بين "حماس" و "فتح" ونصه "إن إسرائيل تزق غزة في اتجاه سيناء"، وهي جملة تبدو عطفا على ما سبق، وتبدو للبعض اعتراضية، نراها في محلها وطلقة في اتجاه هدف، وترى أنت أنه ليس وقت الحديث عنه، أو تؤجله لموعد آخر قادم، ونحن نستحث الموعد القادم، ونستعجله لأهمية الأزمة وخطورتها.
ثانيا: إنني زرت العريش (ضمن وفد من حركة كفاية مكون من د. مجدى قرقر، د. محمد شرف، والمهندس عبدالعزيز الحسيني)، متخطيا حدود المدينة إلى حدود القرى المصرية بشمال سيناء مع فلسطين المحتلة بالعدو الصهيوني، لاستطلاع الأزمة على أرض الواقع، فمن يسمع ليس كمن يعاين ويرى، وكانت محصلة الزيارة، من غير الخوض في التفاصيل المسموحة والممنوعة تنذر بالخطر.
ثالثا: تصارع جهات سيادية على إدارة ملف الأزمة، واعتراف بعضها بخطأ ما يدور في التعامل مع المواطنين "السيناوين" (أهل سيناء).
ثالثا: التمييز العنصري في المعاملة -على حد تعبير أهل سيناء- بين "السيناوين" وما عداهم من أبناء مصر، حيث يتم احتجازهم وتفتيشهم في كمائن الشرطة بشكل مهين وانتهاك أعراضهم، والسماح لغيرهم بالمرور بسلام وأمان واحترام، وسوء معاملة سياراتهم التي تحمل لوحاتها المعدنية ملاكي أو أجرة أو نقل سيناء، وتغلبوا على هذه المشكلة واستبدلوها بالترخيص في أماكن أخرى مثل القاهرة وغيرها، ويمكن تمييز العديد من سيارات أهل سيناء تحمل لوحات معدنية لمحافظات أخرى، ويتندرون في سخرية بأنهم تخلصوا على مشكلة السيارات بترخيصها بعيدا عن اسم سيناء، وهل يتغلبون على مشاكلهم وتوقفهم في الكمائن بتغيير هويتهم السيناوية؟
رابعا: يتبع الأمن حاليا سياسة المستعمر القديم، سياسة "فرق تسد"، للفرقة بين شيوخ القبائل وشبابها، إلى الحد الذي دعا الشباب يرددون شيوخ الحكومة بدلا من شيوخ القبائل، وهناك بالطبع استثناءات.
خامسا: انتشار البطالة وفصل الموظفين من وظائفهم، ووصول عدد المعتقلين حسب البعض إلى حوالى 5 آلاف معتقل، وصدور أحكام غيابية جزافية في حق المعتقلين، ووصل مجموع أحكام بحق شاب في الخامسة والعشرين من العمر إلى 75 سنة، وآخر إلى خمسين سنة، وغالبيتهم قنابل موقوتة مطاردون في الجبال. وبحكم مهنتي الجيولوجية وسطحها الجغرافي يمكن القول إن تعامل الأمن بقوة السلاح مع أهل سيناء سيكلف الخزينة المصرية الكثير، وسيزرع بؤرا إرهابية تستنزف الدولة أفقيا ورأسيا، ولا مناص من تدخل دولي بحجة حماية الجيران على الحدود، وضبط أمن نظام مصري فقد قدرته على السيطرة وإدارة الدولة بفعل عوامل الزمن من شيخوخة متأخرة، أو حداثة مبكرة تعرف من التجارة أكثر ما تعرف عن السياسة، وتعرف من النهب أكثر ما تعرف عن الاقتصاد، وتعرف من الولاء للشلة أكثر ما تعرف عن معنى الوطن وأهمية حدوده، وتعتمد على الخارج أكثر ما تثق في الداخل.
سادسا: توحد معظم القبائل، وانتقال الرأي المؤثر من شيوخ القبائل إلى شبابها لمطالبهم الخاصة بالإفراج عن كل معتقلي سيناء بغير ذنب، وضمان محاكمة عادلة للمتهمين، محاكمة الضباط الذين قتلوا ثلاثة مواطنين بلا سبب، مراجعة كل الأحكام الغيابية والملفقة، تشكيل لجنة لدراسة انتهاك حقوق الإنسان في سيناء من الساعة 12 ظهرا يوم 25/4/1982 وحتى تاريخه ومحاكمة مرتكبيها.
سابعا: بدأ التجهيز الفعلي لاعتصام أول يوليو لأهالي سيناء، بعد أن حنث النظام بالاستجابة لمطالبهم، ويلاحظ أن الحركة في سيناء بدأت تتحول (أو في مراحلها الأولى والتي يمكن حاليا بالعقل تهدئتها واحتوائها إذا ما استجاب النظام لطلباتهم) بدأت الحركة تتحول من الفعل التكتيكي المناور إلى الفعل الاستراتيجي الواضح، بمعنى تحديد الخطة والهدف وطريقة العمل، ولا مزيد.
ثامنا: الاستهانة بما يحدث في سيناء، وتصويره على أنه فعل أقلية خارجة على القانون، ومحاولة البعض، بحسن نية ووطنية عمياء، اختزال الأزمة في "مركز ابن خلدون" وتدخلاته، والهجوم على د. سعدالدين ابراهيم، فيه عدم وضوح في الرؤية، مع العلم بأن د. سعدالدين ابراهيم لم يكن منشئا لأزمة ولا صانعا لها، بل هو كاشفا وفاضحا لها، ومنوها بصراحة واضحة عن خطورتها وتدويلها. للرجل أجندته وأفكاره التي تتعارض معنا، وإلقاء اللوم عليه وهجومه هروب من حل الأزمة، ومدخلات لمخرجات لا نرضاها، وتصب في النهاية في خدمة هدف لا نتمناه ولصالح من نختلف معهم وكأننا نخدم على أجندتهم بدون أن ندري وبحسن نية مرفوضة. والوطنية ليست تراشقا بالألفاظ، واتهام البعض بالخيانة، إنها إدراك الحقائق وتميزيها من ضعف وقوة، والوطنية هي الأنانية المفرطة في عشق الوطن وامتلاكه، وتملكه لجميع المواطنين بمعزل عن الأعداء، والدفاع عنه حتى الشهادة.
وأخيرا نستحلفك بالله أن تتحدث وبسرعة في برنامجك الشهير -ملتقى المتفقين والمختلفين معك- مع المذيع اللامع الأستاذ "محمد كريشان" عن عمق الأزمة، عن سيناء المجسمة ثلاثية الأبعاد: الماضي والحاضر والمستقبل، التي يرى كل منا بعدا واحدا حسب الخبرة والقراءة والتخصص ومجال الرؤية وحدة الإبصار، وأنا أولهم، وهناك في البحث العلمي البعد الرابع وهو الزمن.
حديث لجيل –للأسف- فقد البصر والبصيرة، ولجيل آخر –للأسف ثانية- لم يمكنه عمره من رؤية إنجازات وقيادات وطنية، جيل شاب بمقتضى "اتفاقية كامب ديفيد" نشأ في حب إسرائيل، وعلى طاعة التطبيع، وعلى وصف الحكام العرب لقادة الصهيونية من أمثال شارون وأولمرت وباراك وغيرهم بالوفاء بالوعد، اللهم إذا كان هذا الوعد هو فناء فلسطين، واستعباد العرب.
لكل ذلك (وما لديك أكثر)، من أجل جيل يستمع للتلفاز أكثر من الجلوس للقراءة، تكلم قبل فوات الأوان للتنبيه والتوضيح والتذكرة، من اجل الحيرى من أبنائك، والضالون من أحفادك بفعل تشويه الحقائق وتزوير التاريخ.
ملاحظة شخصية: عدت من على حدود سيناء وفلسطين المحتلة، وقلبي معلق هناك. يا ليت كل مصري يزور سيناء ليرى حقيقة المشاعر ووحدة الوطن، لتهب قوافل المصريين من الوادي تحج إلى سيناء ففيها كلم موسى ربه، ولهم فيها حق.
د. يحيى القزاز
القاهرة 30/6/2007
- 1952 reads

نستحلفك
علِّق