كفاية تاريخ الحركة

هل فعلا بات علينا توديع أهم حركة معارضة في تاريخ مصر ... حركة كفاية؟

 [img]http://www5.0zz0.com/2007/07/20/14/30310527.png[/img]

 

 

 

ترجمة و تقديم: داليا زيادة

 


 

في عدد الواشنطن بوست الصادر بتاريخ 18 مارس 2007, كتب أنتوني شديد المقال الذي رأيناه من الأهمية بحيث قمنا بترجمته و نقله إليكم عبر موقع ثروة_مصر, حيث يعد المقال وثيقة تاريخية هامة ترصد الخمس سنوات الأخيرة من الحياة السياسة في مصر و التي شهدت تمردا في الحركة الإصلاحية و جبهة المعارضة لم تشهده أي من الأجيال السابقة, كما يؤرخ المقال لظهور حركة كفاية التي راحت و للأسف الشديد تلفظ أخر أنفاسها تحت مرأى و مسمع الجميع منهم من يرثيها بالدموع و منهم من يودعها بشماتة, و منهم من ينظر إليها على أنها تجربة يجب أن نتعلم منها و نتجاوزها في محاولة للنهوض من جديد و تأسيس حركة جديدة خالية من الأخطاء و يصعب أن تواجه نفس المصير.   

 




 

تصُور خلاف ذلك في مصر

حملة معارضة تجسد رؤية بوش تتمزق الآن


 

كتب: أنتوني شديد

 

الأحد, 18 مارس 2007

 



 

القاهرة – طيلة عقدين, و السياسة في القاهرة – أكبر عاصمة عربية – تعني قيادة الرئيس حسني مبارك: بأحيان من الرتابة و ندرة من الإثارة.

 


 

لكن منذ سبعة أعوام, بينما كان يلفح حر الصيف القائظ  سفح النيل, ارتجت شوارع القاهرة بفعل الانتفاضة الفلسطينية, و أقيمت احتجاجات سمحت بها الدولة أحيانا, و أخذ النشطاء في جمع مساعدات للفلسطينيين, حيث يذكر أن الفلاحات كن يتبرعن بما يملكن من كرادين ذهبية, و أكياس أرز نصف مفتوحة, حتى أفراخ الدجاج الصيّاحة, ثم في العاشر من سبتمبر 2001, في إحدى مظاهراتهم أمام أحد مقار البيروقراطية المصرية المعروف باسم "المجمع", علت صيحة شرسة, كتحية للسلطة على الطريقة الستالينية, لم يذكر أحد أنه سمعها من قبل في أي احتجاج.

 


 

"يسقط حسني مبارك!" هكذا تذكر الناشط وائل خليل شخصا يهتف بها.

 


 

أعقب ذلك ظهور الحركة الديمقراطية ذات الطموح الأكبر في العالم العربي, و التي احتشدت ضد مبارك, ابن الثامنة و السبعين ربيعا, المعروف بقلة كلامه, و الذي كان قائدا سابقا بالقوات الجوية, قبل أن يحكم مصر لفترة أطول من فترة حكم أي قائد أخر منذ عهد محمد علي, مؤسس الدولة الحديثة في القرن التاسع عشر. فقد مثلت الحركة العلمانية الواسعة و الواعية فنيا, رؤية إدارة بوش المؤكدة على أن الشرق الأوسط يرقد فوق فوهة بركان استعدادا للتحول بفعل الإستراتيجية التي قدمتها الولايات المتحدة في العراق و العالم بعد هجمات 11 سبتمبر. و من سخرية القدر, ظهور معارضة متعمقة ضد السياسات الأمريكية تلهب حماس المحتجين قبل كل تحول تقريبا.

 


 

أما اليوم فقد عمت الفوضى أرجاء تلك الحركة, و راح مؤيدوها الأكثر التزاما يفسحون المجال لانعدام الرؤية و عدم القدرة على أسر خيال الشعب المصري, و أنشق قياديوها نزاعا على كل شيء بدءا من الحجاب و حتى اتهامات الفساد, و أخذت الحكومة تسحق قواها المحركة من خلال الإفلات من العقاب و نشر عساكر الأمن كالجراد للقبض على عشرات النشطاء, و ترهيب آخرين, و التنويه على الباقين بعدم التهاون مع أي مظاهرة احتجاجية غير مسموح بها. و داخل تلك الفجوة اجتمع مؤيدو الحكومة و أعداؤها على الاعتقاد بأن الضغط الأمريكي من أجل التغيير, و الذي حظي ببعض التأثير في الماضي, قد هدأت ثورته الآن.

 


 

يقول الناشط و الكاتب العلماني الذي يحاول الحصول على تصريح لنشر صحيفة "البديل" الجديدة: "لقد اكتمل الإحساس بالعجز" و أضاف "لقد عدنا إلى الوضع الذي كنا نسعى لتحرير البلاد منه".

 


 

إن منحنى الحركة الديمقراطية في مصر هو قصة الكشف عن ملابسات السياسة الأمريكية و التناقضات التي تشكلها طول الوقت, و في النهاية يقول النشطاء و المسئولون, أن إدارة بوش فضلت سياسة الواقع على الوعود, بمراودة حلفائها مثل مصر في المنطقة المكتنفة بالصراعات في الأراضي الفلسطينية و لبنان, و الحرب في العراق و شبح إيران الصاعد, كما أن الجذر و المد الحادث في الحركة هو قصة مصر أيضا – مصير الأفكار في مواجهة القوة, و التغيير في مواجهة القوى المتراكمة عبر عقود من الدكتاتورية و الركود في دولة كانت تعد القائد الغير مفند للعالم العربي. ففي خريف حكم مبارك, ورث جيل من النشطاء بلدا, ابسط ما يقال, أنه لم يعد يلقي بالا للسياسة.

 


 

إنها قصة بدأت مع الصيحة التي سمعها خليل ذو القد النحيل و اللحية الطويلة في 2001

 

 



 

محفزات على اتخاذ موقف

 


 

"لقد أحببته" هكذا قالت عايدة سيف الدولة, طبيبة نفسية بالغة من العمر 51 سنة, تعليقا على الشعار, بينما كانت تحتسي قهوة فورية في شقتها الضيقة الواقعة بالقرب من جامعة القاهرة.

 


 

و تذكرت قائلة "لقد كان مزعجا بعض الشيء" ثم أكملت "كان الناس مستعدون للتحدث بحرية عن فلسطين و لم يكونوا على نفس القدر من الصراحة في التحدث عن مصر. كيف لك أن تعبر عن تضامنك مع شعب يكافح بينما أنت نفسك لا تكافح؟"

 


 

منذ أيام الزخم في ظل حكم جمال عبد الناصر رئيس القومية العربية المصري, و حتى حقبة مبارك الطويلة, التفت المعارضة الضعيفة غالبا في مصر حول محورين: التيارات اليسارية التي ضمت الماركسيين و الاشتراكيين و الشيوعيين, و الحركة الإسلامية الأكثر نفوذا و التي تعاني من اضطهاد في أغلب الأحيان من قبل الدولة. سيف الدولة تنتمي إلى اليسار, فقد تعرض عمها الشيوعي للحبس في فترة عبد الناصر, و بينما كانت تدرس بالمرحلة الثانوية شاهدت رجال الشرطة يقتحمون بيتها عام 1972 للقبض على والدها, المحامي الاشتراكي.

 


 

بعدها عاشت حياة الناشطين و أنصب تركيزها على نشر قضايا المرأة في محاولة لضمان الرعاية الصحية الأولية للفقراء و بدرجة أكبر مساعدة ضحايا التعذيب. "إن قصصهم بلا نهاية" قالتها بصوت يغلفه الرهبة "بلا نهاية".

 


 

ثم وقعت بعد ذلك الانتفاضة الفلسطينية في سبتمبر 2006, و راحت صورها تتناقل عبر الوسائل التكنولوجية و من خلال النشطاء الأكبر سنا مثل سيف الدولة. و راحت الجزيرة, شبكة التليفزيون العربية الفضائية الناقدة, تبث أفلام حارقة, و تم الترويج لمقاطعة البضائع الأمريكية و الإسرائيلية عبر أحدث الوسائط: البريد الإليكتروني, الإنترنت, و الهواتف المحمولة. و نتج عن الحملة حركة طلابية لم تشهدها القاهرة منذ الاضطرابات التي وقعت في سبعينيات القرن الماضي, و كان لما رآه الكثيرون على أنه عدوان أمريكي إثر هجمات 11 سبتمبر أثرا في إلهابها.

 


 

تقول سيف الدولة: "لقد نشأنا في حقبة عبد الناصر, لذلك كانت فلسطين جزءا من نفسيتنا, إن راق لك ذلك" و أضافت "لكن كان هناك هذا الجيل الجديد, أطفالنا الذين لم يعيشون ذلك. هذا هو المدهش في الأمر, الجيل الجديد"

 


 

"كانت تلك هي أول مظاهرات نزلنا إليها" هكذا قال علاء سيف, ابن الخامسة و العشرين, ذو الجسم الممتلئ, و النظارات, الذي يتميز بموهبة في التعامل مع الكمبيوتر بالرغم من أنه لم يبلي بلاءا حسنا في المدرسة, و الذي يحمل غضبا نحو أي سلطة من أي نوع, فضلا عن ذلك الغرور المصاحب للشباب.

 


 

لم يتحمس سيف و زوجته منال حسن لحين وقوع غزو العراق بقيادة أمريكا في سنة 2003, عندما جاشت الحشود الساخطة على الهجوم و تحالُف مصر مع الولايات المتحدة و السماح بمرور السفن الحربية الأمريكية عبر قناة السويس, و ماجت عبر ميدان التحرير بالقاهرة, و تركزت عند مقر الحزب الحاكم, ثم حاولت الانتقال إلى السفارة الأمريكية حيث قامت كتائب المجندين ذوي الخوذات التابعين لقوات الأمن المركزية بإعاقة تقدمهم. و قد تذكر سيف أن شخصا أقتلع لافتة لمبارك, في حين ذكر خليل الناشط المخضرم أن أحدهم أشعل النار في صورة الرئيس, و بمرور الساعات تحولت الأناشيد المناهضة للولايات المتحدة إلى كورال من الاحتجاجات ضد حكومة مبارك.

 


 

و قال خليل "لقد شعرت أننا لو استطعنا الإبقاء على تلك الروح لفترة من الزمن, سنقدر على تحدي الحكومة," و أضاف "إن النتائج كان متفق عليها ضمنيا: تعالوا نتكلم عن مصر. تعالوا نتكلم عن الدكتاتورية. تعالوا نتكلم عن مبارك. فجميعهم فصول لنفس القصة"

 

 



 

ميلاد الحركة

 


 

لمدة 11 سنة, حاول أبو العلا ماضي الحصول على موافقة الحكومة على تأسيس أول حزب سياسي إسلامي, لكن معتدل. حيث تجد أرفف مكتبته ممتلئة بربطات تضم ألاف المقالات و المقابلات التي أجراها هو و أتباعه في محاولة لإثبات أن جماعته السياسية لها مكانا في التيار السائد.

 


 

إن ماضي المولع ببدل ماركة بيير كاردان و سريع الابتسامة, هو رجل كثير الهزار يصعب تصنيف أصدقائه: مسيحيون أقباط, مسلمون ملتزمون, يساريون و ناصريون و إخوان مسلمون. و طيلة سنوات, اعتاد دعوتهم مع آخرين لمنزله, الذي هو عبارة عن شقة في الطابق الأول تطل على الأهرامات, لمشاركته في تناول الإفطار – الوجبة التقليدية لكسر صيام نهار رمضان, ففي نوفمبر 2003, أمتزج 22 شخص من كافة الأطياف, منهم ماركسيون و منهم نشطاء إسلاميون, على مائدة إفطار واحدة. و بعد وجبة فاخرة من الحمام المحشو و طبق من شوربة الملوخية, جلسوا ساعات لاحتساء الشاي و مناقشة السؤال الذي طرحه ماضي.

 


 

فقد تساءل: "ماذا نفعل؟"

 


 

في الأشهر التالية, انضم الصحفي عبد الحليم قنديل بين آخرين للمجموعة, و وضعوا لها اسما هو "الحركة المصرية من أجل التغيير", لكن السؤال استمر في الإلحاح, حتى مع تمكن الاحتجاجات من تشكيل قوة. وقتها, كانت العوامل المختلفة تشكل مزيد من الإثارة للدائرة الناشئة من النشطاء: ماذا يفعلون لتحويل الكلام الدائر في الصالونات إلى سياسة في الشارع؟ ما هو الدور الذي ستلعبه الولايات المتحدة؟ و كيف تستطيع الجماعة الوليدة مواجهة الدولة التي أثبتت, في وقت الأزمة و الشعور بالتهديد, رغبتها الدائمة في توظيف قوتها - المتمثلة في قوات الأمن - التي لا تهزم ؟

 

 



 

إنذار حاد

 


 

منذ بداية تسعينيات القرن الماضي, بدأت جرائد المعارضة القليلة في مصر تتحدي الحكومة. لكن حتى عام 2004 و بعد أن تشكلت جماعة ماضي و حُمّلت الاحتجاجات بنقد غير مسبوق لرمز يعرف ببساطة بـ "الرجل الكبير", كان الهجوم على مبارك مازال خطا أحمرا لا يستطيع الإعلام الإخباري تجاوزه, و هذا هو ما جعل أعمدة قنديل, رئيس التحرير سريع الكلام ذو المظهر الزاهد و النظارات, صادمة, حيث كان يلجأ لاستعارات صغيرة في كتاباته, كأداة اعتاد الإعلام العربي على استخدامها في النقد. و فضلا عن ذلك, كان قنديل حادا عندما قام في الأشهر التالية للتساؤل الذي طُرح في لقاء رمضان, بوضع الشكوك التي تساور الجميع أمام أعين قرائه: هل سيتخلص مبارك من الذرائع التي تقول أنه بالغ في استمراره كرئيس للجمهورية و أنه سيورث الحكم لأبنه جمال؟

 


 

في جريدة العربي اليسارية المعارضة, أقترح قنديل أن الأب و الابن يمثلان "رئاسة مزدوجة".

 


 

فقد كتب منتقدا أن لمبارك قدرات "إلهية".

 


 

بعد ذلك بأقل من شهر – يوم الثلاثاء, 2 نوفمبر 2004 – ذهب زميل لزيارة قنديل الساعة 3 صباحا بالقرب من منزله الواقع على الطريق السريع المؤدي إلى الأهرامات, و كان ذلك في شهر رمضان جديد, و هو الشهر الذي يصوم فيه المسلمون و لا تنام فيه القاهرة. بعد عدة دقائق, انطلقت سيارة بها أربعة رجال مسرعة باتجاهه ثم توقفت, و قفز منها رجال أوثقوا عينيه و زجوا به في المقعد الخلفي, ثم انطلقت السيارة في شوارع القاهرة دون أن تتوقف في نقاط التفتيش.

 


 

يقول قنديل متذكرا "ظننت أن موتي قد حان"

 

 


 

في أثناء الطريق الذي استغرق ساعة, يذكر قنديل أنه حصل على رسالة واضحة, حيث قالوا له: "و لا كلمة زيادة عن الناس الكبار". و أنه في المرة القادمة سوف يُقتل. و بعد ذلك بدقائق قليلة, رد أحدهم على هاتفه المحمول, "نعم يا فندم" ثم أخذ يُنهق مستجيبا للأوامر حسب ما يتذكر قنديل.

 


 

توقفت السيارة على الحدود الخارجية للمدينة, على الطريق المؤدي إلى السويس. يقول قنديل أن الرجال جردوه من ملابسه و ضربوه و سرقوا هاتفه المحمول و مبلغ يعادل 100 دولار تقريبا, ثم تركوه بعد أن ألقوا به في الصحراء على جانب الطريق. و أخيرا وجد من يوصله إلى حيث كان, و بعد ذلك رفع شكوى ضد وزارة الداخلية التي أنكرت تورطها بأي شكل, و قال مكتئبا "سوف تبقى في المحكمة للأبد".

 


 

في مكتبه المترامي بوسط البلد, في نهاية السلالم الحجرية, التي حولتها الخطوات إلى انحناءات و أقواس, ارتسم الغضب على وجه السيد رئيس التحرير بعد أن تذكر الحادث الذي يراه الكثيرون الآن نقطة تحول للمحبطين بفعل القمع الوحشي المتزايد. و قال إن الحكومة, طبعا, ليست ديمقراطية تنطوي بداهة على الحرية, و لكنها ليست ديكتاتورية تستلزم القوة كذلك, ثم أضاف باشمئزاز "إنها أشبه بالصخر الذي يخفي الحطام خلفه".

 

 

 



 

"كفاية, طفح الكيل!"

 


 

إن الماضي في القاهرة يطاردك و يجبرك على تخيله أحيانا. فمن التاكسيات الموجودة أمام مكتب قنديل, تنجرف أغاني الراحل عبد الحليم حافظ مع عزف الكمان الحزين, بطول الشوارع الملتوية على فوضاها الخاصة, و تختلط في بعض الأحيان مع ألحان أم كلثوم, الاسم الذي يُنطق غالبا  مع حنين للحقبة الماضية عندما سادت مصر العالم العربي بلا منازع تقريبا.

 


 

يقول أسامة الغزالي حرب, الأكاديمي و رئيس التحرير الذي استقال مؤخرا من الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم تعبيرا عن احتجاجه "لم يحقق هذا النظام أي شيء في العقدين أو الثلاثة عقود الأخيرة, ركود كامل في كل مناحي الحياة. كل ما عليك هو السير لدقائق قليلة في الشارع" و أضاف بصوت يعتليه الإحباط "كل شيء تراجع, كل شيء! كل شيء!"

 


 

في عام 2004, أفرز غضب حرب, و قنديل, و غيرهم كلمة بسيطة: كفاية. كانت تسمع في التاكسيات بينما يوقف السائقون محركاتها في الشوارع المتشابكة المجهولة, و كان يلفظها النشطاء الغاضبون من الطريقة التي يُعامَل بها قنديل, و كانت تُهمَس عند الترشيح المحتمل لفترة رئاسة خامسة لمبارك, الذي قال مرة أنه توقع فقط أن يكون رئيسا للطيران المصري أو سفير مصر في بريطانيا, و قد علا الهتاف بنفس الكلمة في ذلك العام في المظاهرة التي جمعت سيف الناشط الشاب الذي بدأ التدوين عن المظاهرة و سيف الدولة التي تذكرت الكلمة.

 


 

قالت سيف الدولة "التقطناها هكذا" و هي تفرقع أصابعها. "كفاية, لقد طفح الكيل بنا!" و أكملت "كفاية, انتهينا! كفاية, اتركونا!"

 


 

ثم عرفت الجماعة التي تشكلت على مائدة إفطار ماضي في رمضان باسم كفاية. و أصدرت أول بيان لها, في صورة مانفيستو ينتقد الولايات المتحدة و إسرائيل و كذلك "الديكتاتورية التي تسيطر على كافة أوجه النظام السياسي المصري" و في 12 ديسمبر 2004, أقامت الجماعة أول احتجاج لها.

 


 

كانت تلك هي المظاهرة الأولي التي تستهدف مبارك فقط, أكثر من 500 رجل و امرأة وقفوا في صمت أمام المحكمة العليا, و وضع كثيرون منهم ملصقات صفراء على أفواههم أو على صدورهم, مكتوب عليها باللون الأحمر "كفاية".

 


 

"كانت كالحلم," هكذا تذكرها جورج إسحاق, البالغ من العمر 68 سنة, و يعمل مديرا لمدرسة ثانوية, كانت بدايته كناشط في أثناء الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1956, و أصبح بعدها قائد الجماعة, و أضاف "كانت تلك هي المرة الأولى التي يستمع فيها الشعب المصري لرؤية مغايرة"

 


 

تبادل إسحق التفاؤل العارم مع الآخرين في تلك اللحظة, مع الإحساس بأن الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه و الذي يشكل جزء أساسي من هيبة الحكومة قد تم محوه. و نظرا لانعدام الدعم الشعبي و شرعية الإيديولوجيات القديمة مثل القومية العربية أو المصرية, تعتمد الحكومة الآن, حسب اعتقاد النشطاء, على المكانة الفرعونية للرئيس. بمعنى أن الدولة ستسقط بسقوطه.  

 


 

كان ظن قنديل أن الحكومة قد تبدأ في الانهيار لو نزل 100 شخص الشارع, بينما رأى آخرون أن الأمر يستلزم 1000, و كان إسحاق مقتنعا مثلهم بهشاشة الدولة, فقد قال "أعطني التليفزيون لمدة 24 ساعة, و سو ف أغير مصر بالكامل" و أضاف "باب التغيير مفتوح, و لا يمكن لأحد إغلاقه مرة أخرى. أبدا"

 

 



 

ازدهار الحركة

 


 

شهدت الأشهر التالية في عام 2005 نمو لحركة المنشقين المصريين لم تشهده الأجيال السابقة, فقد بدأت جماعة الإخوان المسلمون التي تعد أقدم حركة إسلامية في مصر و بالتالي أكبر و إن كانت أهدأ جماعة معارضة, في تنظيم احتجاجات. و في تحرك نادر بدأ الإخوان المسلمون و حركة كفاية العلمانية في أغلبها في التواصل معا, فيما يعد كسرا لأحد المحرمات التي طال الإبقاء عليها.   

 


 

ألقي القبض على أيمن نور, زعيم أحد الأحزاب المعارضة في يناير, و أفرج عنه في مارس (فقط ليدان و – مع الألم – يسجن مرة أخرى في ديسمبر 2005). كما ضغط القضاة المصريون لممارسة الإشراف على الانتخابات سيئة السمعة في مصر, و هكذا راحت جماعة جديدة تولد كل بضعة أسابيع: شباب من أجل التغيير, محامون من أجل التغيير, أدباء و فنانون من أجل التغيير, و عند نقطة ما, فلاحون من أجل التغيير, و راحوا جميعا يسحبون البساط من تحت أقدام الأحزاب المعارضة البالية, التي تم تعينت و شرعت منذ زمن طويل. كما تغطت الواجهة الرخامية لمبنى نقابة الصحفيين, بلافتات كان مكتوبا على أحدها "لا إصلاح سياسي بدون حرية الصحافة".

 


 

في المظاهرات, استحضر البعض أغاني الشيخ أمم, مطرب المظاهرات الكفيف ذو الشعبية الكبيرة و الذي توفى عام 1995, و منها: "هما مين و إحنا مين/ هما الأمرا و السلاطين/ هما بيلبسو أخر موضة/  و إحنا بنسكن سبعة في أوضة" بينما عبرت أغاني أخرى بصورة مسرحية "أصحي يا مصر, و عيشي يا مصر".

 


 

لكن حتى في تلك الشهور المفعمة بالحيوية في 2005, بينما كان المسئولون الأمريكيون يضغطون على الحكومة المصرية من أجل الإصلاح, بدأ النشطاء يقلقون. لماذا لم تنجح الاحتجاجات – المائة شخص الذين تمناهم قنديل – في جذب حشود أكبر؟

 


 

أعترف البعض بأن المفارقة بدأت في الظهور في بلدة تجردت من قدراتها السياسية عبر عقود من النعاس في الحياة المدنية: فكلما ازدادت حرية النشطاء, كلما ضعف الدعم الشعبي.

 


 

كانت جماعة الإخوان, ذات القدرة الأكبر على حشد الجماهير, متراخية في الغالب, على الرغم من مشاركاتها المترددة, حيث قال علي عبد الفتاح, أحد قادة الإخوان "إن الناس تفكر في سبل العيش قبل أن تفكر في الحرية," و أضاف "لو كان هناك أمل في جدوى الاحتجاجات, لكانوا تظاهروا منذ زمن بعيد", كما أعترف إسحق, قائد حركة كفاية, هو الأخر بالتحدي قائلا: "شعبنا شعب ساذج".

 

 


 

أما سيد الناشط و الكاتب العلماني كان مباشرا أكثر, فقد قال حينها "إن هناك أزمة تلوح في الأفق," و أضاف "لقد بلغنا الرسالة, و عبرنا عن الغضب, و لكننا بعيدين عن القول بأن الشعب يؤيد كفاية و يشارك في النضال بأي أرقام فعلية"

( categories: )

كفاية البحيرة