اوراق للمناقشة
Submitted by EDITOR1 on الخميس, 20/09/2007 - 20:38.
خطة لـ"كفاية ثانية"

 

معا لخلع الديكتاتور

 

 

عبد الحليم قنديل

 

 

قد تكون المشكلة – في جملة – هي أننا نعرف ما لا نريده بالضبط وباليقين وبالتفصيل، بينما لا نعرف ما نريده إلا على وجه الإجمال والعموم.

 

أما أننا نعرف ما لا نريده، فهذا مما لا نشك فيه، وما لا يشك فيه أحد غيرنا.

 

نعرف أننا لا نريد هذا النظام بالجملة، فلسنا بصدد مجرد نظام ديكتاتوري استبدّ وعصف، نحن بصدد نظام للانحطاط العام، أو بالدقة: بصدد ركام يسدّ علينا طريق الشمس، ويسدّ على البلد أي طريق معقول للتطور. فمصر – الآن – انتهت لبلدٍ محجوز في الجراج، كل ما كسبته من قوة دفع – عبر قرنين مضيا – تبدد وكأنه لم يكن من أصله، بلد معدوم القيمة – تقريبا – في توازنات الدنيا الفوارة بالحركة من حولنا، بلد أشبه بثقب أسود في تفاعلات التاريخ الذي تكتبه أمم وشعوب نهضت من رماد، بلد فقد استقلاله الوطني الذي تحقق بثورات وانتفاضات عرابي ومصطفى كامل وسعد زغلول وجمال عبد الناصر، بلد تحول إلى مستعمرة أمريكية باحتلال القرار السياسي والاقتصادي والثقافي، بلد منزوع الدور القيادي في محيطه العربي والإسلامي، بلد منزوع السلاح على جبهة سيناء ومنزوع السيادة على جبهة القاهرة، بلد خاضع بالكلية لإملاءات الاستعمار الأمريكي-الإسرائيلي، بلد في خراب اقتصادي مستعجل، بلد كان ينافس "كوريا الجنوبية" في معدلات التنمية والاختراق التكنولوجي قبل ثلاثة عقود ونصف وأصبح الآن في مكانة "بوركينا فاسو" على مؤشر الفساد الدولي، بلد يجري تحطيم وخلع ركائزه الإنتاجية وقلاعه الكبرى التي بناها بالعرق والدم، بلد يجري تجريف أصوله وشفط ثرواته بعصابات النهب العام، بلد تُدهس آدمية مواطنيه بعصا الكبت العام، بلد غاطس – بأغلبيته العظمى – تحت خط الفقر والبطالة والعنوسة، بلد ممزق الروح تجتاحه مشاعر السخط الاجتماعي والإحساس بالذل القومي، بلد محكوم ببيروقراطية اللصوص حيث لا شرعية ولا قانون ولا حتى مقومات الدولة الحديثة التي عرفتها منذ عصر محمد علي، وحيث تحولت مؤسسات الدولة إلى مجرد أقنعة شفافة تفضح الخواء من ورائها. فقد انتهينا إلى حكم مملوكي برأسمالية المحاسيب، وعاد منطق "الإتاوة" يفرض نفسه واصلا بخطوطه الظاهرة والخفية إلى "بيت السلطان"، وانتهى حكم الحزب الواحد إلى حكم عائلة واحدة، انتهينا إلى ملكية بلا دستور، أو بإعدام الدستور ودوس القانون بالنعال.

 

 

هدفنا: سيناريو انتقالي

 

 

وإذا كنا نعرف ما لا نريده لأنه واقع، فإننا لا نعرف ما نريده بالقدر نفسه من الوضوح واتساع المعنى.

 

وأول ما نريده – بالإجمال – هو الإنهاء السلمي لحكم مبارك وعائلته، وهذا هو المعنى الظاهر المباشر لشعار كفاية الأشهر "لا للتمديد.. لا للتوريث".

 

غير أن رصد ما نريده على هذه الصورة لا يكفي، وإن كان مختلفا إلى حد القطيعة مع تصورات إصلاح ما لا يقبل الإصلاح. فقد تلهّت الحركة الوطنية المصرية لعقود في أوهام الإصلاح بالتدريج، بينما تكرّس للطغيان بالجملة، وانتهى الأمر إلى احتقار شعبي عظيم للسياسة.

 

ولا يكفي لرد الاعتبار للسياسة أن نصوغ الهدف بوضوح، ولا حتى أن نعرض على الناس رؤانا عن مجتمع العدل والحرية (مثال: وثيقة مصر التي نريد – نحو عقد اجتماعي وسياسي جديد – إصدارات كفاية – أغسطس 2005)، بل قد يلزم قبلها أن نجيب عن السؤال: وماذا بعد نهاية مبارك؟ أي الطرق نسلك بالضبط؟ وهل من سبيل كي لا تقع البلاد في الفوضى أو تنتهي إلى حكم عسكري مجدد يواصل – ويعيد إنتاج – حكم بيروقراطية اللصوص وجماعة البيزنس؟

 

ونعتقد أن مقترح كفاية عن المرحلة الانتقالية – وقد ظهر مبكرا – قد يصلح جوابا. فخلع الديكتاتور وعائلته لا يعني – بالطبيعة – خلاصا أكيدا من نظام القهر والفقر، إنه فقط مجرد بداية وأول طريق لاستعادة مصر إلى مصر، إنه فقط شرط انتقال من حكم العائلة إلى حكم الشعب.

 

وقد نجازف بتصور أن تمتد المرحلة الانتقالية لفترة أقصاها سنتين، تترأس البلاد خلالها شخصية عامة تحظى بإجماع وطني، وقد نفضل أن يكون قاضيا أو ذي خلفية قضائية، وأن تدير البلاد خلالها حكومة ائتلاف وطني، تحل محل مؤسسات حكم التزوير والطغيان، تحصر مهامها في تسيير الأعمال وإعداد البلاد للحكم الديمقراطي.

 

ونتصور أن برنامج حكم الائتلاف الوطني "الانتقالي" قد يصح أن يتضمن – بالأساس – هذه العناصر الجوهرية السبعة:

 

أولا: إلغاء حالة وقوانين الطوارئ بالجملة، ووقف العمل بتعديلات الانقلاب على الدستور.

 

ثانيا: إطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين، وإلغاء الأحكام التي صدرت بحق مدنيين من محاكم عسكرية أو استثنائية كمحاكم أمن الدولة، وإجراء مصالحة وطنية شاملة بتعويض المتضررين من الاعتقال العشوائي وجرائم التعذيب.

 

ثالثا: إلغاء كافة القوانين واللوائح والمراسيم المقيدة للحريات، وإطلاق الحريات العامة بتقرير حقوق تكوين الأحزاب والجمعيات والنقابات واتحادات الطلاب وهيئات التدريس، وحريات الاجتماع والتظاهر والإضراب والاعتصام السلمي بدون قيود إلا ما تعلق منها بحظر التشكيلات العسكرية أو شبه العسكرية، وصيانة مبدأ المواطنة بلا شبهة تمييز.

 

 

رابعا: ضمان الاستقلال الكامل للسلطة القضائية، وتقرير الإدارة القضائية التامة للانتخابات والاستفتاءات بكافة أنواعها وفي جميع مراحلها، وتقرير حق التصويت في الانتخابات والاستفتاءات العامة بالبطاقة الشخصية أو العائلية أو بطاقة الرقم القومي، وإلزام كافة المرشحين لأي هيئة تمثيلية أو تنفيذية بتقديم إقرارات ذمة مالية تنشر في كافة وسائل الإعلام وتقبل الطعن عليها في مدى محدد من عموم المواطنين.

 

خامسا: تنظيم محاكمات علنية أمام القضاء الطبيعي لعائلة مبارك وكافة المسئولين الذين عملوا تحت إمرته، والذين أصدروا قرارات – أو عهد إليهم بالتنفيذ والمتابعة – بالتصرف في أصول مملوكة للشعب أو للدولة، أو شغلوا مناصب أساسية في الحزب الحاكم ووسائل الإعلام المملوكة للدولة، والذين أصدروا قرارات الاعتقال العشوائي، أو كانت لهم مسئولية مباشرة – أو غير مباشرة – عن جرائم التعذيب في السجون وأقسام الشرطة، والذين تضخمت ثرواتهم من رجال الدولة أو القطاع العام أو قطاع الأعمال العام والخاص.

 

سادسا: تنظيم ثلاثة استفتاءات شعبية في قرارات بتجميد أو إلغاء الالتزام بمعاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية، ووقف برنامج الخصخصة ، ورفض المعونة الأمريكية، وحل هيئاتها، وطرد منتسبيها الأجانب من مصر، وحظر التمويل الأجنبي لأي حزب أو هيئة أو منظمة مدنية.

 

سابعا: فتح أوسع حوار شعبي في وسائل الإعلام العامة – المدارة بهيئة مستقلة – لإعداد دستور جديد يكفل مكتسبات الشعب المصري عبر مراحل نضاله الطويل، ويتضمن كافة الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وانتخاب جمعية تأسيسية شعبية تصادق على الدستور الديمقراطي في نهاية الفترة الانتقالية.

 

 

تنظيمنا: ائتلاف التغيير

 

 

وبالطبع لا يمكن تصور إمكان الوصول "التلقائي" لأهدافنا القريبة، أي الإنهاء السلمي لحكم مبارك وعائلته والتقدم لسيناريو المرحلة الانتقالية الآمن، إذ لا يمكن لأحد – لا نحن أو غيرنا – أن يبلغ أهدافه بدون تنظيم كاف مؤهل يحملنا إلى الغايات.

 

وربما تكون نقطة البدء بإدراك المطلوب – فيما نتصور – أن كفاية لم تعد "كفاية"، أو بعبارة أخرى أدق فإننا نحتاج الآن إلى كفاية ثانية، كفاية أكبر من كفاية.

 

كفاية – حين ظهرت – كانت ظاهرة خارقة لحاجز الصوت في البلد. لم تنشأ من فراغ بالطبع، ولا كانت محض كدّ ذهني وعملي لمبادرين، بل نشأت من قلق اجتماعي وسياسي تدافعت مظاهره، نشأت من أزمة اقتصاد "التكييف الهيكلي" لحكم النهب العام، ونشأت من اجتماع السخط الاجتماعي إلى الذل القومي في غزو العراق، وعلى نحو ما بدا في دراما مظاهرة ميدان التحرير في 20 و21 مارس 2003، ونشأت من اختراقات صحافة حرة تحدّت السقف المفروض وكسبت للمصريين حق نقد الرئيس-الفرعون، ونشأت من ميل محسوس في حركة المصريين السياسية إلى "ائتلاف وطني" في لحظات الخطر والحيرة الجامعة. غير أن كفاية لم تكن مجرد صدى لأصوات مفرّقة على السطح أو غائرة في العمق، بل كانت صوتا في ذاتها، كانت "قطيعة" مع ظاهرة ركود طويل استبد بالحركة الوطنية المصرية، كانت صرخة المصريين المحبوسة التي طلعت من حنجرتهم بالذات، كانت "اللا" الأقوى – وبامتياز – منذ انتفاضة 1977.

 

نعم، ظهرت "كفاية" كمبادرة لكسب الحرية، كإصبع يومئ إلى طريق، كدعوة بأكثر منها حركة، كمظاهرة بأكثر منها مؤامرة، وبدت في تنظيمها التلقائي كأنها بلا تنظيم من أصله، وهذه نقطة امتيازها وضعفها في آن، فلو كانت تنظيما بكشوف عضوية لتحولت إلى حزب يضاف، ولو تحولت إلى هيئة ثابتة لضاعت في حساب المكاسب والخسائر، لكنها بدت كالقدر الذي يلاقي أصحابه، بدا تنظيمها الرمزي – إن شئت – أشبه بريشة في هواء، بدا كأنها تتحرك بالطاقة الشمسية، وليس بطاقتها التنظيمية النووية الذاتية، تصعد بحرارة الظروف، وتأوي إلى سكن كلما حل شتاء أو لاح خريف، اندفعت في عامها الأول (سبتمبر 2004 – سبتمبر 2005) إلى جموح تستحقه بالاسم، وكانت مظاهراتها الأكبر (في 7 سبتمبر 2005 و10 سبتمبر 2005) تخترق قلب القاهرة، ثم بدا مع اغتصاب مبارك الخامس للرئاسة أن قواها قد أُنهكت وغامت روحها، لكنها صعدت مجددا مع هبة القضاة في مايو 2006، ثم ركنت إلى قسط من الراحة واختزان الحلم، غاضت ملامحها وإن لم تختف، وبدا أن شعارها الأصلي "لا للتمديد.. لا للتوريث" تحول إلى لافتة معلقة على جدار، أو إلى بوستر زاهي الألوان – بالأحمر والأصفر – يعصم القلب من التسليم باليأس، بدا النشطاء والنشيطات – الأكثر صلابة – على استعداد للمغامرة – حتى لا نقول المقامرة – بروح كفاية، بدا الميل لتذويب نداء "كفاية" الاستثنائي في حمض كبريتيك العادي والمكرور، بدا الميل لندوات ومؤتمرات واجتماعات "كفاية" مصحوبا بقلة التظاهر والمتظاهرين، بدا الميل لخوض معارك احتجاج جزئي مصحوبا بترك – ربما تعليق – المعركة الكلية، بدا الميل للتقاعد ظاهرا عند كثيرين حتى من المبادرين، بدا الميل لوضع المراقب أو المتابع النشيط لتيار الحوادث غريبا على حركة كانت لها كلمة الخلق.

 

هل من سبيل لاستعادة ألق كفاية الأول؟ لا يبدو الأمر مجرد قرار، فقد كانت دعوة كفاية على الدوام أكبر من تنظيمها، والدليل: أن دعوة كفاية راحت تؤثر بشدة في مجرى الحوادث حتى مع خفوت الصوت، اختراق حواجز الخوف الذي بادرت إليه كفاية راح يخلق روحا جديدة عفية في البدن المصري الهامد، تحركات القضاة وأساتذة الجامعات وقطاعات من المهنيين أخذت قبسا من روح كفاية، وفي العمق الاجتماعي كان الأثر واصلا رغم عدم وجود خطوط مواصلات سالكة، بدت مصر كأنها تستعيد الروح، أو كأنها تستعيد الإحساس بالألم بعد الغيبوبة الطويلة، وتحول التظاهر والإضراب والإعتصام السلمي – بالعدوى – إلى رياضة شعبية. ومع نهايات 2006 بدا المشهد مختلفا، إضرابات واعتصامات للعمال شارك بها مئات الآلاف، وانتفاضات جريئة بقطاعات من المصريين من أقصى الشرق في العريش إلى أقصى الشمال في البرلس، واحتجاجات بالتظاهر ضد القهر والفقر والظلم الذي استسلم له الناس طويلا وكأنه حكم العادة، وصحافة حرة يتزايد تأثيرها وتأثرها بروح "كفاية" النقدية الجامحة، وبالجملة: زادت مظاهر الحركة على جبهة العمق الاجتماعي، بينما بدت المدافع ساكتة على جبهة السياسة المباشرة، وهو ما يجب أن يلفت النظر. فنجاح "كفاية" كدعوة هو الذي أبان قصورها كحركة، وضاعف الخشية أن تنتهي كذكر النحل كل دوره أن يلقّح الملكة ويموت، وهو ما يعني بالضبط أننا في أشد الاحتياج الآن إلى دورة كفاية جديدة، أو كفاية "ثانية"؛ نحتاج – بالذات – إلى قيادة سياسية لجبهة الغضب الاجتماعي الطافر المطردة، نحتاج إلى كفاية الأكبر من كفاية.

 

وقد نجازف بتصور تدعونا إليه روح كفاية. فقد كانت كفاية الأولى استثنائية في تألقها لأن ظروف هذا البلد استثنائية في تعثرها. لو كنا في بيئة ديمقراطية لدعونا – ربما – إلى جبهة إنقاذ أو جبهة خلاص وطني تُستدعى لها أحزابها، لكن الأحزاب على ما نعرف، ولظروف وأسباب قد لا يكون المقام مناسبا لشروحها، وثمة تجربة بأحزاب هي تجربة (الجبهة الوطنية من أجل التغيير) وقد آلت إلى ما آلت إليه من انحسار الدور والمعنى، ربما السبب: أن خيال "كفاية" لم يكن هناك بما يكفي. والأهم:أولا: روح كفاية واعتقادها في كسب الحرية بالمقاطعة والعصيان،ثانيا: اتجاهها إلى خط العمل المباشر على جبهة الشارع، ثالثا: روح الائتلاف إلى حد الامتزاج الوطني الغالبة على تكوينها،رابعا: ابتعادها بالعمل عن عناصر تيبست برؤاها ومفاصلها المفكوكة، خامسا: خيالها التنظيمي المرن المفتوح باتساع أسفلت التظاهر، هذه العناصر الخمسة بالذات جوهرية في الدعوة إلى "كفاية الثانية" أو "إئتلاف المصريين من أجل التغيير"، ونتصور أن "ائتلاف التغيير" الذي ندعو إليه قابل للتكوين من خمس موارد بشرية هي كالتالي:

 

أولا: كفاية ذاتها، وهي النواة الصلبة للائتلاف المقترح.

 

ثانيا: الأحزاب اللصيقة بحركة كفاية، وهي مدعوة للاحتشاد بكامل عضويتها في "ائتلاف التغيير"، وروابطها وامتداداتها في المجتمع عنصر بالغ الأثر في عملية التنظيم، والأحزاب المقصودة هي "الكرامة" و"منظمة الاشتراكيين الثوريين"، و"الوسط" و"العمل" و"الغد – جناح أيمن نور"، والباب ذاته مفتوح لآخرين بشرط نقاوة الالتزام الوطني والابتعاد عن جماعات التمويل الأجنبي.

 

 

ثالثا: الشخصيات الوطنية العامة والقاطعة في انتسابها لأشواق التغيير، وهي طيف واسع غالب في المشهد المصري الآن، وتؤثر بشدة في مزاج رأي عام معارض بعنف آخذ في التكون والاتساع.

 

رابعا: لجان تنسيق الأحزاب والنقابات بالمحافظات والمدن الكبرى، وتلك تكوينات ظهرت أدوارها المؤثرة في سياق الدعم الوطني لانتفاضة فلسطين والشعب العراقي، ويمتاز أفرادها بضعف التعصب للأحزاب مقابل ميل زائد لعمل وطني جامع، والروح السائدة فيها راديكالية قريبة في العموم من مزاج كفاية، وهذه اللجان تضم – غالبا – ممثلين لجماعة الإخوان في وفاق معقول مع الأحزاب الأخرى.

 

خامسا: القادة الطبيعيون للإضرابات والاعتصامات وحركات الاحتجاج الاجتماعي المطردة في الشهور الأخيرة.

 

(ملحوظة: تنظيم "ائتلاف التغيير" شبكي، والتفاصيل عن النظام الأساسي وضربة البداية ربما لا يكون المقام مناسبا للتطرق إليها)

 

 

طريقنا: المقاطعة فالعصيان

 

 

لا تبدو اللحظة عادية في تاريخ هذا البلد.

 

فثمة عاصفة تقترب. وقد نجادل في مدى توافر "وضع ثوري" من عدمه، فالظلم واقع، والوعي بالظلم مطرد في قطاعات اجتماعية نامية، لكن تخلّف الشرط الذاتي لحركة التغيير هو المشكلة الكبرى.

 

ودون الدخول في مجادلات مرهقة، فإن النظام القائم يبدو معلقا من الناحية الاجتماعية، طبقة المصالح الحاكمة مملوكية الطابع دائرة في فلك بيت السلطان، ارتباطها بالاستعمار الأمريكي هو الحبل السُري، وارتباطها بفوائض النهب العام أكثر وضوحا مع ضعف طابعها الإنتاجي. وقواعدها الاجتماعية، ومقدرتها على الرشوة العامة، تضعف، ولنلاحظ ضعف نسب التصويت والمشاركة – إلى حد التلاشي – في استفتاءات النظام وانتخاباته الأخيرة، فثمة انصراف عام عن النظام. صحيح أن بقايا نظام الدعم للسلع الأساسية تتكفل ببعض الهدوء على الجبهة الاجتماعية، لكن موجات الغلاء والتضخم وانهيار الخدمات الأساسية تضعف ما تبقى من ولاء اجتماعي، وتدفع إلى مرئى البصر بظواهر قلق اجتماعي متحفز، وربما لا يتبقى من ركائز النظام راسخا غير جهاز أمن متضخم، وجيش قابل للاستدعاء في لحظة الخطر العاصف.

 

هذه الصورة العامة تقول – ببساطة – أن تحدي النظام ممكن، خاصة أن برنامج التغيير الانتقالي لا يعني – بمنطوقه – ثورة كاملة الأوصاف، بل هو – إن جاز التعبير – مجرد خطوة ثورية وذات طابع وطني جامع.

 

 

المهم – هنا – ألا نخطئ الطريق. فقد تنزلق الأمور ببساطة إلى نهايات أخرى، كأن تنزلق البلد فجأة إلى انفجار اجتماعي تلقائي بتكلفة دموية، أو أن تتدخل عناية الأقدار فجأة بموت حسني مبارك، وفي الأحوال كلها ربما ننتهي إلى حكم جيش بقناع مدني، أو إلى صيغة تركية – تنحسر الآن – وتنطوي على "ديمقراطية الخوذات".

 

ووظيفة حركة التغيير – فيما نظن – خلق توازن جديد، خلق قيادة مجتمع تستنفر قوة الناس القادرة وحدها على تحدي قوة السلاح، و"ائتلاف التغيير" الذي ندعو إليه هو مجرد نواة أكبر لحركة تغيير بطول وعرض وعمق المجتمع، والشرط الجوهري لتفجير الطاقات الكامنة هو الالتزام بثنائية المقاطعة-العصيان، ولا يبدو ذلك اختيارا بالقرعة بين بدائل أخرى، لأن كل الاختيارات الأخرى انتهت إلى إفلاس. فالتعويل – فقط – على خلق رأي عام معارض أو رافض لا يبدو كافيا، ثم أنه قابل للتبدد والخداع بسطوة احتكار النظام لوسائل الإعلام في غالبها الساحق، والأهم: أننا بصدد حكم معلق منعزل ضعيف الحساسية – إلى حد التناحة – لحكم الرأي العام، ثم أن التعويل على فكرة التدرج بخوض انتخابات، والتغيير التراكمي بالإحلال في بنية السلطات، هذه الفكرة فات أوانها، ولم تكن في الأصل غير سراب ملون، ثم أننا انتهينا – في أي حال – إلى التعطيل التام، فالانتخابات انتهت إلى تعيينات، والإشراف القضائي انتهى – بانقلابات الدستور الأخيرة – إلى إشراف عملي لضباط الشرطة، إذن فقد باتت كل الطرق مغلقة لتغيير سلمي بالتدرج، ولم يبق مفتوحا غير طريق المقاطعة فالعصيان المدني.

 

والمقاطعة ليست عملا سلبيا كما يشاع، بل المقاطعة هي الفعل الإيجابي في تمامه الآن، وقد قاطعت جماعات المعارضة كلها الاستفتاء الأخير على تعديلات الدستور، وقاطع نوابها – قبل الاستفتاء – جلسات المناقشة والتصويت، ومقاطعة بهذا المعنى تعني مقاطعة نظام وليس مقاطعة إجراء. فالدستور ليس قانونا للمرور، الدستور هو حجر الأساس في أي نظام سياسي، وهو واسطة العقد الضمني للتعايش، الدستور هو قسيمة الزواج، وفك العقد يعني إنهاء العلاقة فالطلاق البائن، والخلاف – إلى حد المقاطعة – بصدد الدستور يعني إسقاط الاعتراف بالنظام، وهذا جوهر ما نعنيه بالمقاطعة، أي أننا لا نعترف بشرعية لنظام انتهى إلى حكم الغابة لا حكم الدستور.

 

المقاطعة تعني – حكما – عدم شرعية النظام، وتعطي في الآن نفسه شرعية للخروج السلمي عليه بالعصيان، وقد كانت هذه عقيدة كفاية منذ ظهرت، وهي تصح الآن كعقيدة لتنظيم "ائتلاف التغيير" الذي ندعو إليه، والمعنى أنه ليس واردا أن ينضم أو أن يدعى للائتلاف من لا يبدأ بالمقاطعة، فالمقاطعة هي أول درجات العصيان.

 

وقد لا يصح – بالبداهة – أن نتقدم إلى عصيان مدني شامل بدون توافر وسائله ولحظته المناسبة، وربما علينا أن نتقدم إلى درجات متداخلة من العصيان السياسي القابل للتحول إلى عصيان مدني.

 

العصيان المدني أمره مفهوم، أما ما نقصده بالعصيان السياسي فيتعلق بنخب السياسة وامتداداتها في النشاط العام، العصيان السياسي يعني – ببساطة – كسر الأوامر والتحكمات والقوانين المنظمة بالكبح للنشاط السياسي. فالمبادرة إلى وقفة احتجاجية أو إلى مظاهرة أو إلى إضراب أو إلى اعتصام سلمي، كلها أنواع من العصيان السياسي، والسبب: أن كل ذلك محظور بنصوص القانون الرسمي، ووجود "كفاية" في ذاته عصيان سياسي، وإقامة حزب أو نقابة أو جمعية بصورة علنية – وبدون إذن رسمي – هو عصيان سياسي، والمطلوب: تعميم العصيان السياسي، فهو الشرط الجوهري لبناء قيادة سياسية تستحق الصفة على جبهة الغضب الاجتماعي.

 

وقد يصح هنا أن نورد اقتراحات بحملات عصيان – بعضها بدأ بالفعل – يتداخل فيها السياسي والاجتماعي، وفيما يلي بعض العناوين:

 

 

· حملة "لا لبيع مصر": وقد بدأت من كفاية قبل شهور، وتحتاج إلى زخم أكبر قد يتوافر بالتقدم إلى بناء "ائتلاف التغيير"، وفكرتها الجوهرية هي انعدام مشروعية التصرفات الاقتصادية لنظام غير شرعي، وإسقاط الاعتراف بعمليات بيع الشركات والأصول والأوضاع المترتبة عليها، وقد يصح أن ندعم الحملة – على نحو ما نص عليه اقتراحها – بإعداد قوائم سوداء للمتورطين في جرائم الفساد والنهب العام، وضم جرائم بيع الهيئات الخدمية – كخصخصة التأمين الصحي – إلى ملف الحملة، ونقل الحملة للشارع وجعلها موضوعا للتظاهر السلمي.

 

· حملة "ضد التعذيب": ولها مقدمات ظاهرة بمشاركة نشطاء ونشيطات "كفاية" في وقفات احتجاج ضد جرائم التعذيب، والمطلوب: حملة واسعة وممتدة متعددة الوجوه، وقد يصح أن نضم إلى جرائم أقسام الشرطة ملف متخم بقضايا التعويضات عن جرائم التعذيب في المعتقلات، وعن الاعتقال العشوائي لآلاف المفرج عنهم، وعشرات الآلاف من المحتجزين إلى الآن دون محاكمة أو اتهام، ومئات المختفين قسريا، أو الذين استشهدوا في حوادث قتل نظامي خارج القانون، فضحايا الاعتقالات والتعذيب طبقة هائلة العدد في المجتمع المصري الآن.

 

· حملة "ضد الجباية الحكومية": بالامتناع عن دفع فواتير الخدمات غير المؤداة، وثمة تجربة موحية يقودها أحد قيادات كفاية في الجيزة، توافرت لها خبرات مفيدة في طرق دفع المواطنين للامتناع عن دفع رسوم الزبالة المضافة على فواتير الكهرباء، وهو ما يستحق الالتفات والتنظيم، وتعميم السلوك ذاته بصدد ظواهر الإجحاف والمغالاة في فواتير المياه والكهرباء والتليفونات والغاز الطبيعي، أضف: رسوم الجباية التي تفرضها الوزارات والمحافظات والمحليات.

 

· مبادرة "الإعلان من طرف واحد": وهدفها انتزاع حق التنظيم العلني بالإخطار وليس بالترخيص، وحق إعلان الأحزاب والنقابات والجمعيات دون إذن مسبق من السلطات. والمطلوب – ببساطة – إعداد وثيقة تستند إلى الوثائق والعهود الدولية لحقوق الإنسان التي وقّعت عليها مصر كدولة، وتؤكد الحق البديهي في حرية التنظيم، وبالتوازي مع إعداد الوثيقة يدعى الراغبين في إعلان أحزاب أو نقابات أو جمعيات لإعداد مقار علنية وتشكيلات قيادية متفق عليها، وتتوج المبادرة بالدعوة لمؤتمر صحفي عالمي يجري فيه الإعلان من طرف واحد مع إلقاء قانون الأحزاب وقانون الجمعيات في أقرب مقلب زبالة.

 

· مظاهرة المئة ألف: والمقصود هو الإعداد لمظاهرة كبرى في ميدان التحرير تطالب برحيل مبارك وعائلته، وهذه قفزة بالغة الأهمية في دفع الحوادث للتطور من حالة العصيان السياسي المحدود إلى العصيان المدني الأوسع، تتطلب – فيما نظن – بناء "ائتلاف التغيير" أولا، والتمهيد الواسع بسلاسل مظاهرات متدرجة في زخمها وتوسيع قاعدة الأطراف المشاركة، ودفع قطاعات مؤثرة في الحركة السياسية للتضامن مع "كفاية" واختبار التوقيت المناسب بإيحاءاته وحوادثه.

 

 

هذه – فقط – بعض العناوين، وربما يكون لدى آخرين عشرات المبادرات، وفي ذلك – ومثله – فليتنافس المتنافسون.

 

 

القاهرة 8/9/2007

 

=====================================================================================================================================================

نحو عقد اجتماعى – سياسى جديد

 

مجتمع العدل والحرية

محمد السعيد ادريس

 

 

تدرك "الحركة المصرية من أجل التغيير" (كفاية)، ومنذ اللحظة الأولى التى أعلنت فيها عن نفسها، أن الشعب المصرى استطاع أن يحقق حالة فريدة من الوفاق الوطنى بين كافة القوى والتيارات السياسية الوطنية فى مصر الطامحة إلى تغيير الواقع السياسى والاقتصادى والاجتماعى الأليم الذى فرض حالة غير مسبوقة من الفرز الاجتماعى - السياسى بين أقلية تملك وتحكم وتسيطر وتمارس الاستغلال والفساد والانحراف بالإرادة الوطنية، وأغلبية محرومة ومحكومة ومهمشة.

 

إن هذه الحالة الفريدة من الوفاق الوطنى التى جسدتها "الحركة المصرية من أجل التغيير" (كفاية) والتى جعلت التغيير الشامل والديمقراطى شعارها، واستطاعت ضمن حركتها النضالية أن تحوله إلى انصهار فى الحركة والدور بين كافة القوى الوطنية التى تشكلت منها وعلى الأخص القوى والتيارات القومية واليسارية والإسلامية والليبرالية، باتت تفرض ضرورة النهوض بهذه الحالة الوطنية الوفاقية لبلورة وصياغة مشروع سياسى يكون عنواناً لهدف التغيير الذى تطالب به، ويجيب على السؤال المهم: "ماذا نريد؟"

 

إن هذا المشروع لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال ما يمكن تسميته بـ "الحل الوطنى التاريخى" الذى يجسد الوفاق السياسى بين القيم والمبادئ السياسية التى تطالب بها كافة القوى والتيارات الوطنية الأعضاء فى الحركة فى شكل "عقد اجتماعى – سياسى جديد".

 

لقد أعطت التجربة العملية لـ "الحركة المصرية من أجل التغيير" (كفاية) مصداقية عملية لهذا الحل الوطنى التاريخى أكدت نفسها فى ذلك الوفاق والتجانس الفريد وغير المسبوق بين تلك التيارات والقوى الوطنية التى تتشكل منها الحركة ومنذ تأسيسها، ولم يبق غير ترجمة هذا الوفاق والتجانس الحركى فى برنامج وفاق وطنى جسور وشجاع قادر على الانطلاق بالحركة الوطنية إلى حالة من النهوض الوطنى ضمن نسق فكرى مفتوح تتلاقى فيه القيم والمبادئ السياسية التى تنادى وتؤمن بها القوى الوطنية المصرية.

 

وإذا كان العالم يعيش الآن عصر تلاقى ثلاث ثورات فى آن واحد هى الثورة السياسية التى تعنى الانتقال الحاسم من الشمولية والسلطوية إلى الديمقراطية، والثورة القيمية التى تتمثل فى ظاهرتين: أولاهما، تلك التى أعادت الاعتبار للقيم الروحية والدينية والمعنوية. وثانيتهما، تتعلق بتحدى الجماهير للنخب السياسية من خلال المطالبة بالمزيد من المشاركة السياسية والتدخل فى عملية صنع القرار، والثورة المعرفية التى فرضت أنساقاً فكرية مفتوحة قادرة على المزج بين أكثر من نسق فكرى واحد حسب حاجة وخصوصية كل مجتمع من المجتمعات، فإن التجربة الوطنية المصرية وعلى مدى قرن كامل مضى قد أكدت على استحالة الفصل بين الحرية السياسية والحرية الاجتماعية واستحالة تغييب العامل الروحى والدينى من النسق الفكرى للمجتمع المصرى.

 

وإذا كانت التجربة الغربية تدعو إلى الحرية باعتبارها القيمة العليا بين مجمل القيم السياسية التى تؤمن بها، وإذا كانت التجربة الاشتراكية تدعو إلى المساواة باعتبارها القيمة العليا بين مجمل القيم السياسية التى تؤمن بها، فإن الحل الوطنى التاريخى الذى تؤمن به وتدعو له "الحركة المصرية من أجل التغيير" (كفاية) هو ذلك الحل القادر على تحقيق التلاقى بين الحرية والمساواة فى شكل حرية عادلة ومساواة عادلة، ضمن أفق واعٍ بقيمة العدل التى تجسدها الحضارة الإسلامية ويكون ذلك عن طريق توافق وطنى بين القوى والتيارات الوطنية المصرية لبناء مجتمع العدل والحرية.

 

إن مجتمع العدل الذى نريده هو أولاً مجتمع حكم القانون فى دولة مدنية قائمة على قاعدتين: السيادة للقانون وحده وليس لغيره من الاعتبارات، والمساواة بين المواطنين دون تمييز لأى سبب من الأسباب، أى المساواة القائمة على قاعدة المواطنة، وهو ثانياً مجتمع العدالة التوزيعية، أى عدالة توزيع الثروة الوطنية، وهو ثالثاً مجتمع تمكين المواطنين من حقوقهم الأساسية وفى مقدمتها: الحق فى الاختيار الحر للحكام، باعتبار الحكم والسلطة ملكاً وطنياً وليس حكراً على حزب أو فئة أو عائلة، والحق فى العمل، والحق فى التعليم المجانى، والحق فى العلاج المجانى، والحق فى السكن، والحق فى الحياة الحرة الكريمة.

 

ومجتمع الحرية الذى يحقق التغيير الذى نريده يعنى: تأمين حرية الفرد وحرية المجتمع وحرية الوطن. ويكون تأمين حرية الفرد بكفالة حرياته المدنية والإنسانية وفى مقدمتها حرية الاختيار، وحرية الفكر، وحرية العقيدة، واحترام عقائد الآخرين، وحرية تبادل المعلومات، وحرية التنظيم، وحرية التعبير، وحرية التظاهر السلمى، والقضاء على كل أشكال القهر والاستبداد والتسلط السياسى أو الاقتصادى أو الاجتماعى.

 

ويكون تأمين حرية المجتمع بصيانة الحرية الكاملة للجماعات والثقافات الفرعية الوطنية، وتأمين قاعدة المواطنة المتساوية فى الحقوق والواجبات دون تمييز بين كافة المواطنين فى المجتمع.

 

فالمواطنة التى هى التعبير القانونى عن الوجود السياسى للوطن والمواطن معاً هى المدخل الأساسى للنهوض الوطنى، هى حجر الزاوية لتطوير الوطن ابتداءً من نظامه السياسى والاجتماعى والاقتصادى وامتداداً إلى النهوض الثقافى والارتقاء الحضارى، لأن افتقاد المواطنة هو الوجه الآخر لافتقاد الوطن بمدلولاته المعنوية والرمزية وليس فقط المادية، هذا يعنى أن المواطنة تتجلى فى أرقى صورها بارتقاء الاستقلال الوطنى وثبات العزة والكرامة الوطنية من ناحية، كما تتجلى بتثبيت الحقوق السياسية للمواطن، ناهيك عن حقوقه الإنسانية، وتمتعه بالمساواة الكاملة فى الحقوق والواجبات دون تمييز، ووجود درجة عالية من الحريات الديمقراطية، وانتفاء الحكم الاستبدادى والسلطوى، حيث تتوافق حرية الوطن مع حرية المواطن.

 

فالمواطنة الحقيقية لا تتعالى على حقائق التركيبة الثقافية والاجتماعية والسياسية، ولا تمارس تزييفاً للواقع، وإنما تتعامل مع هذا الواقع من منطلق حقائقه الثابتة، وتعمل على فتح المجال للحرية والانفتاح والتعددية فى الفضاء الوطنى. فالأمن والاستقرار والتحديث، كل ذلك مرهون إلى حد بعيد بوجود مواطنة متساوية مصانة بنظام وقانون يحول دون التعدى على مقتضيات المواطنة الواحدة المتساوية ومتطلباتها.

 

والثقافة الوطنية تتشكل فى خطوطها الرئيسية وآفاقها وأولوياتها من التفاعل الثقافى المتبادل بين مجموع التعدديات المتوافرة فى الفضاء الوطنى. وعلى هذا فإن الثقافة الوطنية هى التى تكون تعبيراً عن حالة التنوع والتعدد الموجودة فى الوطن، فليست ثقافة فئة أو مجموعة، وإنما هى ثقافة الوطن بكل تنوعاته وأطيافه وتعبيراته. ويكون دور الدولة ومؤسساتها فى هذا الإطار هو توفير المناخ القانونى والاجتماعى وبناء الأطر والمؤسسات القادرة على احتضان جميع التعبيرات لكى تشارك فى صياغة مفهوم الثقافة الوطنية وإثراء مضامينها بقيم المجتمع والعصر. فالمعنى البديهى لتعبير الثقافة الوطنية يأتى من كونه تعبيراً عن حقيقة واقعة بالفعل، أى عن حقيقة اجتماعية- تاريخية قائمة وشاهدة.. بمعنى أنه ما من مجتمع له خصائص المجتمع التاريخية إلا وهو ينتج ثقافته الوطنية، أى ثقافته المرتبطة والمتأثرة بمجمل خصائصه التاريخية تلك.

 

بهذا المعنى نستطيع الحديث عن "ثقافة المواطنة"، وهى تلك الثقافة التى ترتكز على "مبدأ المواطنة" كمحور أساسى حاكم لمجمل تفاعلاتها. ويترسخ مبدأ المواطنة بالتمييز بين نوعين من الحقوق هما: الحقوق المدنية والحقوق السياسية. الأولى، وهى الحقوق المدنية التى تهدف إلى تمكين الإنسان من العيش والحياة كمواطن داخل بلده بحكم عضويته فى الجماعة السياسية، أى عضويته فى المكون البشرى للدولة، وهى حقوق يجب أن يكون فى مقدور كل إنسان أن يمارسها بحرية دون تدخل من الغير أو من الدولة طالما أنه لم يرتكب ما يخالف القانون مثل حرية الرأى وحق الملكية. أما الثانية، وهى الحقوق السياسية فهى أكثر فاعلية، حيث تضمن لصاحبها المساهمة الإيجابية فى ممارسة السلطات العامة فى بلاده من خلال المشاركة فى مؤسسات الحكم السياسية والقانونية والدستورية.

 

هنا يتأكد لنا أن المواطنة مقترنة بحق المشاركة، بمفهومه العام فى كل ما يتعلق بالوطن، وبمفهومه الخاص أى المشاركة فى الحكم، أى أن يكون الإنسان طرفاً معترفاً به فى حكم بلاده وفى إدارة شئونها، وألا يكون محروماً أو معزولاً عن ممارسة هذا الدور. فالمواطنون المقيمون على أرض الدولة والذين يجبرون على الانصياع للأوامر الصادرة دون أن يسهموا بشكل ما فى إعدادها وإصدارها يصبحون غرباء عن وطنهم بعد أن سلبت منهم حقوقهم السياسية التى هى أساس المواطنة.

 

ويعتبر الوعى بالمواطنة نقطة البدء الأساسية فى تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى بلاده وإلى شركائه فى صفة المواطنة، لأنه على أساس هذه المشاركة يكون الانتماء وتكون الوطنية. فغياب حقوق المواطنة يؤدى إلى تداعى الشعور بالانتماء للوطن، وتباين امتلاك الأفراد لهذه الحقوق يؤدى إلى تفجر قضايا التمييز التعسفى وتفكك روابط التكامل الوطنى.

 

أما حرية الوطن وهى الركن الثالث والأهم فى بناء مجتمع الحرية فهى تستلزم تأمين استقلاله وسيادته الوطنية، وإكسابه القوة والمنعة والاستعصاء ضد كل محاولات فرض الهيمنة والتبعية، وتأمين حرية القرار الوطنى من أية ضغوط أو شروط أو إملاءات خارجية، ورفض أية سياسات تنتقص من استقلالية وسيادة القرار الوطنى التى هى التعبير المباشر عن حرية وسيادة الوطن ومصالحه الاستراتيجية.

 

إن الواقع الذى نعيشه الآن فى مصر وكما تفضحه حالة التبعية المكثفة للغرب وبالذات للولايات المتحدة الأمريكية بات يفرض الانخراط فى مرحلة جديدة من مراحل الدفاع عن الاستقلال الوطنى والأمن الوطنى. وهنا من المحتم أن يرتبط الأمن الوطنى المصرى بالأمن القومى العربى مع حركة عالمية متصاعدة رافضة للهيمنة الأمريكية وللمشروع الإمبراطورى الأمريكى المتحالف مع المشروع الصهيونى.

 

إن حرية الوطن لا تنفصل عن حرية أبنائه، ولا يمكن القبول بدعوة أمريكية للإصلاح والتغيير الديمقراطى لا تعطى أهمية أو احتراماً لحرية الأوطان، كما أن حرية الشعوب هى من حرية الأوطان، ومثلما يصعب تصور مواطن مستعبد فى وطن حر، فإنه يصعب أيضاً تصور مواطن حر فى وطن مستعبد. إن النضال من أجل حرية الشعوب لا ينفصل عن النضال من أجل حرية الأوطان، وهكذا تتحقق الحرية الحقيقية التى نريدها.

 

إن مجتمع العدل والحرية الذى نريده مشروعاً وطنياً وبرنامجاً لـ "الحركة المصرية من أجل التغيير" (كفاية) يستلزم البدء أولاً بإنهاء كل احتكار مفروض للثروة وللسلطة فى مصر، وإنهاء كل أشكال الاستبداد والتسلط السياسى والاقتصادى والاجتماعى، وهذا يتحقق من خلال البدء الفورى فى اتخاذ الإجراءات المرحلية التالية كمقدمة ضرورية للتغيير المنشود وبالتحديد:

 

1 - إعادة تكييف مؤسسة رئاسة الجمهورية، بضرورة التحول عن دولة الرجل الواحد، بحيث يتم تداول السلطة دستورياً، وتحديد مدة ولاية رئيس الجمهورية مع انتخابه انتخاباً حراً مباشراً من قبل الشعب من بين مرشحين متعددين، وتحديد سلطات رئيس الجمهورية، ثم تخليه بمجرد انتخابه عن انتمائه الحزبى، وأن يكون قابلاً للخضوع للمساءلة والمراجعة من مؤسسات دستورية، وينطبق ذلك أيضاً على منصب نائب الرئيس، الذى يجب أن يتم انتخابه فى قائمة واحدة مع الرئيس وأن يخلفه فى حالة الوفاة .

 

2 - ضبط الوضع القانونى والقضائى فى مصر، بإلغاء حالة الطوارئ، وقانونها، وإلغاء التشريعات الاستثنائية وكافة صور القضاء الاستثنائى (كالمحاكم العسكرية)، وضرورة أن يتمتع المواطن بحق المحاكمة أمام قاضيه الطبيعى، وأن يكفل للقضاء استقلاله الكامل عن تدخلات السلطة التنفيذية (ممثلة فى وزارة العدل والتفتيش القضائى)، وأن تكون ميزانية السلطة القضائية تابعة للمجلس الأعلى للقضاء، وكذلك الترقيات والعزل بما فى ذلك اختيار القضاة للإشراف على العمليات السياسية كالانتخابات والاستفتاءات، وإصدار قانون الهيئة القضائية الذى يؤمِّن لها استقلاليتها وأداء دورها الوطنى ومن ضمنه الإشراف الكامل على كل العمليات الانتخابية التى تُجرى فى مصر.

 

3 - ضمان الفصل بين السلطات، ومنع تغول السلطة التنفيذية وخاصة الذراع الأمنى فى شئون السلطتين التشريعية والتنفيذية، ومنح السلطة التشريعية الصلاحيات التى تمكنها من الرقابة الفعلية على أعمال السلطة التنفيذية، وإعادة النظر فيما يسمى بـ "لجنة المكتب" التى تتخذ القرارات نيابة عن مجلس الشعب إبان عطلته، و"لائحة العشرين عضواً"، التى يمكن أن تستغل لشل العملية النيابية داخل المجلس، وتعديل أساليب مراجعة أوراق المرشحين لمنع تكرار قضية نواب القروض ونواب التجنيد وغير ذلك .

 

4 - إطلاق الحريات العامة والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات، كما يكفلها الدستور وتفرضها النظرية الديمقراطية فى العالم كله ومنها :

 

- حرية الصحافة تأسيساً وإصداراً وتحريراً ونشراً، ورفع قيود التخويف عن الصحافة التى تتابع المسئولين، وإلغاء الحبس فى قضايا النشر.

 

- حرية الاجتماع والتظاهر السلمى والإضراب السلمى والاعتصام السلمى ونشر البيانات.

 

- حرية تشكيل الأحزاب السياسية والجمعيات النقابية والأهلية ومنظمات المجتمع المدنى وإلغاء المعوقات من قبيل "لجنة الأحزاب"، و"قانون تأسيس الأحزاب"، والاعتراف بشرعية التيارات القوية المؤثرة فى المجتمع.

 

- إرساء قاعدة المواطنة والمساواة بين المواطنين دون تمييز ودون إقصاء لأى قوة سياسية أو اجتماعية عن المشاركة المتساوية والفرص المتساوية بين الأفراد والجماعات والمنظمات والأحزاب والتيارات السياسية.

 

- إصلاح العملية الانتخابية، بكفالة إشراف الهيئات القضائية على كافة العمليات الانتخابية بكل مراحلها ابتداءً من عملية اعتماد الجداول الانتخابية، بعد مراجعتها والتأكد من صحة الأسماء فيها، مروراً بعمليات مراقبة الاقتراع ونقل الصناديق، وتفريغ وإحصاء الأصوات واعتماد النتائج، وقبل هذا كله نزع سطوة الأجهزة الأمنية على العمليات الانتخابية وتمكين المواطن من الإدلاء بصوته بحرية كاملة دون تهديد أو إجبار أو اعتداء، بما يؤمِّن المشاركة الشعبية لكل المواطنين.

 

هذه الإجراءات المرحلية هى مجرد مقدمات للتغيير الجذرى سلمياً وديمقراطياً فى الأفكار والمؤسسات والسياسات، وعلى كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يحقق الحرية والمساواة والعدل لجميع المواطنين، ويقيم المجتمع الصالح الذى نريده من خلال الانتقال من نمط الحكم الاستبدادى أو التسلطى المفروض الآن على البلاد إلى نمط ديمقراطى بديل تتوزع فيه السلطة السياسية ويسهل تداولها سلمياً بضوابط قانونية عن طريق مؤسسات حكم ديمقراطية محكومة الأداء بقيم ومبادئ تعلى من شأن الحرية كقيمة عليا مع تأمين العدالة والمساواة كمبادئ أساسية للمجتمع السياسى الذى نريده وللحكم الصالح الذى نبتغيه.

 

إن تحقيق ذلك يستلزم القيام بعمليتين مترابطتين: الأولى، هى وضع مرتكزات للحكم الديمقراطى وخاصة الدستور الديمقراطى ومؤسسات الحكم الديمقراطى. والثانية، هى وضع ضوابط حاكمة للبناء الديمقراطى من خلال تأمين الحقوق والحريات العامة والشفافية والمحاسبة والمساءلة، ومن خلال اقتران الديمقراطية بالعدالة القانونية والاجتماعية والمساواة والمشاركة السياسية، بما يؤمِّن ترشيد السلطة وزيادة فعالية النظام السياسى.

 

أولاً - مرتكزات الديمقراطية

 

1 - الدستور الديمقراطى

 

يعتبر الدستور الديمقراطى هو الحد الفاصل بين الديمقراطية وغيرها من نظم الحكم، ويكون الدستور ديمقراطياً فى طريقة وضعه وفى طريقة إلغائه أو تعديله، ويكون ديمقراطياً فى محتواه.

 

فالدستور لا يكون ديمقراطياً إلا إذا وضعته جمعية تأسيسية منتخبة ديمقراطياً، ويكون بمثابة عقد اجتماعى سياسى بين الحاكمين والمحكومين، ويعكس توازن القوى الوطنية ويحظى بالقبول والتوافق الشعبى.

 

والدستور لا يكون ديمقراطياً فى ذاته بل فى طريقة وضعه وتعديله وإلغائه وفى محتواه. فلكى يكون الدستور ديمقراطياً يجب أن يصدر عن الشعب، وهو ليس منحة أو عطاء من الحاكم يعطى ما يريد ويحجب ما يريد، لكنه يمثل إرادة شعبية ديمقراطية، وليس للحاكم الحق فى إلغائه أو تعديله إلا بالإرادة الشعبية التى لا تعكس فقط الأغلبية ولا تركن إلى ديكتاتورية الأغلبية بل يجب أن تحترم التعددية والتوافقية بين كافة القوى الوطنية دون أن تجور على حقوق الأقليات الدينية والطائفية والعرقية. ولكى يكون الدستور ديمقراطياً يجب أن يتضمن المبادئ التالية:

 

الأول : أن تكون السيادة للشعب والحاكمية للشعب وليس لحاكم أو فقيه أو غيره، والشعب هو مصدر السلطات يفوضها بإرادته ويستبدلها بإرادته.

 

الثانى : المواطنة المتساوية بين المواطنين دون تمييز وهناك شروط لضمان هذا الحق فى المواطنة المتساوية أهمها شرطان: الأول، زوال وجود مظاهر حكم الفرد أو الأقلية، وتحرير الدولة من التبعية للحكام، وذلك باعتبار أن الشعب هو مصدر السلطات وفق شرعية دستور ديمقراطى، ومن خلال ضمانات مبادئه ومؤسساته وآلياته الديمقراطية على أرض الواقع. والثانى، اعتبار جميع السكان الذين يتمتعون بجنسية الدولة مواطنين متساويين فى الحقوق والواجبات يتمتع كل فرد منهم بحقوق والتزامات مدنية وقانونية متساوية، كما تتوفر ضمانات وإمكانيات ممارسة كل مواطن لحق المشاركة السياسية الفعالة وتولى المناصب العامة دون تمييز. وكذلك مجمل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية حتى يتمكن المواطن من ممارسة مواطنته، وحتى تكون للمواطنة معناها الذى يتحقق بموجبه انتماء المواطن وولاؤه لوطنه وتفاعله الإيجابى مع المواطنين الآخرين نتيجة امتلاكه القدرة على المشاركة الفعلية والشعور بالإنصاف. فالمواطنة حق وأداء، إذا لم يتوافر الحق لن يتحقق الأداء.

 

الثالث : سيطرة أحكام القانون والمساواة الكاملة أمامه دون تمييز، أى مرجعية القانون وسيادته على الجميع من دون استثناء انطلاقاً من حقوق الإنسان بشكل أساسى وبالذات حق المواطنة المتساوية. والقانون يجب أن يكون عاماً ومجرداً لا يعرف المحاباة ولا يقر استثناءات ولا يسمح بتجاوزات، والقانون يجب أن يكون الإطار الذى ينظم العلاقة بين المواطنين فيما بينهم، وبينهم وبين الدولة ومؤسساتها من جهة أخرى، كما ينظم العلاقة بين المؤسسات بما يؤمِّن القواعد الحقوقية للعدالة والمساواة. والفصل بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية ومنع أى تعدى من جانب السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية، وتمكين هاتين السلطتين من أداء وظائفهما الدستورية، ومنع أى جمع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بما يؤدى إلى تبعية السلطة التشريعية للسلطة التنفيذية.

 

الرابع : تداول السلطة، هذا التداول السلمى للسلطة بين القوى السياسية هو الحد الفاصل بين كون الحكم ديمقراطياً أم احتكارياً (سلطوياً أو شمولياً). وعندما يغيب مبدأ تداول السلطة سلمياً فإن ما يحدث هو أحد أمرين: إما توريث السلطة داخل العائلة أو داخل الحزب الحاكم، وإما التداول القسرى والعنيف عبر الانقلابات سواء كانت انقلابات قصر على مستوى النخبة الحاكمة، أو انقلابات عنيفة تفرض تداول السلطة قسرياً مع كل ما يواجه الأمن الوطنى والاستقرار السياسى فى مثل هذه الحالة من تهديدات.

 

غياب أىٍ من هذه المبادئ الأربعة يؤثر على ديمقراطية الدستور ويشوه الدعوة الإصلاحية .

 

2 - مؤسسات الحكم الديمقراطى

 

تقوم هذه المؤسسات بدور الوعاء الذى يتم داخله تحويل الديمقراطية من قيمة سياسية عليا إلى عملية يجرى تنفيذها عبر ممارسات الحكم والتفاعلات السياسية المختلفة. فعبر هذه المؤسسات تتحول نصوص الدستور الديمقراطى إلى حركة سياسية وممارسات وتفاعل تعبر عن جوهر المبادئ التى نص عليها الدستور الديمقراطى، حيث تتم ممارسة الحكم وفق الالتزام بتلك المبادئ، كما تتم عملية تداول السلطة سلمياً دون تهديد للاستقرار الأمنى أو السياسى، بتأمين قدر لا بأس به من التوافق بين الأطراف السياسية والقوى الاجتماعية - السياسية على قواعد التنافس السلمى، بما يؤدى إلى تنظيم الحياة السياسية على أسس تنافسية سلمية بين كافة الأحزاب والقوى السياسية، وتحكمها الانتخابات الدورية والاستفتاءات الشعبية، وبما يمكِّن المؤسسات التشريعية من القيام بأدوارها فى التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية والمؤسسات السياسية بكفاءة وفعالية، وبما يؤمِّن للقانون سيادته ويحمى للسلطة القضائية حريتها ونزاهتها واستقلالها. وتشمل هذه المؤسسات الديمقراطية الهيئات التشريعية والهيئات القضائية والسلطة التنفيذية، والأحزاب السياسية والانتخابات الدورية، ومجمل منظمات المشاركة السياسية وتفعيل الحياة السياسية فى الهيئات الأخرى وبالذات النقابات والمنظمات غير الحكومية.

 

(أ) المؤسسات التشريعية

 

تتحدد كفاءة هذه المؤسسات التشريعية فى القيام بوظيفتيها الرئيسيتين: التشريع والرقابة، كما تتحدد بقدر استقلاليتها عن السلطة التنفيذية، وبقدر نزاهة وحرية الانتخابات التى يتم عن طريقها اختيار النواب، وبقدر ثقة المواطنين فى عملية التمثيل الانتخابى بصفة عامة، إضافة إلى كفاءة النواب، وجدية التعددية السياسية داخل هذه الهيئات التشريعية. وبشكل عام تقوم هذه الهيئات بدعم ديمقراطية النظام السياسى عن طريق ممارساتها المختلفة ومن أهمها :

 

- زيادة فرص التعبير عن المطالب الشعبية، وتحسين نوعية الحوارات السياسية، عن طريق تمكين النواب من التعبير عن الحالة الشعبية العامة سواء كانت حالة الرضا أم حالة الاستياء والسخط من النظام السياسى.

 

- إشباع المطالب الشعبية والتعبير عنها، عن طريق تقديم مشروعات القوانين والدفاع عنها، ومناقشة الميزانية العامة للدولة وتعديلها وقبولها أو رفضها، وتقديم الخدمات للدوائر الانتخابية .

 

- إعطاء الشرعية للقرارات الحكومية بما يسهل تنفيذها .

 

- القيام بوظائف الرقابة والمحاسبة والمساءلة للمسئولين فى الحكومة والمؤسسات المختلفة.

 

- وهى أيضاً منتدى لإدارة وحل الصراعات والمنافسات السياسية داخل المجتمع، والحيلولة دون وصولها إلى انقسامات سياسية تهدد التوازن والاستقرار السياسى.

 

(ب) الهيئات القضائية

 

يعتبر القضاء الحر والنزيه هو معيار الحكم على ديمقراطية النظام السياسى، فلا ديمقراطية بدون قضاء نزيه ومستقل. وتتأكد فعالية الهيئة القضائية وديمقراطيتها بقدرتها على ممارسة دورها الإيجابى فى ضمان دستورية القوانين، والتطبيق الفعلى لمبدأ سيادة القانون وتحقيق المساواة العادلة بين المواطنين.

 

وكما تقوم الهيئات القضائية بحماية الدستور والقوانين، تقوم أيضاً بتأمين حرية ونزاهة العمليات الانتخابية فى كافة صورها (الرئاسية والتشريعية والمحلية). وتكون هذه الهيئات متمتعة بالديمقراطية بقدر تحررها من ضغوط وهيمنة السلطة التنفيذية. ففى النظام الديمقراطى لا قوانين استثنائية ولا محاكم استثنائية ولا سلطة للحاكم على القضاء سواء التعيين أو الترقية أو الإبعاد عن الوظيفة. يجب أن تكون السلطة القضائية متمتعة بالاستقلالية الكاملة عن السلطة التنفيذية كى تتمكن من الحفاظ على ديمقراطية النظام وإخضاعه لحكم وسيادة القانون.

 

(جـ) الأحزاب السياسية

 

تعتبر الأحزاب السياسية بحق مؤسسات المشاركة السياسية الشعبية وآداة تفعيل الحياة السياسية عن طريق المنافسة الحرة السلمية. فالأحزاب هى التى تقوم بتنظيم المشاركة الشعبية فى الحياة السياسية ومنها تتولد أهم القيادات والكوادر السياسية التى يقع على عاتقها عبء تفعيل وتطوير العملية السياسية. وهى التى تخوض الانتخابات وتمارس مجمل الأنشطة السياسية داخل البرلمانات من تشريع ومحاسبة ومناقشة للحكومة وسياساتها، ومن رقابة على أدائها، ومن تعبير عن المطالب الشعبية واتجاهات الرأى العام داخل الهيئات التشريعية.

 

وبقدر تأمين حرية تكوين الأحزاب بما يحقق تعدديتها، وبقدر انتفاء سطوة وهيمنة السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية بصفة خاصة، بقدر ما تكتسب الأحزاب السياسية كفاءتها وتقوم بأدوارها السياسية. ولكن تبقى هذه الأحزاب تعانى من أزمة الشرعية نتيجة سيطرة هاجس الاستمرارية والاستقرار. فالنظام الحاكم فى مصر عمل من أجل أن يستأثر بالسلطة ويحتكرها على فرض ما يسمى بـ "الحفاظ على الاستمرارية"، واعتبر أن هذه الاستمرارية أساس الاستقرار، ومن ثم فقد اعتمد سياسة إقصاء القوى السياسية عن منافسته على السلطة التى يحرص على احتكارها. كما أنه يريد هذا الإقصاء للحيلولة دون تمكين المعارضة السياسية من رقابة السلطة السياسية وأجهزتها ومحاسبتها.

 

هذه القيود الحكومية المفروضة على الأحزاب السياسية توازيها قيود أخرى داخل الأحزاب تحد من كفاءتها وفعاليتها أهمها أزمة غياب الديمقراطية داخل هذه الأحزاب أو ما يسمى بغياب "الحراك النخبوى" مما أدى إلى جمود حركة تدوير النخب داخل الأحزاب ومن ثم فى مجمل الحركة الوطنية، كما أنها تعانى أيضاً من أزمة الموارد، التى تفرض عليها عادة الاضطرار إلى اللجوء للسلطة طلباً للدعم بما يعنيه ذلك من خضوع طوعى لمطالب السلطة وضغوطها ويحولها إلى واجهات مزيفة للديمقراطية.

 

لكن التحدى الأهم يبقى فى حرية الانتخابات. فبدون حرية تأسيس الأحزاب بما يضمن التعددية والتنافسية وبدون حرية الانتخابات ونزاهتها تبقى حركة الأحزاب شكلية ويبقى دورها هامشياً فى الحياة السياسية.

 

(د) منظمات المجتمع المدنى

 

تقوم المنظمات الأهلية غير الحكومية والنقابات المهنية والعمالية بدور مهم فى دعم الديمقراطية باعتبارها منظمات للمجتمع المدنى الذى يضم جمعيات، ومنظمات، وأندية، واتحادات تعمل كلها كمنظمات وسيطة بين المواطن والدولة، وهى تؤمِّن للأفراد فرص المشاركة والتعبير عن المطالب، وتساهم بدور كبير فى تطوير وتسريع التحول الديمقراطى.

 

هذه المنظمات لا تساهم فقط فى تفعيل الحياة السياسية بل وأيضاً الحياة الثقافية والاجتماعية بما يزيد من حيوية الحياة السياسية والثقافية ويؤمِّن الدفاع عن مطالب وأدوار قوى سياسية واجتماعية مختلفة بما يعمق المشاركة السياسية ويدعم التحول الديمقراطى.

 

ثانياً: الضوابط الحاكمة للبناء الديمقراطى

 

إن ضبط عملية البناء الديمقراطى المطلوبة لمجتمع العدل والحرية يستلزم ضرورة تأمين الإجراءات والخطوات التالية فى تزامن غير مُخل مع عملية البناء الديمقراطى.

 

1 - الحقوق والحريات العامة: حرية الفكر، وحرية تداول المعلومات، وحرية التنظيم، وحرية التظاهر، وحرية الانتخابات.

 

فالحرية بالنسبة للصحافة والإعلام تشمل حرية تأسيس الصحف والمحطات التليفزيونية دون احتكار حكومى ودون معوقات من الأجهزة الحكومية والأمنية بصفة خاصة. ولكى تتحقق حرية الصحافة ولكى تؤدى دورها الإيجابى فى إطار النظام الديمقراطى يفترض أن تقوم على الاستقلالية فى الملكية والشفافية فى التمويل، وقدرة الجماعة الصحفية على أن تنظم نفسها بدون تدخل خارجى. والحرية بالنسبة للصحافة والمؤسسات الإعلامية أيضاً يجب أن تتحقق فى العمل الصحفى والإعلامى دون رقابة أو تدخل أو قيود حكومية، ولكن مع الخضوع للقانون والمسئولية والالتزام بالأخلاقيات ومواثيق الشرف التى تحكم عمل تلك المؤسسات.

 

والحرية بالنسبة للأحزاب ومنظمات المجتمع المدنى تشمل حرية التأسيس وحرية الممارسة، وأن يتم الاعتراف بقوى المعارضة وأحزابها ومنظمات المجتمع المدنى باعتبارها جزءاً أصيلاً من النظام السياسى وليست معادية أو خارجة عن النظام. وهذا يعنى ألا تكون هناك ملاحقة من أجهزة الأمن للأفراد المنضمين لأحزاب المعارضة، وألا يخضع هؤلاء لمعاملات تمييزية تنال من حرياتهم وحقوقهم وتؤثر على أوضاعهم الوظيفية والمعيشية.

 

والحرية بالنسبة للانتخابات هى أساس متين وركن هام من أركان الحكم الديمقراطى. فالقضية ليست فى وجود الانتخابات أم عدمها، ولكن فى حريتها ونزاهتها. فالانتخابات غير الحرة وغير النزيهة تفوق فى أخطارها غياب الانتخابـات كلية، لأن الانتخابـات المزيفـة وغيـر النزيهة تؤدى إلى تشويه مصداقية العملية السياسية كلها، والتشكيك فى جدوى المشاركة السياسية، وشيوع مشاعر الإحباط واليأس من العمل العام، بما يهدد التجربة الديمقراطية ويحول دون تحقيق الأهداف المرجوة منها.

 

ولكى تكون الانتخابات نزيهة يجب أن يملك الفرد حق التصويت الحر دون عوائق أمنية أو وظيفية، وأن يكون للفرد حق الاختيار بين المرشحين والأحزاب، وأن تكون هذه الحرية كاملة دون إكراه أو تسلط، ويجب أن تتاح الفرصة الكاملة للفرد لأن يصل إلى مقره الانتخابى وأن يختار بحرية كاملة، كما يفترض لكى تكون الانتخابات حرة ونزيهة أن يتم الاستبعاد الكامل لأجهزة الأمن عن أى مشاركة فى العملية الانتخابية التى يجب أن تخضع خضوعاً كاملاً للقضاء أو لهيئة مستقلة تؤمِّن لها النزاهة الكاملة، دون استبعاد لمشاركة منظمات المجتمع المدنى والهيئات الدولية لتأكيد الثقة فى حرية ونزاهة تلك الانتخابات.

 

هذه الحريات العامة التى يجب أن تتاح للمؤسسات الديمقراطية تتكامل مع ضرورة تأمين الحريات الخاصة للأفراد: حرية الفكر، وحرية الاعتقاد، وحرية الاختيار، وحرية الوصول إلى المعلومات، وحرية الانتماء الحزبى والاختيار السياسى، وحرية التظاهر. هذه الحقوق والحريات العامة والخاصة هى التى تعمق التحول الديمقراطى وتحقق الإصلاح اللازم فى مصر والدول العربية.

 

2 - الشفافية

 

وتعنى توفر المعلومات الدقيقة فى مواقيتها، وإفساح المجال أمام الجميع للإطلاع على المعلومات الضرورية والموثقة، مما يساعد فى اتخاذ القرارات الصالحة فى مجال السياسات العامة. وتبرز أهمية توفر المعلومات الإحصائية والبيانية عن السياسات المالية والنقدية والاقتصادية بشكل عام فى تصويب السياسات الاقتصادية والمالية. وتعتبر الحكومة والمؤسسات الاقتصادية العامة والخاصة، مثل البنوك، المصدر الرئيسى لهذه المعلومات، ويجب أن تنشرها بطريقة علنية ودورية من أجل توسيع دائرة المشاركة الشعبية فى مراقبة الأداء الحكومى وأداء المؤسسات الخاصة والعامة فى الدولة.

 

3 - المحاسبة والمساءلة

 

وتعنى وجود قواعد وضوابط قانونية تتيح الحق الكامل والحرية الكاملة فى المحاسبة والمساءلة السياسية والإدارية للمسئولين فى وظائفهم العامة، ولمؤسسات المجتمع المدنى والقطاعين العام والخاص، والحق الكامل دون قيود أو ضغوط فى محاسبة ومساءلة كبار المسئولين عن اختياراتهم السياسية وقراراتهم وإدارتهم للموارد العامة، والحرص على فصل الشأن العام عن الشأن الخاص، وحماية الصالح العام من تعسف واستغلال السياسيين.

 

فبغياب الشفافية الكاملة فى إظهار المعلومات والحقائق حول الموارد العامة والإنفاق العام والسياسات الاقتصادية، وممارسات السلطة، وبغياب حق المجتمع بمؤسساته الديمقراطية فى ممارسة المحاسبة والمساءلة الكاملة للنخب الحاكمة وللمؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية وكل مؤسسات السلطة وأجهزتها، تكون النتيجة المؤكدة هى الفساد السياسى والمالى وشيوع المحسوبية والرشوة وتخريب الحياة السياسية والاقتصادية وتشويه العملية الديمقراطية. فإذا لم تكن هناك ثقة كاملة لدى المواطن فى نزاهة النخب الحاكمة والمؤسسات، ولم تكن لديه القدرة والحق فى التمكن من محاسبتهم أياً كانت مواقعهم وأياً كانت شخوصهم لن تكون هناك ثقة فى النظام السياسى الذى سيبقى متهماً بالفساد والتخريب بما يهدد شرعية نظام الحكم ويشجع على الخروج عن النظام وتهديد الاستقرار.

 

4 - اقتران الديمقراطية بالعدالة القانونية والاجتماعية

 

غياب العدالة القانونية والعدالة الاجتماعية يؤدى إلى انحراف عملية التحول الديمقراطى خصوصاً إذا كان التركيز يتم حول أولوية الليبرالية الاقتصادية دون الليبرالية السياسية، مثل هذا الانحراف يؤدى إلى تقويض كل محاولات الإصلاح السياسى، ولذلك فإن التوسع فى العملية الديمقراطية والليبرالية يجب أن يقترن بتوسع فى مفهوم العدالة وفى ممارسة العدالة. فالعدالة يجب ألا تقتصر على فض المنازعات بواسطة الاحتكام إلى القانون دون تمييز بل يجب أن ترتكز على مبدأ التكافل الاجتماعى فيصبح من واجب النظام الحاكم تأمين قضايا الاحتكام المنصف للقانون، وتأمين الحاجات الاجتماعية للمواطنين أى تحقيق العدالة الاجتماعية، بالحد من التفاوت الاجتماعى من ناحية، وزيادة فرص المشاركة العادلة فى الثروة الوطنية من ناحية ثانية، والحرص على تحقيق الفرص المتكافئة للمواطنين من ناحية ثالثة.

 

5 - اقتران الديمقراطية بالمساواة والمشاركة السياسية

 

غياب المساواة عن الديمقراطية يجهض عملية البناء الديمقراطى الجديدة، والمساواة المطلوبة هى المساواة العادلة، تماماً مثلما أن الحرية المطلوبة هى الحرية العادلة، وهنا يكتسب الإصلاح السياسى الكامل مفهومه الحقيقى. فالديمقراطية الحقيقية لا تعرف التمييز بين الأشخاص، وتقتضى المساواة أن تصبح القوانين عامة، وأن تطبق على الجميع على أساس الكفاءة الشخصية، لا على معايير المحاباة التقليدية، لذلك يتجه بعض الباحثين إلى اعتبار المساواة القيمة السياسية المناظرة للمدنية، وأن السعى من أجلها ومن أجل تحقيقها هو جوهر سياسات الإصلاح.

 

كما يستلزم البناء الديمقراطى الجديد تعميق وتأصيل المشاركة السياسية لكافة القوى والاتجاهات السياسية ووجود مؤسسات سياسية جديدة مثل الأحزاب السياسية والنقابات وجماعات الضغط لتنظيم تلك المشاركة.

 

فالمشاركة السياسية التى تعنى بوضوح تنظيم جهود المواطنين لاختيار قياداتهم والتأثير فى صنع وترشيد السياسة العامة تختلف عن عملية "التعبئة" التى تقوم بها النخب الحاكمة، وغياب المشاركة السياسية يفقد المجتمع فرصة كبيرة لتوسيع وتأكيد الولاء الوطنى، واستيعاب المواطنين ضمن مؤسسات النظام السياسى وتحقيق الاستقرار. وترجع أهمية تعميق المشاركة الجماهيرية الفعالة فى النشاط السياسى إلى أنها الوسيلة الأساسية لتحقيق المساواة كقيمة سياسية عليا فى المجتمع.

 

6 - ترشيد السلطة

 

بمعنى إحلال سلطة سياسية واحدة مدنية وقومية محل العديد من السلطات التقليدية والدينية والعائلية والعرقية. وهذا يعنى أن الحكومة يجب أن ينظر إليها كنتاج بشرى. كما أن إيجاد مثل هذه السلطة يستلزم أولاً أن يكون الإنسان هو المصدر الأساسى للسلطة العليا، ويستلزم ثانياً أن تكون الطاعة للقانون الذى ينبغى أن تكون له الأولوية فى الإلزام على غيره من أية مصادر إلزامية أخرى.

 

ترشيد السلطة يعنى أيضاً تأكيد السيادة الوطنية للدولة فى مواجهة أى نفوذ خارجى، أى إلغاء كل مظاهر وأسباب التبعية للخارج، وفى مواجهة أى قوى أو فئات داخلية لها علاقات أو ارتباطات بالخارج، وبالتحديد التى تعتبر بمثابة الأدوات الاجتماعية للتبعية. كما يعنى كذلك تحقيق التكامل الوطنى بكافة أبعاده وتركيز السلطة فى أيدى الهيئات والمؤسسات السياسية الوطنية دون غيرها من المؤسسات الفرعية التقليدية.

 

إن هذه الضوابط الست كفيلة بتأمين عملية البناء الديمقراطى المطلوبة الآن فى مصر والتى يمكن عن طريقها تحقيق التغيير الذى نريده بإقامة مجتمع العدل والحرية فى شكل عقد اجتماعى - سياسى جديد بين كافة القوى الوطنية المصرية ينظم أساس الحكم وقواعده ومبادئه، كما ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتتحدد من خلاله الحقوق والواجبات للحاكمين والمحكومين دون تجاوز أو طغيان ضمن عملية تحديث شاملة للمجتمع والدولة فى مصر قادرة على الانتقال بها من عهود التخلف والاستبداد والتبعية إلى مستقبل مفعم بالحرية والعدالة والجدارة فى تبوء مكانة متقدمة بين الأمم والشعوب.

 

7 – اعتماد نموذج التنمية الذاتية المتواصلة والعادلة لتأمين التقدم المنشود الكفيل ببناء مجتمع العدل والحرية

 

إن طبيعة التنمية التى تحتاجها مصر، هى تنمية مستندة على الإمكانيات الذاتية فى إطار علاقات اندماجية وتفاعلية عادلة ومتوازنة ومتكافئة مع الاقتصاد العالمى، تنمية تحفز كل عناصر القوة الاقتصادية الذاتية وتعبئها، وترفع معدلات الادخار والاستثمار المحليين بشكل يمكن الاقتصاد المصرى من تحقيق نقلة كبيرة فى مستويات التقدم الاقتصادى والاجتماعى لمصر، ونقلة كيفية فى مستويات معيشة المصريين وفى القضاء على الفقر والجهل والمرض فى مجتمع يتسم بالعدالة فى توزيع الدخول والخدمات العامة ويحقق التنمية البشرية الحقيقية لكل المصريين بلا أى تمييز من أى نوع، تنمية تعنى بالبحث العلمى والتطوير التكنولوجى المحلى الذى يمكن الارتكاز عليه فى إقامة علاقات متوازنة وعادلة مع البلدان المتقدمة تكنولوجيا عندما يكون هناك ما يمكننا تبادله معها. تنمية ترفع كفاءة تخصيص الموارد المحلية المتنوعة لأقصى درجة من أجل بناء اقتصاد قوى يمكنه أن يشبع احتياجات المواطنين من السلع والخدمات ويرفع مستويات معيشتهم بشكل مستمر وراسخ، ويكتسب هو ذاته القدرة على النمو الذاتى المتواصل، ويكون فى الوقت ذاته قادراً على الاستجابة بشكل فعال للتحديات التى تطرحها البيئة الاقتصادية الدولية بشكل يمكنه من الصمود فى المنافسة ويكسبه القدرة على التفاعل مع الاقتصاد العالمى من موقع قوى. والتنمية التى نتحدث عنها بهذا المعنى هى "التنمية الذاتية المتواصلة" القائمة على بناء قواعد ذاتية صناعية وزراعية وخدمية، وتطوير قواعد علمية وتكنولوجية محلية، فى إطار التفاعل مع الاقتصاد الدولى على أسس عادلة ومتوازنة ومتكافئة.

 

وهذه "التنمية الذاتية المتواصلة" فى مصر يجب أن يكون لها بعدين رئيسيين: الأول، داخلى يتعلق ببناء القواعد الاقتصادية الداخلية القادرة على النمو الذاتى المتواصل فى مختلف الظروف وبشكل قادر على المنافسة مع إنتاج الاقتصادات الأخرى من السلع والخدمات من زاويتى السعر والجودة، وتمويل بناء هذه القواعد من خلال المدخرات والاستثمارات المحلية بالأساس، وتوزيع ناتج هذا الاقتصاد بشكل يراعى العدالة وتوفير حد أدنى من مستوى معيشى كريم لأدنى شرائح الدخل، ويراعى أيضا توفير حوافز النمو والإنتاج، وذلك فى إطار نظام اقتصادى يتم بنائه بشكل متوافق مع متطلبات تحقيق هذه الأهداف ويتحدد فيه دور الدولة وقطاعها العام وهيئاتها الاقتصادية والقطاع الخاص والقطاع العائلى بشكل يساعد على تحقيق التطور الاقتصادى المرغوب مجتمعيا، فى إطار من الشفافية وانعدام الفساد وبناء الآليات الضرورية لمكافحته واجتثاثه إذا حدث من خلال رقابة شعبية فعالة لا يمكن أن تتوفر إلا فى نظام ديمقراطى كامل يتضمن آليات واضحة لتداول السلطة وينهض على فكرة المساواة بين كل المواطنين.

 

والثانى، يتعلق بالعلاقات الاقتصادية الخارجية لمصر وكيفية صياغتها بصورة عادلة ومتكافئة ومحفزة للنمو والتطور الاقتصادى، بحيث تركز على الصعيد الجغرافى على الدول والمناطق الأكثر قابلية لذلك، وتركز من ناحية الأطر الناظمة لها على الاندماج فى الاقتصاد العالمى كآلية حاسمة للتطور بالاتساق مع الوسط التاريخى المكون من مجموع اقتصادات العالم. ولا شك أن جدول أولويات مصر فى علاقاتها الاقتصادية الخارجية، يتصدره ارتباط مصر بمحيطها العربى من خلال تطوير العلاقات الاقتصادية التكاملية بين مصر وباقى الدول العربية بما يعنيه ذلك من تحرير انتقال عناصر الإنتاج والسلع فيما بينها، لخلق فضاء اقتصادى رحب أمام عناصر الإنتاج المصرية والعربية، وأمام ما تنتجه من سلع وخدمات، للتحرك فيه بحرية بما ينطوى عليه ذلك من ميزات نسبية وسوق واسعة وحوافز كبيرة للنمو والتوسع والتكامل الاقتصادى. فضلا عما يعنيه ذلك من توسيع نطاق المصالح التى تربط مصر مع البلدان العربية وزيادة عناصر التقارب والتوحد بين هذه البلدان. وفيما يخص العلاقات الاقتصادية الدولية لمصر، والأطر الحاكمة لها من اتفاقيات دولية متعددة الأطراف، فإن مصر مدعوة للتعاون من أجل العمل على صياغة العلاقات الاقتصادية الدولية على أسس عادلة ومتوازنة، بما قد يعنيه ذلك من إعادة النظر فى بعض الاتفاقيات الدولية التى وقعت عليها مصر ليس من أجل الانسحاب منها لأن ذلك سيكون خطأ تاريخياً وإنما للعمل على تعديلها بما يتناسب مع المصالح المصرية وذلك بالتوافق مع البلدان العربية والنامية أو حتى المتقدمة التى تتشارك مع مصر فى الموقف من هذه الاتفاقيات.

 

إن فرصة أى مجتمع فى تحقيق التنمية تتحدد بقدرته على تعبئة المدخرات لتحويل الاستثمارات المحلية لرفع مستوى تشغيل العمل ورأس المال وتحقيق دورة من النجاح الاقتصادى تكون جاذبة للدول والشركات الأجنبية للتعاون فى مجالات الاستثمار والتسويق والتكنولوجيا مع البلد المعنى بشروط متوازنة وعادلة ومتكافئة للطرفين. كما تتحدد أيضاً بمستوى التعليم ودرجة شيوعه وبمدى تحضر المجتمع وانفتاحه، وبمستوى الإنفاق على البحث والتطوير العلميين وبفاعلية المنتج العلمى والتكنولوجى فى تحديث الاقتصاد ورفع إنتاج العمل ورأس المال فيه.

 

إن مجمل هذه الضوابط السبع التى يجب أن تحكم البناء الديمقراطى لمجتمع العدل والحرية هى التى يمكن أن تجعل هذا المجتمع مجتمعاً مشاركاً ومجتمعاً منتجاً بما يكفل القدرة على جعله مجتمعاً عادلاً. إن اقتران الديمقراطية بالعدالة والتقدم الاقتصادى والاجتماعى هو الضمان الحقيقى لبناء مجتمع العدل والحرية الذى نريده لوطننا العزيز مصر

----------------------------------------------------------------------------

د. مصطفى كامل السيد

 

حركة كفاية في مفترق الطرق

 

 

لحظات المد والجزر أمر معروف في تاريخ كثير من الحركات الاجتماعية، ولكن على عكس

 

الطبيعة التي لا يدوم فيها الجزر، فإن لحظته قد تدوم في تاريخ هذه الحركات، إذا لم تعرف أسبابه، وإذا لم تنجح فى التعامل الصحيح مع هذه الأسباب.. وينطبق ذلك على حركة كفاية ، التي عرفت لحظة المد في العامين الأولين لنشأتها، لكن مما لاشك فيه أن لحظة الجزر فيها قد بدأت منذ منتصف سنة 2006، بعد إقرار التعديلات، وقد يدوم الجزر في كفاية، ما لم يعرف القائمون عليها أسبابه، ويتعاملون معها على النحو الصحيح، ومما يجعل هذا التعامل صعبا أن أسباب الجزر قد تكون في بعضها خارجة عن إرادتهم ، ولذلك فإن عبقرية هذه الحركة الاجتماعية هي في قدرتها ليس فقط على التكيف مع هذه الأسباب الخارجة عن سيطرتها، ولكن الاستفادة منها، بل وتحويلها إلى صالحها، فهل تقدر حركة كفاية على ذلك؟

 

.

 

قد لا يحب نشطاء كفاية أن يعترفوا بأنه على الرغم من قسوة الظروف التي نشأت فيها الحركة، وعلى الرغم من أن ذراع القمع في نظام الحكم في مصر لم تغب عن توجيه ضربات لهم، وكثير منها مما يوصف بأنه تحت الحزام، إلا أن الموقف الداخلي والإقليمي والدولي الذي عرفته الحركة في عاميها الأولين هو الذي مكنها من أن تقوم بمبادراتها التي وسعت من آفاق حركات الاحتجاج الجماعي فى مصر، ووضعت على قائمة الحوار العام في المجتمع قضايا كان يجرى الهمس بها من قبل في غرف مغلقة، وقد تغير ذلك الموقف جذريا في الشهور المنصرمة منذ منتصف العام الماضي ، مما يحتم على نشطاء الحركة، إذا كانوا يريدون لها الاستمرار، بل ,وأن تسهم في توجيه التطور السياسي في مصر، أن يتأملوا دروس الماضي القريب، وأن يخرجوا منها بالاستنتاجات الصحيحة، وأن يحولوا هذه الاستنتاجات إلى عمل دءوب متناسق، هنا فقط يمكن أن يتوقف الجزر، بل ,أن يتحول، إذا ما أحسنوا التعامل مع أسبابه ، ألى مد هادر.

 

ومن الأمانة الإقرار بأن حركة كفاية قد أحرزت نجاحات غير مسبوقة في عاميها الأولين. لم تكن أول من رفض التوريث، أو تشكك في حكمة فترة خامسة للرئيس حسنى مبارك، ولكنها هي التي جعلت من هاتين القضيتين موضع نقاش عام في مصر، وكما كانت سباقة في طرح هاتين القضيتين على مسرح النقاش العام، فهي التي بادرت بشجاعة وباستمرار على تحدى الحظر الفعلي لحق المواطنين فى التجمع السلمي دونما انتظار لموافقة من سلطات الأمن، كما أن تنوع الروافد الفكرية بين قادتها ونشطائها ضرب مثلا على إمكان أن تلتقي قوى المعارضة في مصر على عمل مشترك ومستمر، فضلا على أنها أبدعت في ابتكار أساليب جديدة فى عمل حركات المجتمع المدني جديرة بالإقتداء بها بل واستمرارها والتجديد فيها والبناء عليها حتى تتسع دائرة المشاركين في العمل الجماهيري، وأن تزداد فاعلية هذا العمل.

 

 

ولكن كل هذه النجاحات كانت ممكنة ليس فقط بفضل حماس وإخلاص نشطاء كفاية واستعدادهم للتضحية، ولكن لأن ظروف مصر والوطن العربي والقوى الدولية المسيطرة سهلت ذلك في حينه، ولكن لبس ذلك هو الحال الآن.

 

 

ويمكن القول بأن المرحلة الأولى في وجود كفاية اتسمت بحصار النظام لها، إلا أن المرحلة الثانية اتسمت بمنع النظام أي تحرك لها، والفارق شاسع بين ترك تجمع لكفاية أمام نقابة الصحفيين أو فى ميدان التحرير أو ميدان عابدين أو في معرض الكتاب، ومحاصرة هذا التجمع بآلاف من جنود الأمن المركزي،وبين منع النظام أي تظاهرة لكفاية على الإطلاق ، وهو ما أصبح أسلوبه المعتمد منذ منتصف العام الماضي،. ففي المرحلة الأولى كان النظام مازال يحاول الإيحاء بأنه يسعى على طريق الإصلاح السياسي، ويريد أن تمر عملية انتخاب الرئيس حسنى مبارك في أجواء شبه ديمقراطية ، وذلك في مواجهة رأى عام محلى يتشكك فى حكمة إصرار الرئيس على البقاء في منصبه لفترة خامسة ، وتمشيا مع ضغوط أمريكية لدفعه للتخلي عن سماته الاستبدادية الأكثر استفزازا، وهو أيضا ما دعا النظام العربي بأسره إلى وضع قضية الإصلاح السياسي ضمن خطابه العام كما ظهر ذلك في قرارات القمة العربية في تونس فى 2004. وقد تغير ذلك كله منذ منتصف العام الماضي لأسباب عدة.. فقد أظهرت هذه الفترة من الانفراجة النسبية التي شهدتها مصر منذ أواخر سنة 2004 وحتى منتصف 2006 أنه لو ترك هذا الهامش لقوى المجتمع المدني والمعارضة السياسية فإن استمرار النظام نفسه قد يصبح مهددا وذلك مع اتساع حركات الاحتجاج الجماعي لتشمل قطاعات متعددة من الطبقة المتوسطة بما في ذلك القضاة وهيئات التدريس بالجامعات وخصوصا بعد أن شهدت مصر موجة غير مسبوقة من الإضرابات العمالية، وهنا قرر المسئولون عن أمن النظام ممارسة الحزم مع ما يعتبرونه معارضة سياسية ويشمل ذلك الإخوان المسلمين وحركة كفاية، والتعامل بقدر من المرونة مع حركات الاحتجاج التي ترفع مطالب اقتصادية محضة وذلك خشية تسييسها. الاحتجاج السياسي مرفوض من جانب النظام ،ولكن الاحتجاج الإجتماعى محتمل على مضض لأنه لا يرفع مطالب لا يقبلها النظام ، وهو تنفيس عن مشاعر خانقة بفقدان الحيلة أمام أوضاع اقتصادية صعبة’، لذلك فإنه يقتضى أسلوبا آخر في التعامل معه.وقد أصبح النظام المصري لا يأبه بأي انتقاد لممارساته من جانب الإدارة الأمريكية، لأن ورطة هذه الإدارة في العراق، واستعدادها لشن عمل عسكري ضد إيران يجعلها بحاجة إلى النظم العربية المتحالفة معها لمساعدتها في تحمل قدر من المسئولية السياسية في البحث عن مخرج لأزمتها في العراق، ولتقديم قدر من المشروعية لعمل عسكري محتمل ضد إيران، وكذلك بعد أن أدركت الإدارة الأمريكية أن تيارات الإسلام السياسي هي أكثر المستفيدين من أي انفراجة نسبية فى النظم السلطوية الصديقة للولايات المتحدة.

 

 

والواقع أن نجاح نظام الحكم في مصر في التعامل مع أوضاعه الداخلية وبيئته الدولية قد أحدث أزمة عميقة لحركة كفاية، فقد رفعت الحركة شعار لا للتمديد فترة خامسة للرئيس حسنى مبارك ولا للتوريث لابنه جمال مبارك، وهاهو مبارك وقد أمضى عامين في فترته الخامسة، وسيناريو التوريث يحرز تقدما بالدور المتزايد لجمال مبارك في الحياة السياسية في مصر وخصوصا داخل الحزب الحاكم، ولذا يبدو نشاط كفاية للرأي العام في مصر عديم الجدوى، ومن ناحية ثانية فإن استمرار كفاية في أساليب احتجاجاتها بتنظيم المظاهرات قد أصبح شبه مستحيل وأوقع ذلك الحركة في أزمة عميقة عبرت عن نفسها فى تبادل الاتهامات بين النشطين والقيادات حول المسئولية عن انصراف المواطنين مها، وحمل بعضهم المسئولية عن ذلك للمنسق العام الأول للحركة ،واستبشروا خيرا بانتخاب منسق عام جديد على أمل أن يتمخض تغيير القيادة عن تغير حظ كفاية في حشد المواطنين وراء أهدافها ومشاركتهم فى أنشطتها. وهذا سراب خادع لو لم تقم الحركة بتحليل صحيح لأسباب أزمتها ، وتتكيف بدرجة أكبر مع هذه الأوضاع الداخلية والخارجية الجديدة. فكيف يكون الطريق إلى ذلك.

 

 

ليست هناك إجابة سهلة على هذا السؤال، ولكن قد تكون بعض خطوات التكيف مع هذه الأوضاع هي ما يلي:

 

 

أن تعيد الحركة تحديد أهدافها ة ومجالات اهتمامها بدقة. هل هي مجرد صوت احتجاج يعكس ضمير المجتمع، أم أنها حركة اجتماعية تسعى لتغيير الأوضاع في مصر بالانتقال إلى أوضاع ديمقراطية. أن تكون الحركة مجرد صوت احتجاجي لا يقتضى أكثر من الحفاظ على كتلة متماسكة من النشطاء، ولكن أن تكون الحركة أداة تغيير سياسي حاسم يقتضى ولادة جديدة لفاعل جماعي قادر على قيادة التطور السياسي فى مصر. ولكن حتى لو أن الاختيار الثاني هو الذي تستقر عليه الحركة فإن ذلك يقتضى تركيزها عليه وأن تحدد أولويات نشاطها على هذا الأساس. ولا يعنى ذلك أن تتوقف كفاية عن الاهتمام بالقضايا العربية والدولية، ولكن أن تمارس الانتقاء فيما يتعلق بأنواع النشاط المرتبطة بكل قضية، إصدار البيانات مناسب فيما لا يتعلق مباشرة بقضية الديمقراطية في مصر، والتعبئة السياسية الواسعة مطلوبة في كل ما يتعلق بها. المظاهرة مطلوبة عند إقرار قانون جديد لمكافحة الإرهاب، ولبس مطلوبا أكثر من بيان للإعراب عن التضامن مع الشعب الفلسطيني،

 

كما يقتضى هذا الاختيار الثاني سعى الحركة إلى توسيع دائرة المنخرطين فى أنشطتها، وقد تحمس نشطاء فى قطاعات متعددة مع مطالبة الحركة بالتغيير. صحيح أن الأزمة قد امتدت إلى معظم شقيقات كفاية التي رفعت شعار التغيير بين الط